استعرضت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في مقال للكاتب آرون ديفيد ميلر، الباحث في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، دلالات زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، ويخلُص فيه إلى أن اختيار أبوظبي يُظهِر حكومةً إسرائيلية حريصة على تعزيز العلاقات مع الدول العربية بدلًا من معالجة القضية الفلسطينية في الداخل.

يستهل الكاتب مقاله بالقول: إذا كانت إدارة بايدن قد تملَّكَتها الحماسة في بداية عهدها معتقدةً أن بإمكانها التنصُّل من المسؤوليَّة تجاه القضية الإسرائيلية الفلسطينية، فقد كان لزامًا عليها أن تُدرك خطأها مع انطلاق الشرارة الأولى للجولة الأخيرة من الحرب بين إسرائيل وحماس في شهر مايو (أيار) الماضي.

إرث ترامب

ورجَّح الكاتب أن الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية الجديدة، على ما يبدو، لا تزالان تعتقدان أن مثل هذا التنصُّل من المسؤولية قد يُشكل خيارًا قابلًا للتطبيق. لكن الأمر ليس كذلك على الأرجح. ويَحسُن بالرئيس الأمريكي، جو بايدن، وفريقه أن يفعلوا ما بوسعهم للأخذ بعين الاعتبار إرث الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، ومنع حدوث انفجار آخر.

Embed from Getty Images

وقد أوضحت إدارة ترامب دومًا تقريبًا أنها كانت أقل اهتمامًا بحل الدولتين من اهتمامها بتوطيد العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وهو حل واقعي يستند على 22 دولة. وكانت النتائج ظاهرة للعيان هذا الأسبوع عندما بدأ وزير الخارجية الإسرائيلي الجديد، يائير لابيد، زيارته إلى الإمارات العربية المتحدة لفتح سفارة إسرائيلية في أبوظبي وقنصلية في دبي. وفي غضون عشرة أشهر فقط منذ توقيع اتفاقيات أبراهام، وتطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين، زار نحو 200 ألف إسرائيلي دولة الإمارات. وقد تجاوزت قيمة التجارة الثنائية 354 مليون دولار، مع وجود عدد من الصفقات التجارية قيد التنفيذ.

وبوصفه رئيسَ وزراءٍ مفترضًا (إذا استمر التناوب) ومؤيدًا مجاهرًا لحل الدولتين باستثناء تقسيم القدس، لا يدرك لابيد أهمية القضية الفلسطينية. ولكن نظرًا إلى تشكيلة الحكومة الإسرائيلية، التي يبدو أن اليمين يسيطر عليها مقابل يسار مذعن، فهو يصنع فضيلة من باب الضرورة، ذلك أن زيارة مبكرة إلى رام الله، على سبيل المثال، كان من الممكن أن تكون سياسة مروِّعة، وخاصة إذا لم يكن لدى لابيد شيء ذو أهمية لقوله، أو لعرضه على الفلسطينيين.

كذلك لا يضغط بايدن على إسرائيل بشدة بشأن القضية الفلسطينية، بحسب الكاتب. لكنه على الرغم من أنه يعلم أن اتفاقات أبراهام ليست بديلًا عن حل القضية الفلسطينية، فقد كال المديح للجانب الوحيد من عملية السلام الذي يعمل منذ توليه منصبه. والواقع أن التقارير تشير إلى أن فريقه يفكر حتى في تعيين مبعوث خاص لإدارة رعاية الاتفاقيات.

زعيم مأزوم

ويرى الكاتب أن لابيد، وفي حال التقى محمود عباس، فسيجد زعيمًا فلسطينيًّا محاصرًا ومهزومًا إلى حد بعيد، لافتًا إلى أن عباس، الآن في العام السادس عشر من ولاية مدتها أربع سنوات فقط، ويناهز عمره الـ85 عامًا، يرى أن صورته تتهاوى وأن مصداقيته تتآكل. ففي استطلاع فلسطيني رتَّب أداء مختلف الجهات الفاعلة في المواجهات الإسرائيلية الفلسطينية في مايو، احتل عباس المرتبة الأخيرة بنسبة 8% موازنةً بالمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل 86% وحماس 75%.

ومن المفارقات القاسية أن يكون الفلسطيني الأكثر أهمية في الشرق الأوسط هذه الأيام ليس محمود عباس، بل منصور عباس، زعيم القائمة العربية الموحَّدة الذي تحمل مشاركته في الحكومة الإسرائيلية الحالية مفتاح بقائها، ومن ثم فهو الوحيد الذي يحتاج السياسيون الفلسطينيون والإسرائيليون تلبية احتياجاته. وهو لا يضغط من أجل المزيد من الاهتمام بهذه القضية، وبدلًا من ذلك، فهو أكثر تركيزًا على الأهداف التي يمكن تحقيقها للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

Embed from Getty Images

وشدد الكاتب على أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة، من أجل بقائها، لن تكون راغبة أو غير قادرة على الانخراط في خطوات استفزازية كبيرة مثل ضم الضفة الغربية أو التوسع الاستيطاني الهائل هناك، بسبب فيتو لابيد ووجود حزبين من اليسار ومنصور عباس، الذين لا يستطيع التحالف الحكومي أن يخسرهم. بل إن الحكومة الجديدة قد تحاول اتخاذ خطوات تحسينية صغيرة لمساعدة اقتصاد الضفة الغربية، أو، كما فعلت الأسبوع الماضي، توزيع لقاحات كوفيد-19 على السلطة الفلسطينية.

ولكن عدم الانخراط في تصرفات سيئة، حسب ما يستدرك الكاتب، لا يعني أن الحكومة الجديدة قادرة أو ستكون مستعدة للعمل بطرق تفيد الفلسطينيين؛ ذلك أن موقف رئيس الوزراء الجديد، نافتالي بينيت، يأتي على يمين نتنياهو حين يتعلق الأمر بالضفة الغربية، ومن الممكن بالفعل رؤية أنهم، من خلال تأجيل الإخلاء الكامل لبؤرة استيطانية غير قانونية والموافقة على 31 مشروع تقسيم استيطانيًّا، لا يهتمون بمواجهة المستوطنين بل بإدارتهم. ولسوف يكون من الرائع أن نرى هل يقرر بينيت ووزراؤه إجراء أول اتصال مع عباس وتوقيت ذلك، وقد يكون الأفضل في البداية أن يجري ذلك بهدوء.

أما فيما يخص إدارة بايدن، فهي تواجه كثيرًا من الأولويات المتنافسة، وخاصة كيفية تمرير أجندة الرئيس المحلية. وإذا نجحت الولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاق مع إيران للعودة إلى الاتفاقية النووية لعام 2015، فمن المؤكد تقريبًا أنها ستتلقى ضربة في الداخل من الجمهوريين وحتى من بعض الديمقراطيين. كما أنها ليست بحاجة إلى انفجار آخر في فلسطين لصرف انتباهها أو حصرها بين حزب جمهوري حريص على تصوير الديمقراطيين على أنهم معادون لإسرائيل من جهة والديمقراطيين التقدميين المصممين على دفع بايدن لكبح جماح إسرائيل من جهة أخرى.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
تعرف إلى حزب «شاس» المتطرف الذي «تبرَّك» السفير الإماراتي بحاخامه

ويختم الكاتب مقاله قائلًا إن المشكلة بطبيعة الحال تكمن في أن إسرائيل والفلسطينيين لديهما مشكلة التجاور المكاني. وإذا كان بايدن راغبًا في تجنب انفجار آخر في المنطقة، وليس هناك ضمانات على هذا، فسوف يكون لزامًا عليه أن يتظاهر على الأقل بأنه يولي اهتمامًا بالقضية، وأن يبذل قصارى جهده للمساعدة في تثبيت استقرار الوضع في غزة، وتمكين السلطة الفلسطينية والعمل على كبح تجاوزاتها في مجال حقوق الإنسان، وحث إسرائيل على الإبقاء على الوضع الراهن في القدس وتجنب الاستفزازات هناك، والعمل مع إسرائيل والفلسطينيين لتحسين الاقتصاد وحرية التنقل في الضفة الغربية.

ولا تُعد تلك الإجراءات بالأمر المثالي، وهي بالتأكيد لن تبدأ حتى بمعالجة الأسباب الكامنة وراء الصراع. لكن كما اعتادت الجدة اليهودية أن تقول عن حساء الدجاج الخاص بها: لن تؤذيه (إشارة إلى مزحة يهودية قديمة تنصح فيها جدة مسنة بإعطاء رجل، أكد الطبيب أنه فارق الحياة، حساء الدجاج وتقول إنها لن تؤذيه)، وبالنظر إلى عدم وجود بدائل قابلة للتطبيق، فإن تلك الإجراءات قد تفيد القضية ولن تضرها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد