هل المنطقة العربية على وشك الوقوع في حرب واسعة تنخرط فيها إيران مع العديد من الأطراف؟ أم أن هذه الحرب قد اندلعت بالفعل، وبتنا نرى بعض فصولها حقيقة؟

حول هذا السؤال، نشر موقع «أتلانتيكو» الفرنسي حوارًا بين أردفان أمير أصلاني، المحلل السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، وتيري كوفيل المتخصص في الشأن الإيراني، تطرقا فيه إلى بحث أوجه الأزمة الحالية بين المملكة العربية السعودية والحوثيين في اليمن، إضافة إلى تطورات العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيرها في مجريات الأحداث في المنطقة.

بدأ الحوار بمناقشة الهجوم الأخير على اثنين من أهم مواقع النفط في السعودية يوم السبت الماضي، وإذا كان من الطبيعي وقوع مثل تلك الهجمات في الوقت الحالي.

استهل المحلل والكاتب السياسي – الفرنسي المنشأ الإيراني الأصل- أردفان أمير أصلاني حديثه بالإشارة إلى الحرب الدموية التي تخوضها السعودية في اليمن، قائلًا إن هذا الصراع المأساوي راح ضحيته ما لا يقل عن 30 ألف مدني بسبب القصف السعودي العشوائي.

فالحروب التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ووصفها بـ«عاصفة الحزم»، هي فقط «حازمة في مجال صناعة الكارثة الإنسانية، التي تعرض فيها ملايين المدنيين للمجاعة والكوليرا»، وكان ذلك سببًا في غضب الحوثيين من السعودية، على حد قوله.

Embed from Getty Images

ويُذكر هنا أن الحوثيين يتقنون تكنولوجيا الطائرات بدون طيار، والقدرة على تجاوز مراقبة المجال الجوي السعودي الذي يسيطر عليه الأمريكيون، وهذه نقطة بالغة الأهمية حين مناقشة هذه القضية، ومما لا شك فيه فإن إيران هي مصدر تلك الطائرات، إذ يمتلكون تكنولوجيا متقدمة في صناعة الطائرات بدون طيار.

وذكر أصلاني تصوره قبل شهر أن الأمريكيين هم من كانوا سيشنون الهجوم على أمل إشعال حرب مع إيران. ولفت أصلاني إلى وجود أياد أجنبية ونظرية مؤامرة وراء تلك الأحداث، بالتزامن مع عزل جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي والصقر الحقيقي المناهض لإيران داخل البيت الأبيض، وكان لا يخجل من إعلان اقتراحه خوض حرب تحت رئاسة ترامب. وفي الواقع، فإنه منذ بضعة أسابيع، ينادي ترامب بأنه مستعد للتفاوض مع إيران دون شروط مسبقة.

وتابع الكاتب أنه من الصعب تخيل أن المخابرات الأمريكية تقف وراء الهجوم على أرامكو؛ لأنه ربما كان هذا السيناريو أقرب إلى التصديق في الهجوم على ناقلات النفط قبل بضعة أشهر.

كما أن ترامب يأمل في وقف التصعيد وليس اشتعال النيران، ويتطلع لمقابلة الرئيس الإيراني على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع المقبل. ورغم ذلك، وعلى خلفية هذا الهجوم على البنية التحتية النفطية السعودية، من الصعب تصور إمكانية عقد هذا الاجتماع بمجرد التأكد من أن الإيرانيين كانت لهم يد في تلك الهجمات.

ولفت أردفان النظر إلى أن الأقرب إلى التصور أن يكون هذا الهجوم تصعيدًا إيرانيًّا، تهدف طهران من ورائه إلى رفع رهاناتها قبل إجراء مفاوضات ثنائية بينها وبين واشنطن.

كما أن تورط المخابرات الإسرائيلية أيضًا ليس أمرًا مستبعدًا، حسبما يرى أردفان، فهم يجيدون فن الخداع (شعار الموساد «بالخداع تصنع الحرب»)، ولا يريدون تحقق رغبة ترامب في التقارب مع إيران، وتسعى إسرائيل لإسقاط أي مبادرة للتفاوض.

وفي هذا الصدد، لم يخف رئيس الوزراء الإسرائيلي استياءه، خلال اجتماع وزير الخارجية الإيراني مع الرئيس الفرنسي خلال قمة مجموعة السبع الأسبوع الماضي. وخلال برنامج إعلامي، حاول بنيامين نتنياهو إثبات وجود موقع نووي سري في إيران، غير أنه لم ينجح في إقناع الكثير بكلامه. ووضح الكاتب رأيه بأنه لا «يؤمن بنظرية المؤامرة حول هذا الهجوم».

انتقل الحوار إلى الباحث الفرنسي المتخصص في الشأن الإيراني، تيري كوفيل، الذي قال: «هناك صراعان مترابطان. يجب ألا ننسى الحرب بين التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات وبين الحوثيين، يأتي أيضًا على خلفية التوترات بين إيران والولايات المتحدة منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووية، منذ مايو (أيار) 2018. هل نشهد مناوشات بسيطة بين إيران والولايات المتحدة، أو هل هناك خطر من تفاقم هذا الصراع وإشعال حرب بين البلدين؟».

«ناشيونال إنترست»: عكس ما يبدو.. كيف حاربت أمريكا لصالح إيران طوال ربع قرن؟

«تجاوزنا مرحلة المناوشات»

وفي إجابته عن هذا السؤال، حذر المحلل السياسي أردافان أمير أصلاني من هذه التطورات، مضيفًا «أننا تجاوزنا مرحلة المناوشات»، وتفاقمت الأوضاع بشكل مُقلق.

ورصد الكاتب عدة وقائع في المشهد الجاري. فالطائرات الحربية الإسرائيلية تقصف علانية مواقع الحرس الثوري الإيراني وحلفائه في العراق وسوريا. كما وقعت أيضًا اشتباكات لبضع ساعات على الحدود الجنوبية للبنان وإسرائيل بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله الموالي لإيران. بالإضافة إلى إسقاط الإيرانيين لطائرة أمريكية بدون طيار، واستهداف ناقلات نفط.

لذلك من الصعب عد هجمات بهذا الحجم مجرد مناوشات بسيطة. وعلى اعتبار أن 5٪ من استهلاك النفط العالمي خارج اللعبة، وإذا تبين أن الإيرانيين متورطون تورطًا مباشرًا، فمن الصعب على واشنطن أن تبقى محايدة بالرغم من رغبتها في التهدئة في ظل تلك الأوضاع.

Embed from Getty Images

من جانبه، يرى تيري كوفيل أن «الاستراتيجية الإيرانية تغيرت منذ مايو 2019، أي بعد عام من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. فقد طبق الإيرانيون لمدة عام سياسة الصبر الاستراتيجي، واحترموا الاتفاق وطلبوا من الأوروبيين مساعدتهم، لكن الأوروبيين لم يفعلوا شيئًا. بالإضافة أيضًا إلى تغيير البيئة السياسية في إيران، كل هذا أدى إلى ظهور استراتيجية جديدة».

وواصل تيري شرح ما يقصده بهذه الاستراتيجية الجديدة بقوله إن «هناك العديد من النقاط في الاستراتيجية الإيرانية. فالولايات المتحدة خرجت تدريجيًّا من الصفقة النووية منذ مايو 2018. وما يحدث خلف الكواليس في الخليج يكشف أن إيران تريد تصعيد التوترات في المنطقة، وتظهر للولايات المتحدة أن سياستها بفرض عقوبات على طهران له تكلفة عالية».

ومن ناحية أخرى، فإن الأمر يتعلق ببقاء كل جيش داخل حدود بلاده؛ لأن الإيرانيين لا يريدون حربًا مع الولايات المتحدة، فهم ليسوا على استعداد لها. كما أن طهران ترسل بهذا التصعيد رسالة أيضًا إلى الأوروبيين، تقول لهم: افعلوا شيئًا، تصدوا للعقوبات الأمريكية على إيران. مشيرًا إلى أن السياسة الخارجية الإيرانية ما تزال محسوبة للغاية.

مخاوف من «اندلاع حرب حقيقية»

وهنا تدخل تيري كوفيل في الحوار متسائلًا، عن ما مصلحة الولايات المتحدة في شن حرب مفتوحة في هذا الوقت الذي غادر فيه جون بولتون البيت الأبيض؟

رد أمير أصلاني قائلًا: «هذا السؤال هو صلب الموضوع؛ فواشنطن وجهت رسالة استرضاء للإيرانيين من خلال إقالة جون بولتون».

ومع ذلك، لم تستطع واشنطن الرد على الهجوم العنيف على مواقع النفط السعودية، خصوصًا في الوقت الذي كان فيه الصقور يضغطون على ترامب، بسبب عزل جون بولتون؛ لإثبات أن أمريكا لن تظل صامتة وتستطيع الرد على هذا الهجوم.

وعلق ترامب بعد هذا الهجوم بعبارة «مستعدون للاشتباك»، وسارع مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، كالعادة وبطريقة قطعية، إلى إلقاء اللوم على الإيرانيين.

«على حافة الهاوية».. كيف ستنتقم السعودية من إيران بعد هجوم «أرامكو»؟

وأشار أصلاني إلى أن الأسباب نفسها التي حالت دون رغبة الولايات المتحدة في ضرب إيران أثناء تدمير طائرة أمريكية بدون طيار من الإيرانيين يمكنها أن تشكل تهديدات مرة أخرى.

وفي حالة وقوع هجمات أمريكية، سوف يقاتل الإيرانيون على الأراضي الأمريكية وليس فقط في إيران. كما سيستهدف رد الفعل الإيراني المواقع الأمريكية في العراق، وسوريا، وأفغانستان، وفي دول الخليج العربي، وكذلك استهداف حاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة. وأعرب أردفان عن مخاوفه من «اندلاع حرب حقيقية».

هنا تدخل تيري كوفيل في الحوار قائلًا إن «دونالد ترامب يشعر بالقلق بشأن هذه التطورات، ولا يريد خوض حرب مع إيران. وكان قد رفض الرد عسكريًّا ومهاجمة إيران، كما كان يرغب بعض مستشاريه مثل جون بولتون. وذكر عدة مرات تطلعاته لمقابلة القادة الإيرانيين. فهو يريد الخروج من هذه الأزمة. ومن ناحية أخرى، يريد الظهور بمكانة القائد المسيطر».

وتابع بأن الأوروبيين، وخاصة الفرنسيين، اقترحوا على الولايات المتحدة الخطة التالية: بأن على الولايات المتحدة التسليم بأن الإيرانيين يمتلكون خطوط ائتمانية بقيمة 15 مليار دولار لتعويض تأثير العقوبات الأمريكية، مما سيفتح الباب أمام اجتماع محتمل بين روحاني وترامب.

وعارض بولتون هذا الاجتماع، وكان سببًا من بين أسباب أخرى في رحيله. نستخلص من ذلك أن ترامب ليس لديه نية الدخول في حرب مع إيران، لكن كل الاحتمالات ما تزال مطروحة.

وفقًا لسياسية الحزب الجمهوري، ينتهج دونالد ترامب سياسة الضغط القصوى ضد إيران. لكن المشكلة تكمن في أنه إذا كان لا يريد الحرب، فعليه الخروج من هذه الأزمة! فهل سيقبل الوساطة الأوروبية؟ والعودة إلى العقوبات الأمريكية؟ أم سيصعب عليه ذلك؟

جبهات الحرب ضد إيران

وتابع تيري كوفيل أنه من الملاحظ أيضًا ارتفاع حجم التوترات أيضًا في إسرائيل، بسبب الهجمات المتكررة من حماس، ويرجح البعض أن تعلن إسرائيل التدخل العسكري في قطاع غزة. ما مخاطر فتح حروب في الجبهات الأخرى؟

أجاب أصلاني بأن الحرب بدأت بالفعل بين إيران وإسرائيل بقصف إسرائيلي يومي تقريبًا لمواقع الإيرانيين وحلفائهم في العراق وسوريا، فقطاع غزة ليس سوى قمة جبل الجليد.

Embed from Getty Images

يعلم كل من الأمريكيين والإسرائيليين أن إيران متوغلة داخل العراق، حيث يوجد 300 ألف رجل مسلح تعهدوا بالولاء للمرشد الإيراني، عبر قوات الحشد الشعبي؛ كما تضم سوريا أيضًا 150 ألف مقاتل من كتائب العلويين وحزب الله، ناهيك عن الحوثيين في اليمن.. إلخ.

ولن تنجو أي بلد في المنطقة من التأثر بهذه الحرب، حتى أوروبا ستتأثر بموجة جديدة من الهجرة غير المسبوقة.

واختتم تيري كوفيل الحوار بالإشارة إلى أنه منذ اللحظة التي خرجت فيها الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، في مايو 2018، واللحظة التي لم يتمكن فيها الأوروبيون من مواجهة العقوبات الأمريكية، عرفنا جيدًا أنه إذا غيرت إيران استراتيجيتها، فإن التوترات ستكون أكبر بكثير بسبب حلفائها في المنطقة.

حلفاء إيران لديهم أجنداتهم الخاصة، وبالطبع، خروجهم من الاتفاقية يسمح لهم بمواصلة تنفيذ استراتيجيتهم. ومنذ اللحظة التي تتصاعد فيها التوترات بين إيران والولايات المتحدة، يمكن تفسير أي فعل من حليف لإيران بأنه إجراء مباشر من جانب إيران.

ولم يستمع وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إلى وجهة النظر هذه. لذلك يمكن أن يؤدي كل هذا إلى صراع واسع النطاق في وقت قصير.

وحذر كوفيل من وقوع النزاعات؛ لأن خطرها لن يقتصر على بلد واحد، بل سيكون نزاعًا إقليميًّا وبمثابة كارثة للجميع. فيجب على الجميع توخي الحذر.

مترجم: الحوثيون لديهم صواريخ قادرة على إغراق سفينة حربية.. كيف حصلوا عليها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد