تختلف اللغة من مكان لآخر وتتنوع في رسم حروفها وأساليب نُطقها، لكنَّ قرية كوسكوي في تركيا لديها لُغةٌ غريبةٌ بعض الشيء. إذ يتحدث قطاعٌ عريض من سكان القرية لغة الصفير، التي توارثوها عن أجدادهم. ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا عن تلك الظاهرة التي أوشكت على الانقراض، ومُحاولات الأتراك للحفاظ عليها.

ذكرت الصحيفة الأمريكية أنَّ امرأة تدعى مُعزز كوسيك (46 عامًا) تُعتبر واحدةً من أفضل المُصفَّرين في كوسكوي، القرية النائية وسط جبال البونتيك الخلابة بمحافظة غيرسون شمالي تركيا. إذ يُمكن سماع صوت صفيرها في حقول الشاي الواسعة وبساتين البندق في المنطقة، على بُعَدِ عدة أميال من موقعها. رحبت معزز بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان حين زار كوسكوي عام 2012، واستقبلته بصافرةٍ مزهوة تعني: «أهلًا بك في قريتنا».

وبحسب التقرير، تستخدم مُعزز «لغة الطيور» التي تُحوِّل مُفردات اللغة التركية بالكامل إلى تردُّدات وخطوط لحنية مُتنوعة النغمات. وسيلة الاتصال بالصفير هذه حملت أهميةً بالغة بالنسبة للمُجتمع الزراعي في المنطقة على مدار مئات السنين، مما سمح بإجراء مُحادثاتٍ مُعقَّدة على مسافاتٍ مُتباعدة، ويسَّر رعي الحيوانات.

واليوم، يتحدَّث قرابة 10 آلاف شخص هذه اللغة داخل المنطقة الأوسع، لكنَّ ذلك الرقم يتضاءل نتيجة الاستخدام المُتزايد للهواتف، التي تقضي على الحاجة إلى استخدام الصوت العابر للمسافات الطويلة. وأصبحت اللغة مُهدَّدةً بخطر الانقراض وفقًا لتقرير الصحيفة، لكنَّ مُعزز تقول: «هذا تراثنا. ويجب أن نُحافظ عليه ونواصل استخدامه».

أفاد تقرير «نيويورك تايمز» بأنَّ مُعزز بدأت تعلُّم لغة الطيور في سن الست سنوات، أثناء عملها في الحقول بجانب والدها، وحاولت تمرير هذا التقليد إلى بناتها الثلاث. تفهم فتياتها هذه اللغة، لكنَّ كادير كوسيك، ابنتها الوُسطى (14 عامًا)، هي الوحيدة التي تستطيع تحدُّثها والصفير بألحان النشيد الوطني التركي.

وتُعَدُّ تركيا واحدةً من دُول العالم القليلة التي تُوجد بها لغةٌ للصفير، بحسب التقرير. ومن المعروف أنَّ وسائل التواصل المُشابهة كانت تُستخدم في جزر الكناري واليونان والمكسيك وموزمبيق. وينبهر الباحثون والخُبراء اللغويون بهذه اللغات، لأنَّها تُثبِتُ أنَّ تركيبات المُخ التي تُعالج اللغة ليست ثابتةً بحسب الاعتقاد القديم.

إذ أنَّ هناك اعتقادٌ قديم العهد بأنَّ تفسير اللغة يحدث بنسبةٍ كبيرة في الفص الأيسر من الدماغ، في حين يُعالَج اللحن والإيقاع والغناء داخل الفص الأيمن. لكن أجرى أونور جونتوركون، خبير علم النفس الحيوي، دراسةً في كوسكوي تقترح أن لغة الصفير تُعالج داخل الفص الأيمن والأيسر من المُخ معًا.

وذكرت «نيويورك تايمز» أنَّ قرية كوسكوي تستضيف مهرجانًا سنويًا للغة الطيور والثقافة والفن منذ عام 1997، حيث يجتمع الناس للمُمارسة والمُنافسة. ويتلقَّى المُتنافسون تعليماتٍ حول صوت الصفير المُنتظر منهم، قبل أن يبدأوا في الصفير أمام لجنة تحكيمٍ تُعلِن الفائز في نهاية المُسابقة. ولا يوجد فندقٌ حاليًا داخل القرية النائية، لكنَّ السُكَّان المحليين يُطوِّرون مدرسةً قديمة لتحويلها إلى فندقٍ أملًا في جذب المزيد من السُيَّاح.

ووفقًا للتقرير، أُدرِجَت لغة الطيور على قائمة التراث الثقافي غير المادي الخاصة بُمنظمة الأمم المُتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2017. وأوضحت اليونسكو في بياناتها الصُحفية الأخيرة أنَّ الاستخدام المُتزايد للهواتف المحمولة يُمثَّل «تهديدًا رئيسيًا على بقاء تلك اللغة».

وتطرَّق التقرير أيضًا إلى أورغان سيفيليك (37 عامًا)، الذي يستطيع قراءة جملٍ طويلة عن طريق الصفير، وأوضح أنَّهم فخورون للغاية بتُراثهم اللغوي ويرغبون في مُشاركته مع الزُوَّار. لكن يستخدم البعض التكنولوجيا في الحفاظ على اللغة أيضًا، رغم دورها المحوري في اختفائها.

يستخدم سيفيليك مثلًا تطبيقًا يحمل اسم «قاموس لغة الصفير Islık Dili Sözlüğü» من أجل تعليم الأطفال لغة الطيور أثناء العُطلة الصيفية. ويُمكنك الاستماع إلى صوت صفير سيفيليك المُترجم حين تضغط على أيِّ كلمةٍ داخل التطبيق، وهو جُهدٌ بُذِلَ للحفاظ على اللغة وتسهيل وصولها إلى جمهورٍ أعرض. حَظِيَ التطبيق باهتمامٍ إعلامي كبير داخل تركيا عند إصداره، ودُعِيَ مُصمِّمُه للظهور على التلفزيون الوطني.

وفي كوسكوي، يُعلِّم سيفيليك لغة الصفير لنجله إيفي سيفيليك (10 أعوام)، لكنَّه يقول أنَّ الصبي يُعاني صعوبةً مع الجُملة الكاملة رُغم إلمامه بالكلمات. ويعتقد الرجل بأنَّ التاسعة من العمر هي السن الأنسب للبدء في تعلُّم اللغة، ويُوجِّه طُلَّابه حول كيفية ليِّ ألسنتهم والتحكُّم في أنفاسهم.

واختتمت «نيويورك تايمز» تقريرها بكلمات سيفيليك، الذي قال: «يُمكنك أن تفقد هاتفك أو تكسره، لكن الصفير سيظل دائمًا خيارًا مُتاحًا طالما باستطاعتك التنفُّس. وهذه هي وسيلة التواصل التي تستطيع جلبها معك إلى أيّ مكان».

لمشاهدة طريقة تأدية اللغة يمكنك الاطلاع على فيديو «نيويورك تايمز» من هنا.

الألمان منظمون والفرنسيون رومانسيون.. كيف تؤثر اللغة في تفكيرنا ونظرتنا للعالم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد