تتشابه احتجاجات اللبنانيين المستمرة حتى الآن – بالإضافة إلى الحركات الاحتجاجية الأخرى في الجزائر والعراق وحتى مصر – مع ثورات الربيع العربي لعام 2011، لكن تظل هناك العديد من الاختلافات.

إنه «عالم مقلوب رأسًا على عقب»، كما ورد في مقال للصحافي «جان مارك فور» على موقع «فرانس إنتر» الفرنسي، والذي تناول فيه أوجه الاختلاف بين ثورات الربيع العربي في موجتها الأولى عام 2011، وما يجري حاليًا في البلاد العربية من احتجاجات ومظاهرات.

في البداية، أشار الكاتب إلى أن التاريخ يعيد نفسه حقًا بعد مرور ثماني سنوات على الربيع العربي، إلا أن هناك اختلافات حقيقية بينه وبين ما جرى في عام 2011، ليس أهمها أن هذا الربيع الجديد يحدث في وقت فصل الخريف.

ويرى الكاتب أن «هناك دافعًا واحدًا أثقل كاهل الجميع يقف وراء كل هذه الاحتجاجات، إنه الفساد الذي أصبح لا يطاق في أعين المتظاهرين، وهذا هو الدافع الذي يوحد لبنان، رُغم اختلاف الطوائف والولاءات الحزبية».

وأضاف الكاتب أن «فرض الضرائب على تطبيق المراسلة واتساب تسبب في إشعال فتيل الاحتجاجات في لبنان، ولكن هذا كان مجرد شرارة وإنذار أخير، فالغضب الشعبي أكبر بكثير، نتيجة التناقض بين سوء الإدارة من ناحية، وتوسع نفوذ النخب، وزيادة الفقر والبطالة، فضلًا عن انقطاع المياه والكهرباء من ناحية أخرى».

مترجم: في 3 نقاط.. كيف يمكن أن تنجح احتجاجات لبنان؟

رفض الفساد في كل من لبنان والجزائر والعراق

تابع الكاتب حديثه قائلًا: إن «سبب الاحتجاجات في لبنان هو نفسه في العراق، حيث كان الشعار الرئيس للمتظاهرين هو «رحيل الفاسدين». وتشير الأرقام الرسمية إلى اختلاس أكثر من 400 مليار دولار من الأموال العامة العراقية. وكما يتمثل الدافع في الفساد من جهة، فإنه يتمثل في البطالة والفقر من جهة أخرى».

مظاهرات العراق

وأردف الكاتب «هذا الفساد أيضًا هو سبب وجود الجزائريين في الشارع مُنذ أشهر مرددين هتافات ضد «اللصوص». فهناك شعور بأن النخبة الفاسدة تمتطي ظهور الشعب الفقير. وأيضًا نفس الشيء في مصر، برغم ما تفعله السلطات لمنع هذه الاحتجاجات بكل الطرق».

أما في تونس فهناك تعبير عن محاربة الفساد عبر صورة أخرى، حيث فاز المرشح المغمور «قيس سعيد» بالانتخابات الرئاسية ممثلًا صورة «الرجل النظيف» في ذهن الشعب التونسي.

وأوضح الكاتب «قبل ثماني سنوات، خرج الشعب التونسي لرفض الفساد الموجود بالفعل. غير أن المطلب الأساسي في بداية الاحتجاجات لم يكن شيئًا أكثر من البحث عن الحرية والعدالة».

رفض نظام سياسي كامل وليس أفرادًا 

«من الواضح أنه لا يزال هناك ثورات ضد الأنظمة القائمة منذ ثماني سنوات. لكن هذه المرة أصبح الغضب والاستياء أكثر عالمية» كما يؤكد الكاتب الذي أوضح أنه «منذ ثمانية أعوام، كانت هناك مظاهرات ترفض استمرار القادة الذين ظلوا في السلطة لعقود من الزمن، وردد المتظاهرون شعارات ضد الاستبداد والاستيلاء على السلطات من قبل بن علي في تونس، ومبارك في مصر، والأسد في سوريا».

هذه المرة  لا يوجه الغضب ضد مسؤول بعينه، بل تشمل المطالب تغيير النظام السياسي كاملًا. وهذا هو الفرق الثاني بين موجة الربيع العربي الأولى والحالية.

ويذكر الكاتب أن «هذه المرة  لا يوجه الغضب ضد مسؤول بعينه، بل تشمل المطالب تغيير النظام السياسي كاملا. وهذا هو الفرق الثاني بين موجة الربيع العربي الأولى والحالية. فالجزائريون هم أول من طالبوا بذلك وما زالوا مصرين على طلبهم. فهم ينتقدون «النظام»، الذي يتحكم الجيش وجبهة التحرير الوطني من خلاله في مناصب السلطة عبر أحزاب هزلية تقدم أدوارًا هامشية».

وأضاف الكاتب أن «اللبنانيين يسيرون على نفس النهج، فما عادوا يدعمون النظام برمته. هذا النظام الذي سهّل مصادرة السلطة والأموال على يد مجموعة من قادة المليشيات السابقين والذين أصبحوا فيما بعد رجال أعمال ومسؤولين بالحكومة، فمُنذ 30 عامًا وهم يسيطرون على الدولة ومناصبها: أمثال عون وبري وجنبلاط، وغيرهم. جميعهم تجاوزوا سن السبعين والثمانين، كما هو الحال في الجزائر».

وتابع الكاتب الفرنسي أن «موجة المطالبة «برحيل كل الفاسدين» هي نفسها في العراق وبنفس الطريقة، فمنذ سقوط صدام حسين قبل 16 عامًا، تحكم النخبة أيضًا قبضتها على البلاد. وهذا الرفض للنظام نفسه، جاء نتيجة أفعال قادته الذين يمثلونه. ولك أن تلاحظ أنه قبل ثماني سنوات، كان هؤلاء الشباب لا يزالون في مرحلة الطفولة أو المراهقة. وبالنظر إلى هرم أعمار المسؤولين في العالم العربي، فإن التطور سريع للغاية. فهؤلاء الشباب يرفضون المجتمع المتجمد والأحزاب الصدئة، كما يرفضون موت السياسة في بلادهم».

الممارسات القمعية

وأشار الكاتب إلى أنه «بالنظر إلى الكيفية التي قامت بها أغلب الثورات العربية قبل ثماني سنوات، علينا أن نأمل في تحقيق نتائج أفضل هذه المرة. لكنه لن يفوز أحد هذه المرة أيضًا، لأسباب كثيرة».

ويرى الكاتب أن «السبب الأول هو أن السلطات الحالية تمتلك، كما كان الحال عليه منذ ثماني سنوات، نفس أساليب القمع العنيف. وهذا ما يجري بالفعل في الجزائر، حيث ازدادت عمليات اعتقال المعارضين في الأسابيع الأخيرة. كما خلفت الاشتباكات في العراق بالفعل عن 110 قتلى و60 ألف جريح».

وأضاف الكاتب أن «السبب الثاني هو أن هناك قوى تنتظر وراء الكواليس لدخول المشهد واستعادة السيطرة، وهي الأصابع الخفية ومُحركو الدمى: على سبيل المثال، الشيعي مقتدى الصدر في العراق، أو بعض الحركات الإسلامية السنية التي تمتلك منظمة اجتماعية وخيرية منظمة للغاية في العديد من الدول العربية. ودعونا لا ننسى بعض الرعاة الكبار بالخارج، مثل روسيا، التي لا ترغب في اختفاء الأنظمة الاستبدادية من المنطقة».

واختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على «نضج وإصرار الحركات الاحتجاجية في العالم العربي التي لفتت الأنظار إليها من جديد، وبذلك يعيد التاريخ نفسه في المغرب الغربي، وكذلك في الشرق الأدنى والأوسط».

«فورين أفيرز»: الربيع العربي لم يكن سوى مرحلة أولى.. هكذا سيغير العرب مستقبلهم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد