نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريرًا أعدَّته آن إم سيمونز، رئيسة مكتب الصحافية في العاصمة الروسية موسكو، وتوماس جروف، مراسلها في العاصمة نفسها، حول تطورات الأوضاع في أعقاب الاضطرابات التي عصفت بكازاخستان مؤخرًا من جراء إقدام الحكومة على رفع أسعار الوقود، وتدخُّل روسيا لمساعدة البلاد في استعادة الأمن والهدوء.

يستهل الكاتبان تقريرها بالقول: تنتشر القوات الروسية في كازاخستان لتقديم الدعم لحكومة الرئيس قاسم جومارت توكاييف الاستبدادية – بحسب وصف الكاتب – بعد أن هزتها الاحتجاجات التي اندلعت بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الوقود من بين أسباب أخرى.

وكان توكاييف قد أمر قوات الأمن الأسبوع الماضي بإطلاق النار على المحتجِّين دون سابق إنذار. ومنذ ذلك الحين ارتفع عدد المعتقلين إلى ما يقرب من 6 آلاف شخص على صلة بالاحتجاجات، وفقًا لآخر التحديثات من مكتب الرئيس. وتقول السلطات الصحية إن 160 شخصًا قُتِلوا في أعمال العنف، أكثر من 100 منهم في  ألما أتا، أكبر مدينة في كازاخستان.

ووصف توكاييف الاحتجاجات بأنها محاولة انقلاب منسَّقة، بينما دافع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الاثنين عن نشر القوات الروسية في البلاد باعتبار ذلك جزءًا من تحالف أمني تقوده موسكو، محذرًا من أن قوى خارجية كانت تحاول إثارة الاضطرابات في الدولة الغنية بالموارد وأن الوضع الآن تحت السيطرة. كما عرضت الصين على كازاخستان دعمها الأمني​​؛ مما يؤكد الأهمية الإستراتيجية للبلاد الواقعة في آسيا الوسطى وأهميتها بصفتها مُنتِجًا للنفط واليورانيوم.

كيف ساءت الأوضاع في كازاخستان؟

يوضح التقرير أنه ابتداءً من 2 يناير (كانون الثاني)، خرج المتظاهرون إلى الشوارع واشتبكوا مع قوات الأمن. وأظهرت لقطات مصوَّرة على مواقع التواصل الاجتماعي السيارات والنار تشتعل فيها، والشرطة وهي تطلق الغاز المسيل للدموع، بينما حاولت الحشود اقتحام بعض المباني الحكومية. يقول سكان مدينة ألما أتا إنهم سمعوا إطلاق نار مع تحول المظاهرات إلى عرض أوسع بسبب الإحباط من قادة البلاد. ووردت تقارير إعلامية محلية عن إطلاق نيران على المقر الرئاسي ومكتب رئيس البلدية.

ويمضي التقرير مشيرًا إلى أنه في الأسبوع الماضي، حجبت الحكومة العديد من المواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، أو عطلت الاتصال بها. واستولى المتظاهرون على أجزاء من المطار لفترة وجيزة؛ مما عطَّل الرحلات الجوية. وقال السكان إن إطلاق النار استمر طوال الخميس، وحتى صباح الجمعة، لكن السلطات قالت إن الوضع بدأ يستقر خلال عطلة نهاية الأسبوع مع بدء وصول مزيد من القوات الروسية.

Embed from Getty Images

وأرسلت روسيا أكثر من 75 طائرة نقل عسكرية تحمل جنودًا وناقلات جند مدرعة وإمدادات ومركبات عسكرية إلى البلاد. ومن المتوقع أن يشارك حوالي 2500 جندي في المهمة، لكن هذا العدد قد يرتفع، وفقًا لوكالة الأنباء الروسية الحكومية «ريا».

وسيكون للقوات الروسية دور داعم في المقام الأول وستقوم بحراسة البنية التحتية الحيوية والمدنية. إن هذه القوات جزء من تحالف أمني أوسع تقوده موسكو يُعرف باسم «منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO)»، والتي نشأت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. وقال توكاييف إنه طلب تعزيزات من منظمة معاهدة الأمن الجماعي للتغلب على ما وصفه بمحاولة انقلاب. كما أعلن حالة الطوارئ في منطقة مانجستو الغربية وفي مدينة ألما أتا. وتقول السلطات الكازاخستانية في ذروة أعمال العنف إن المتظاهرين انخرطوا في أعمال شغب ونهب وحاولوا الاستيلاء على مبانٍ حكومية.

الاحتجاجات وأزمة الأجور

يلفت التقرير إلى أن الاحتجاجات اندلعت بسبب قرار الحكومة زيادة أسعار الوقود، وتحديدا الغاز النفطي المسال، والذي وصل إلى أعلى سعر محدد له. والزيادة – التي دخلت حيز التنفيذ في الأول من يناير، وأدَّت إلى مضاعفة تكلفة وقود السيارات – تهدد بأن يكون لها تأثير كبير على العمال. وعلى الرغم من أن كازاخستان دولة غنية بالنفط، فإن الحد الأدنى للأجور أقل مما يعادل حوالي 100 دولار في الشهر. ومنذ ذلك الحين قال توكاييف إن السلطات ستخفِّض السعر.

وعلى الرغم من أن الاضطرابات بدأت بسبب زيادة أسعار الوقود، فإن المتظاهرين غير راضين أيضًا عن النظام السياسي في كازاخستان، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية. ويتهم نشطاء حقوق الإنسان الحكومة بالقمع، بما في ذلك سجن المنتقدين للحفاظ على سيطرتها. وترفض السلطات هذه المزاعم.

وقد وعد توكاييف بالاستماع إلى المظالم من خلال إنشاء منتدى عام لمناقشة القضايا. يقول المحللون السياسيون: إن الحكومة لم تنفذ دائمًا خططها بالكامل لتغيير البلاد، وأن سنوات من الحكم الاستبدادي الصارم أوجدت حالة عميقة من انعدام الثقة، والمطالبة بالتغيير.

استقالة الحكومة والخطوة التالية

ينوِّه التقرير إلى أن الحكومة الكازاخستانية استقالت بضغط من تصاعد التظاهرات. وقَبِل توكاييف استقالة حكومته وعيَّن رئيسًا مؤقتًا للوزراء، هو علي خان سمايلوف، وهو حليف كان يشغل منصب النائب الأول لرئيس الوزراء.

Embed from Getty Images

وقد وعد توكاييف بإحداث تحول سياسي، وقال يوم الأربعاء لمحطة التلفزيون الحكومية «خبر 24» إنه سيكشف قريبًا عن مقترحات جديدة للإصلاح. واتهم الرئيس المتظاهرين بأنهم يخططون لانقلاب، وأن لهم دوافع مالية، وتعهد بعدم الفرار من البلاد «مهما حدث». وأدَّى الاضطراب إلى ارتفاع أسعار النفط الخام – كازاخستان عضو في تحالف «أوبك يلس» – وأدى إلى ارتفاع أسعار اليورانيوم. وتنتج كازاخستان حوالي 40٪ من المعروض العالمي للمعدن.

وقالت شركة النفط الأمريكية العملاقة شيفرون، التي تمتلك 50٪ في المشروع المشترك، الذي يدير حقل «تنجيز» النفطي العملاق في كازاخستان، يوم الأحد: إنها ستعيد الإنتاج إلى طبيعته بعد قطعه بسبب مشكلات لوجستية ناجمة عن الاحتجاجات في المنشأة، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 600 ألف برميل يوميًّا.

هل كان هناك تاريخ من الاضطرابات في كازاخستان؟

يؤكد التقرير أن الاحتجاج العام أمر نادر في كازاخستان؛ حيث لا تكون المعارضة أو التسامح معها موضع ترحاب على نطاق واسع. ومع ذلك اندلعت مظاهرات حاشدة قبل تولي توكاييف منصبه في يونيو (حزيران) 2019. وقد اختُير ليخلف الرئيس المستبد نور سلطان نزارباييف، الذي حكم كازاخستان منذ تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991.

ووصف النقاد المحليون انتخاب توكاييف بأنه غير ديمقراطي؛ لأن المرشحين الآخرين لم يمنحوا فرصة عادلة. ولطالما شعر العديد من الكازاخستانيين بأنهم مهمَّشون من عملية صنع القرار السياسي. وفي عام 2011 أطلقت السلطات النار على عمال النفط في غرب كازاخستان عندما احتجوا على عدم دفع أجورهم؛ ما أسفر عن مقتل أكثر من 10 منهم. وقال ناشطون في مجال حقوق الإنسان: إن عدد القتلى يمكن أن يكون بالعشرات.

ماذا يعني هذا لروسيا؟

يلمح التقرير إلى أن كازاخستان تشترك في اتحاد عمالي، وشراكات إستراتيجية أخرى مع روسيا. وتوكاييف وسلفه نزارباييف، الذي استمر في ممارسة النفوذ السياسي من خلف الكواليس، كلاهما يحظيان بدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقالت وزارة الخارجية الروسية الأسبوع الماضي: إن موسكو تؤيد «الحل السلمي لجميع المشكلات في إطار المجال الدستوري، والقانوني، والحوار، وليس من خلال أعمال الشغب وانتهاك القوانين».

Embed from Getty Images

ويختتم الكاتبان تقريرهما بالإشارة إلى أن هذه الاضطرابات تحدث على الحدود الجنوبية لروسيا في الوقت الذي يحاول فيه بوتين درء ما يصفه بتعدي الغرب على مجال نفوذ موسكو التقليدي في بيلاروسيا وأوكرانيا. وحشد الزعيم الروسي عشرات الآلاف من القوات على الحدود مع أوكرانيا التي تسعى إلى توثيق علاقاتها مع الغرب. وطالب بوتين الولايات المتحدة وحلفاءَها في منظمة «حلف شمال الأطلسي (الناتو)» بالتخلي عن أي توسع شرقًا نحو حدود روسيا، وهو ما يمثل تحديًا أمنيًّا كبيرًا لإدارة بايدن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد