كان اندلاع الاحتجاجات في قرغيزستان – الدولة الواقعة في آسيا الوسطى – في السابق سببًا في إزاحة الحكومات والإطاحة بها.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعدَّه كلٌ من جنيفر بريك مورتزاشفيلي، الأستاذ المشارك في كلية الدراسات العليا للشؤون العامة والدولية بجامعة بيتسبرج، وكولين وود، طالبة دكتوراة في قسم العلوم السياسية بجامعة كولومبيا، استعرضا فيه أسباب إلغاء نتائج الانتخابات التي أُجرِيت مؤخرًا في قرغيزستان بعد اندلاع موجة احتجاجات عارمة بسبب فوز الأحزاب المقربة من السلطة بجميع مقاعد البرلمان.

استهل الكاتبان تقريرهما بالقول: «إن الانتخابات البرلمانية التي أُجرِيت يوم الأحد الماضي في قرغيزستان أشعلت موجة احتجاجات شعبية بعدما أظهرت نتائج الانتخابات استحواذ الأحزاب الموالية للحكومة على مقاعد في البرلمان، فواصل المواطنون احتجاجاتهم على هذه النتائج نهارًا في جميع مدن قيرغيزستان، بينما احتشدت مجموعات الدفاع المدني ليلًا لحماية العاصمة من عمليات النهب والسرقة».

مخالفات وخروج عن السيطرة

يقول الكاتبان: دعونا نرو لكم ما حدث في الانتخابات. سجَّلت بعض التقارير عددًا من المخالفات التي وقعت في يوم الاقتراع، وكان من بينها مشاهدات ومخططات بهدف شراء الأصوات، كما رُصِدت حافلات تحمل على متنها عددًا من الأشخاص الذين سُجِّلت أسماؤهم عن طريق التزوير والتلاعب في مواقع إستراتيجية ليتمكنوا من التصويت هناك.

وتجمع الآلاف من شعب قرغيزستان في بيشكيك عاصمة البلاد احتجاجًا واعتراضًا على هذه المخالفات ومن أجل التعبير عن استيائهم من نتائج الانتخابات. وعندما حاولت قوات الأمن التابعة للحكومة السيطرة على الحشود مستخدمين رذاذ الفلفل والرصاص المطاطي، خرجت هذه المظاهرات عن السيطرة، واحتل المتظاهرون مبنى البرلمان ومكتب الرئيس، مطالبين بإجراء انتخابات جديدة.

Embed from Getty Images

ما الذي أدى إلى اندلاع هذه الاضطرابات؟

ألمح الكاتبان إلى أنه مع اندلاع موجة الاضطرابات في بعض دول قارتي أوروبا وآسيا، مثل الاحتجاجات في بيلاروسيا وتجدد القتال بين أرمينيا وأذربيجان، أصبح من المغري وضع الأحداث في قرغيزستان في إطارها الصحيح، باعتبار أن هذه الأحداث جاءت نتيجة لإرث ما بعد حقبة الاتحاد السوفيتي، أو الطموحات الروسية الجيو-سياسية، وصحيحٌ أن كليهما يُقدمان توضيحات مشتركة عن السياسات الموجودة في دول آسيا الوسطى، لكن ليس هناك ثمة دليل واحد على تورط روسيا في إثارة الاضطرابات في قرغيزستان.

وأشار الكاتبان إلى أن هذه ليست تجربة قرغيزستان الأولى في تغيير قيادة البلاد بالقوة وعبر انتفاضات شعبية، إذ أطاحت احتجاجات عارمة اندلعت في عامي 2005 و2010 برؤساء سابقين. وتركزت الاحتجاجات، في كلتا الانتفاضتين، على شعور شعب قرغيزستان بالإحباط وخيبة الأمل من الفساد المستشري في البلاد، وإشراك الرؤساء أفراد عائلاتهم في شؤون السياسة.

وبعد كلتا الانتفاضتين الشعبيتين، أصلحت النخب السياسية في قرغيزستان دستور البلاد والقواعد الانتخابية، على أمل تحسين توازن القوى بين رئيس البلاد والبرلمان. إلا أن الرئيس سورونباي جينبيكوف، وسلفه ألمازبيك أتامباييف، خططا لإضعاف سلطة البرلمان. وأثبتت هذه الإستراتيجية نجاحها؛ إذ أظهرت دراسة أُجريت على ألف و200 قانون ومرسوم أن أعضاء البرلمان يُصوِّتون بالموافقة على مشاريع القوانين بنسبة 98% في أغلب الأوقات، دون إجراء مناقشة حول هذه المشاريع تقريبًا.

انتهاز فراغ السلطة

وعلى أمل تغيير هذه الاتجاهات – بحسب الكاتبان – أسَّس بعض أفراد من شعب قرغيزستان أحزابًا جديدة، لكن لم يتمكن سوى أربعة أحزاب فحسب من الأحزاب الستة عشر المتنافسة في الانتخابات التي أُجرِيت يوم الأحد من الحصول على مقاعد في البرلمان. وفي يوم الثلاثاء قررت لجنة الانتخابات المركزية إلغاء نتائج الانتخابات، وهي الخطوة التي نظر إليها القرغيزيون على أنها بمثابة علامة على مدى تأثير حركة الإصلاح.

Embed from Getty Images

وبدلًا عن ذلك يبدو أن إلغاء الانتخابات أدَّى إلى حدوث فراغ في السلطة؛ إذ أعلن اثنان من مجلسي التنسيق، اللذان نصَّبا أنفسهما، مسؤوليتهما عن «السيطرة على حالة عدم اليقين الحالية في البلاد» عن طريق اختيار قيادة جديدة، والتي ستقرر متى ستُجرى الانتخابات الجديدة وكيف ستُجرى. وفي الوقت نفسه، عيَّنت إحدى الكتل البرلمانية مُشرِّعًا سابقًا – كان سجينًا حتى الليلة السابقة بتهمة احتجاز رهائن – رئيسًا مؤقتًا للحكومة. إن هذا النوع من الانتهازية المخالفة للقانون هو ما أشعل فتيل الاحتجاجات الشعبية في المقام الأول – كما يقول الكاتبان.

القواعد السياسية تُسهِّل المكاسب الشخصية

وذكر الكاتبان أن دستور قرغيزستان يُقدِّم حوافز للرؤساء وأعضاء البرلمان من أجل تحقيق مكاسب شخصية. ويُحدد دستور البلاد ولاية واحدة مدتها ست سنوات للرئيس، وهي خطوة كان الهدف منها منع أي رئيس متعطش للسلطة من تجاوز مدة توليه أو توليها السلطة. كما يحدث في الجارة طاجيكستان على سبيل المثال، إذ يستعد الرئيس إمام علي رحمن، في نهاية هذا الأسبوع، لإعادة انتخابه رئيسًا للبلاد من جديد، وهو المنصب الذي يتقلده منذ عام 1992.

بيد أن الحد الأقصى لمدة تولي الرئاسة يعني أن رؤساء الحكومات – وهؤلاء الذين يعملون وفق رغبات الرئيس – هم من الناحية العملية مثل «سياسيي البطة العرجاء» (عاجزون بسبب محدودية المدة) منذ لحظة أداء اليمين الدستورية لتولي السلطة. إن هذه الترتيبات المؤسسية تعني أن القيادات والمسؤولين يشعرون بالقلق بشأن إرثهم الشخصي أو – على نحو أكثر واقعية بالنظر إلى تاريخ قرغيزستان مع الانتفاضات والثورات – بشأن «إستراتيجية الخروج» أكثر من حالة القلق التي كانت ستنتابهم إذا اضطروا إلى مواجهة إعادة الانتخاب.

ولفت الكاتبان إلى أن رؤساء الحكومات في قرغيزستان يُدركون أنهم لن يظلوا في السلطة لمدة طويلة. وقد تولى رئاسة الحكومة في البلاد منذ عام 2010 تسعة أشخاص. وتُزِيد هذه المدد القصيرة من إغراءات الفساد على مستويات الحكومة كافة. وبطبيعة الحال يكون لهذا الفساد أثر مدمر على توفير الخدمات للشعب.

وأبرز الكاتبان أن أعضاء البرلمان ليسوا أقل فسادًا. وتتمتع الأحزاب في قرغيزستان بسلطة اختيار القوائم الحزبية، وبذلك تحدد أسماء المرشحين الذين سينتهي بهم المطاف أعضاءً في البرلمان. وفي حين أن الكوتا (نظام الحصص) تتطلب من كل حزب تقديم عدد معين من النساء والشباب والأقليات العرقية بصفتهم مرشحين على قوائمهم، يُسيطر على برلمان قرغيزستان الرجال الذين أدَّوا، منذ عقود مضت، لعبة الكراسي الموسيقية عبر الأحزاب والمناصب الرسمية. ويميل السياسيون البارزون إلى التعامل مع الأحزاب باعتبارها إحدى وسائل تحقيق مصالحهم الشخصية، بدلًا عن التعامل معها على أنها مجموعات متماسكة مرتبطة بمصالحها الأيديولوجية وأفضليتها السياسية.

البلاد رَفَعَت مستوى التمثيل للمقاعد البرلمانية

عندما انتقلت قرغيزستان إلى النظام الانتخابي النسبي في عام 2007، كان لزامًا على الأحزاب الوصول إلى عتبة نجاح محددة بنسبة 5% ليتسنى لهم الحصول على مقاعد في البرلمان. وقد زادت هذه النسبة إلى 7% بعد ثورة 2010، ثم زادت مرة أخرى في عام 2017 إلى 9%، لكنها عادت إلى 7% قبل الانتخابات البرلمانية هذا العام.

وبيَّن الكاتبان أن الفكرة وراء ارتفاع مستوى التمثيل تكمن في أنه لن يتمكن من تجاوز هذه العتبة سوى الأحزاب الأقوى فحسب، والتي بدورها ستكون الأكثر ملائمة لتولي السلطة الرئاسية، لكن هذا النظام يُمكن أن يُقلل أيضًا من التمثيل داخل البرلمان.

إن الأحزاب الأربعة التي تجاوزت هذه العتبة في هذه الانتخابات تمثل 65% فقط من الأصوات المدلى بها في صناديق الاقتراع، وهذا الأمر يمنع أحزاب المعارضة فعليًّا من المشاركة في الحكومة، كما أنه يتجاهل أكثر من ثلث أصوات الناخبين في قرغيزستان. ونظرًا لأن الأحزاب التي حصلت على مقاعد في البرلمان هي من الأحزاب الموالية للحكومة، فقد منح هذا رئيس البلاد، من الناحية العملية، أغلبية ساحقة، بينما كان من المفترض أن يمنع نظام المستوى التمثيلي وقوع مثل هذا الأمر.

Embed from Getty Images

السبيل الوحيد للخروج من الأزمة

وأردف الكاتبان أن الانتخابات في قرغيزستان تجري بنظام القائمة الحزبية لكل دائرة وطنية واحدة، وهو ما يعني أن أعضاء البرلمان يُمثلون البلاد بأسرها، ولا يُمثلون دوائر انتخابية جغرافية معينة. وهذا الأمر يقدم للأحزاب والسياسيين قدرًا ضئيلًا من الدوافع للحرص على التواصل وإقامة الروابط ذات القيمة مع المواطنين، كما أنه لا يوفر سوى قليل من إمكانية مساءلة البرلمان أمام الشعب. أما في حالة ما إذا كان السياسيون يُمثلون دوائر انتخابية، فإنهم لا يمثلون سوى مصالح مجتمعية ضيقة في المناطق التي نشأوا فيها، أو يُقيمون فيها في الوقت الحاضر.

وحتى يوم الجمعة أعلن جينبيكوف عن استعداده للتنحي بمجرد أن يتبين له مَنْ الشخص الذي سيكون رئيسًا للحكومة. وقدمت مجموعتان متنافستان مرشحيهما لرئاسة الحكومة، لكن البرلمان لم يتمكن من بلوغ النصاب القانوني لتأكيد أي منهما مؤهلًا لتولى المسؤولية.

واختتم الكاتبان تقريرهما بالقول: إنه بالنظر إلى الجمود الناجم عن المؤسسات السياسية في قرغيزستان، يبدو تمسك مختلف الأطياف السياسية، ومنهم الرئيس والساسة المخضرمين والنشطاء من الشباب على حد سواء، بالدستور أمرًا مُحيرًا. لكن قرغيزستان نظمت عدة انتخابات حرة ونزيهة في ظل هذا النظام الدستوري. وربما ينظر عددٌ منهم إلى حدود الدستور القانونية (حتى في ظل عدم اكتمالها) على أنها المسار الشرعي الوحيد للمضي قدمًا بالبلاد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد