في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، انتشرت في الولايات المتّحدة ظاهرة «التبشير التليفزيوني» Televangelism: يظهر على الشاشة رجل دين مسيحيّ يطلب من المحتاجين والمرضى المُسارعة بالاتصال والتبرّع؛ لتنزاح عنهم الآلام، وتحل عليهم البركة، ويتحقق لهم الرخاء. قد تظنّ أن هذه الظاهرة انحسرت بمرور الوقت، خاصة مع الفضيحة المدوية التي أثبتت استغلال الكثير من هؤلاء المبشّرين للمتبرعين وأموالهم، لكن هذا لم يحدث.

في هذا المقطع من إحدى حلقات البرنامج الأسبوعي الساخر «Last Week Tonight»، يكشف «جون أوليفر» أنّ التبشير التليفزيوني ما زال موجودًا بقوة في الولايات المتّحدة، في غيابٍ شبه تامّ للمحاسبة والرقابة من أجهزة الدولة.

ثروات هائلة وطائرات خاصّة

View post on imgur.com


يقدّم لنا جون «روبرت تيلتون»، أحد أشهر المبشرين التليفزيونيين في أواخر القرن الماضي، والذي عاد مؤخرًا للظهور على الشاشات، مع أنّ تحقيقًا استقصائيًا أجرته مؤسسة «ترينيتي»، وعُرض كجزءٍ من فيلم وثائقي سمّي لاحقًا بـ«قرّة عين الربّ»، كشف عن مستنداتٍ تثبت تورط كنيسته في ممارسات مالية وإدارية غير سليمة، واستخدامه أموال التبرعات بشكلٍ شخصي.

«روبرت تيلتون» هو مجرّد جزءٍ صغير من شبكات إعلامية ضخمة مكرّسة للتبشير التليفزيوني، يظهر على شاشاتها مبشرّون يعدون المشاهدين بشفاء الأمراض، وسداد الخُطا، ونجاح المشاريع، وكسب الأموال، في مقابل «تبرّع بسيط». «كريفلو دولار»، أحد هؤلاء، طالب أتباعه بالتبرّع من أجل شراء طائرة نفّاثة خاصة، يبلغ ثمنها 65 مليون دولار؛ لأغراض «تبشيرية». وطلبه لا يُعدّ تغريدًا خارج السرب، وليس الأول من نوعه؛ فـ«مايك موردوك»، مبشّرٌ آخر، تباهى أمام أتباعه بأنه اشترى طائرة نفاثة خاصة من قبل، واشترى أخرى ثمنها 3 أضعاف الأولى.

إنجيل الرخاء

View post on imgur.com

لماذا يُرسل الأتباع كل هذه الأموال إلى «كريفلو دولار» ورفاقه؟ أحد الأسباب،  يوضّح جون، أن هؤلاء المبشرين يؤمنون بمعتقد «إنجيل الرخاء» Prosperity Gospel، الذي يقضي بأن المباركة في المال تخضع لإرادة الله، وأنهم إن يوفوا عهد الله يوفّ إليهم أجورهم، من مال ورخاءٍ وسعادة وأمن. وعليه فهم يطالبونهم بأداء التبرّعات، التي كثيرًا ما يُطلق عليها «البذور»، من أجل حصادِ ما يبتغون عندما يشاء الرب. وكلما كبُرت «البذرة»، كلما زادت فرصتك في الحصاد. يمكنكم تفقّد هذا الموقع، كمثال بسيط.

وهكذا، يرسل المرضى وأصحاب الحاجات أموالهم إلى هذي الكنائس. حتى المحمّلين بديون بطاقات الائتمان يمكنهم استخدامها لزرع بذرتهم، على وعدٍ بأن تمحى ديونهم بمباركة الرب، كما يقول المبشّر «مايك موردوك» للمشاهدين في المقطع. في محاولة لمعرفة ما يخبر به المبشرون أتباعهم في المراسلات، أرسل «جون أوليفر» تبرعًا لـ«روبرت تيلتون». لسبعة أشهر، ظلّت الرسائل تتوالى على «جون أوليفر» تطلب منه مزيدًا من الأموال، وتأمره بسكب مواد زيتية على الرسائل، إلى جانب طلباتٍ أخرى مماثلة الغرابة. قد تجد أنّ هذا مسلٍ، لكن أغلب الذين يلجأون إلى مراسلة «روبرت تيلتون» ورفاقه هم أشخاص يعانون من مشاكل حقيقية، يأسوا من حلّها، وصاروا على استعدادٍ لتصديق أي شيء.

عائلة «كوبلاند»

View post on imgur.com

يُمكننا رؤية كل المساوئ التي ذكرناها سابقًا، وأكثر في «كينيث كوبلاند»، وزوجته «جلوريا». جمع «كوبلاند» التبرعات من أجل شراء طائرة خاصة ثمنها 20 مليون دولار، متعهّدًا بأن يتم استخدامها في مهام تبشرية، لكن تحقيقًا إعلاميًا كشف استخدامه الشخصي للطائرة؛ إذ سافر بها لقضاء رحلات التزلج، وصيد الغزلان مع ابنه. أمّا «جلوريا» زوجته، فتروّج لمنتجات «العلاج بالإيمان»، وتعمل على تشكيك أتباع الكنيسة في جدوى الذهاب إلى الأطباء؟

«نحن نعلم ما بك. أنت مصاب بالسرطان. الخبر السيئ هو أنّنا لا نعرف ماذا نفعل، إلا أن نعطيك سمًّا يجعلك أكثر مرضًا. أي الأمرين خيرٌ إذن: هذا، أم أن تأتوا إلى هنا، صباح السبت؛ لتسمعوا كلمة الربّ، ويتم لكم الشفاء؟ هللويا!»

View post on imgur.com


مرة أخرى، كل هذا مسلّ، حتى تدرك أن ضعف الأشخاص المستهدفين بهذا الكلام يدفعهم إلى تصديقه، والامتثال له. «بوني باركر» امرأة أمريكية لم تتلق علاجًا للسرطان، وفقًا لحديث ابنتها في فيلم وثائقي، وفضّلت إرسال الأموال إلى كنيسة «كوبلاند»، حتى وافتها المنيّة.

مفاجأة: كل هذا قانوني في الولايات المتّحدة

View post on imgur.com


لا، ليس قانونيًا فقط، بل معفيّا من الضرائب كذلك. المؤسسات الدينية غير الربحية، وبالأخص الكنائس، تحظى بإعفاءات واسعة من الضرائب، والمحاسبة المالية من قبل مصلحة الضرائب الأمريكية IRS. مكّن هذا عائلة «كوبلاد» من العيش في قصرٍ قيمته 6.3 مليون دولار معفيّ من الضرائب.

سعيًا لاختبار الحدود القانونية التي يمكن التحرك داخلها، استعان «جون أوليفر» بمحامٍ؛ ليتقدم بورق إنشاء كنيسة سمّاها «سيّدة الإعفاء الأبدي». يأخذنا جون في رحلة هزلية: استطاع من خلالها إنشاء كنيسة صورية، استقبلت التبرعات بشكلٍ قانوني، وذلك باستيفاء عدد من الشروط المطاطة غير الواضحة، التي لا تعرّف «الكنيسة» أو المعتقدات التي تؤهل لإنشائها بشكل وافٍ يمنع استغلال الأمر من قبل المحتالين والمدّعين. بعد فترةٍ أغلق جون كنيسته، وأرسل التبرعات التي وصلته إلى مؤسسة «أطباء بلا حدود».

حتى يومنا هذا، ما زالت شبكات التبشير التليفزيوني، ومن ضمنها Inspirations Ministries وDaily Star، تمارس أعمالها في الولايات المتّحدة، وتحظى بالكثير من الأتباع والمريدين. وبالرغم من العديد من التحقيقات التي فضحت ممارساتها، إلا أنّها تظل بمنأى عن المحاسبة الحقيقية من قبل الحكومة الأمريكية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد