ما السبب الحقيقي للإدلاء ببيان 24 أغسطس (آب)، الذي أعلن فيه وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب؟

نشر موقع «ذي أفريكا ريبورت» تقريرًا أعدَّه فرانسوا سودان، رئيس تحرير مجلة «جون أفريك»، قدَّم فيه قراءة لحيثيات البيان الصادر عن وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، الذي أعلن فيه قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب. ونوَّه الكاتب إلى أن لعمامرة اتَّهَم في بيانه المملكة المغربية بالتدخُّل في الشؤون الداخلية في الجزائر، على الرغم من أن بلاده آوت إحدى جبهات حرب العصابات، التي أعلنت أنها في حالة حرب مفتوحة ضد المغرب، ووفَّرت لها السلاح وأبقت عليها لمدة 45 عامًا على أراضيها.

تبادل الأدوار

يشير الكاتب في مستهل تقريره إلى أن الجملة الأولى من الإعلان الرسمي رقم 12/105 جديرة بأن يُستشهَد بها كاملة؛ وآية ذلك أن كل شيء ذُكِر، ضمنيًّا، بشأن العلاقات الحدودية (بين نظامين يبدو أنهما غير متوافقين) التي لم تُترجَم يومًا ما إلا إلى الهيمنة والتنافس. والدليل على ذلك الأمر، أن هذا البيان الاتهامي يمكن تكراره حرفيًّا إذا تبدَّلت الأدوار والمواقع؛ أي كان يمكن أن يقول المغرب مثل هذا الكلام إذا كان في موقف الجزائر.

عربي

منذ شهر
هكذا يضر إعلان القطيعة بين المغرب والجزائر بالمنطقة المغاربية

ويشير الكاتب إلى ما جاء في البيان: «لقد ثبت تاريخيًّا، وبكل موضوعية، أن المملكة المغربية لم تتوقف يومًا عن القيام بأعمال غير ودِّية وأعمال عدائية ودنيئة ضد بلدنا، وذلك منذ استقلال الجزائر». ويعقب ذلك توصيف زمني استرجاعي، على عدة مراحل، يهدف إلى توضيح كيف «قوَّض المغرب بصورة مُمنهجة ودائمة» أي محاولة للتقارب بين البلدين، إلى درجة إجبارهما «بلا [هوادة]» على اتِّباع «طريق ضيق ممتد على حافِّة الهاوية».

إعادة صياغة التاريخ

ويؤكد الكاتب أن أول نقطة لاسترجاع التاريخ الذي أعاد لعمامرة صياغته تمثَّلت في حرب الرمال التي اندلعت عام 1963. وكانت هذه الحرب، على حدِّ قوله، «عدوانية مفتوحة بين الأشقاء وشنَّتها القوات المسلحة المغربية»، والتي لم نكن نعرف، ولكنَّنا علمنا من الوزير، أنها أودت بحياة «850 شهيدًا» (تشير التقديرات حتى الآن إلى مقتل 300 جزائري و40 مغربيًّا).

يضيف الكاتب: وبما أن هذه الحرب التي استمرت أربعة أسابيع، والتي نعلم أن المغرب انتصر فيها عسكريًّا، بينما انتصرت الجزائر دبلوماسيًّا، تُمثِّل الركيزة الأساسية في عداء المغرب (التي تعرَف بالسلطنة الشريفة) تجاه جيرانه في الجهة الشرقية، ربما يكون من الأفضل أن نسترجع سياقها، وهو ما يُحجِم لعمامرة عن فِعله.

Embed from Getty Images

على سبيل المثال، من المهم أن نشير إلى الدعم الذي قدَّمه محمد الخامس للمقاتلين الجزائريين أثناء الكفاح من أجل الاستقلال، فضلًا عن رفضه تقديم الدعم، وهو ما أثَّر تأثيرًا حاسمًا في المستقبل، من أجل الانضمام إلى المقايضة التي اقترحها الفرنسيون. وشملت هذه المقايضة تسليم ولاية تندوف (التي كانت تابعة لإقليم أغادير حتى عام 1952) مقابل تصفية معاقل جيش التحرير الوطني الجزائري في الشرق.

ويشير التقرير إلى أنه ينبغي أن نتذكر أيضًا أنه في ذلك الوقت، أطلقت صحيفة «المُجاهد» على الحسن الثاني وصفًا بوصفه «دمية إقطاعية»، وأنه حتى يومنا هذا، ما زال من غير المعروف تمامًا المعسكر الذي أُطلِقَت منه الطلقة الأولى في حرب الرمال التي اندلعت في 2 أكتوبر (تشرين الأول) 1963 على جانب مدن إيش وحاسي البيضاء وتنجوب، بين السهول الحصوية والصحراء الصخرية.

وهناك زعم آخر ورد في هذا البيان، في هيئة اتهام، وهو أن «الجزائر لطالما امتنعت عن التدخُّل في الشؤون الداخلية للمملكة المغربية». ويضيف لعمامرة أن هذه السياسة تتناقض تناقضًا مباشرًا مع سياسات المغرب. ويستشهد لعمامرة، دعمًا لزعمه، بالملاحظة الشهيرة التي أبداها عمر هلال، سفير المغرب لدى الأمم المتحدة، والتي أعرب فيها عن دعمه لـ«حق تقرير المصير» لـ«شعب القبائل الشجاع».

ومن المؤكَّد أن هذه الإشارة الطائشة والاستفزازية، بحسب تعبير الكاتب، التي عُمِّمَت في 14 يوليو (تموز) على هامش اجتماع لحركة عدم الانحياز في نيويورك، لا يمكن تفسيرها إلا في سياق مُحدَّد (أي إعادة الإحياء المفاجئ للأزمة الصحراوية) التي تعمَّد لعمامرة عدم التطرُّق إليها.

ويؤكد الكاتب أن الموقف الجزائري المؤيد لإجراء استفتاء على الحُكم الذاتي معروف بالتأكيد. ولكن من الصعب أن نلاحظ كيف يُعد إيواء جبهة حرب عصابات (التي أعلنت أنها في حالة حرب مفتوحة ضد المغرب) وتسليحها والإبقاء عليها، لمدة 45 عامًا على أراضيها، يندرج في إطار «عدم التدخُّل»، وفقًا للعمامرة.

جانب غامض

ووفقًا للتقرير، تعلن جبهة البوليساريو مسؤوليتها عن هجوم واحد على الأقل يوميًّا ضد الجدار الدفاعي المغربي منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. وحتى إذا كان معظمها صوريًّا، تصدُر بيانات الحرب هذه التي تنقلها وسائل الإعلام الرسمية في العاصمة الجزائرية بصورة ممنهجة من مدينة تندوف، بحسب وصف الكاتب.

Embed from Getty Images

وفيما يخُص بقية النقاط الواردة في البيان، يقول الكاتب علينا ألا نكون ساذجين؛ إذ لطالما كانت المشاحنات بين الجزائر والمغرب مصحوبة بجانب غامض لا يهتم بمبدأ السيادة الداخلية للدولتين. وفي المدة التي تمتد من ستينيات إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما دعمت الأجهزة المغربية تمرُّد القبائل بقيادة حسين آيت أحمد، وأنزلت الأسلحة بالمظلات إلى منارة رأس كيب سيجلي ليلًا، دعا مهدي بن بركة من العاصمة الجزائرية إلى الإطاحة بالنظام الملكي المغربي، وتسلَّل أنصاره إلى المغرب لتشكيل فرقة مقاومة.

وحتى يومنا هذا، لجأ عدد معين من المسؤولين الجزائريين السابقين إلى المملكة المغربية. ومن بين هؤلاء المسؤولين أمثال عمار السعدني، الأمين العام الأسبق لجبهة التحرير الوطني، الذي يحمل أسرار [الدولة] ويخضع لطلب تسليم المتهمين.

تغيير الوجهة

ويلمح التقرير إلى أنه في ظِل مواجهة المغرب، التي يشجعها الاعتراف الأمريكي بسيادته على الصحراء الغربية السابقة، وإعادة إقامة العلاقات مع إسرائيل، وهو «اتفاق» يُنظر إليه باعتباره معاديًا للجزائر، يستدعي لعمامرة التاريخ ليخلُص إلى أن الخلاف بين الدولتين الجارتين خلاف موروث نوعًا ما ولا يمكن تغييره على الإطلاق.

وفي الواقع، لا تستطيع الحكومة الجزائرية، التي تعرَّضت لانتقادات كثيرة داخل البلاد بسبب سوء إدارتها لحرائق الغابات التي اجتاحت جزءًا من البلاد وأجبرتها على طلب المساعدة من مستعمرها السابق، أن تهرب من إغراءات تشتيت الانتباه. [على سبيل المثال]، كم عدد الطائرات من طراز كانداير (وهي طائرات لمكافحة الحرائق) التي قد تُشتَرى على حساب طائرة إيرباص الطبية للرئيس السابق بوتفليقة، والتي توقَّفت عن الطيران على مدار السنوات العشر الماضية في حظيرة طائرات في مدينة بوفاريك، بواقع 50 ساعة طيران رسمية على مدار الساعة؟ ويجيب الكاتب: ثماني طائرات.

وذهب لعمامرة، من دون أي دليل، إلى حَدِّ اتهام الرباط بالتورُّط في إحراق مواطن بريء يشتبه في ارتكابه حرائق متعمَّدة، وإعدامه من دون محاكمة، من خلال «تعاونها النشط والمُوثَّق» مع تنظيمي «الحركة من أجل الحكم الذاتي لمنطقة القبائل (ماك) وحركة رشاد.

الهروب إلى الأمام

وفي نهاية مقاله، يطرح الكاتب سؤالًا: هل سيتبع الرأي العام الجزائري حكومته (أو بعبارة أدق، جيشه، بعد أن أصبح من الواضح أن هذا القرار لا يمكن اتخاذه من دون الحصول على إذن من سعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي) فيما يبدو أنه هروبًا إلى الأمام؟

Embed from Getty Images

ويجيب: الشيء الوحيد المؤكَّد هو أن رغبة البلدين في التقارب تتناقض دائمًا مع عداء القادة، وأن قضية الصحراء لم تكن قضية وطنية في الجزائر على الإطلاق. واستمرَّ تحسُّن العلاقات الدبلوماسية فيما مضى، بناء على طلب المغرب وفي ظِل خلفية المواجهات المباشرة بين جيشي البلدين، 12 عامًا (في المدة التي تمتد من عام 1976 إلى عام 1988). ولكن، إلى متى سيستمر قطع العلاقات بين البلدين في هذه المرة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد