القاهرة- كشفت رسائل بريد إلكتروني إماراتية مسربة قيام الإمارات العربية المتحدة بشحن الأسلحة لحلفائها في النزاع القائم في ليبيا خلال الصيف في انتهاك واضح منها للحظر الدولي على السلاح، بالإضافة إلى قيامها في الوقت نفسه بعرض وظيفة ذات راتب مرتفع جدًّا على دبلوماسي الأمم المتحدة المكلف بصياغة اتفاقية سلام هناك.

تهدد هذه المراسلات المسربة بهدم محادثات استمرت لشهور في ليبيا بعد الكشف عن علاقة الإمارات بدبلوماسي الأمم المتحدة، وهو ما يمثل تضاربًا في المصالح. هذه المراسلات تفتح أعيننا أيضًا على الأساليب الخفية والمتناقضة التي تقوم بها الجهات الإقليمية المتحكمة مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي ساعدت في إشعال نيران القتال في حين أن دبلوماسييها يدّعون دعمهم للتوصل إلى حل سلمي.

في رسالة بالبريد الإلكتروني يعود تاريخها إلى الرابع من أغسطس الماضي، كتب أحمد القاسمي -وهو دبلوماسي إماراتي رفيع المستوى- إلى لانا نسيبة سفيرة دولة الإمارات لدى الأمم المتحدة قائلًا: “حقيقة الأمر هي أن الإمارات العربية المتحدة انتهكت قرار مجلس الأمن الخاص بليبيا، وهي مستمرة في انتهاكه”.

حصلت صحيفة نيويورك تايمز –والتي كانت أول من يقوم بنشرها- على هذه الإيميلات من خلال وسيط يرفض سياسة فرض القوة التي تتبعها دولة الإمارات في سياستها الخارجية. رفض ممثلو الحكومة الإماراتية التعليق على هذه التسريبات.

شنت الإمارات العربية المتحدة حملة ضد الحركات الإسلامية في المنطقة، فقامت بدعم الانقلاب العسكري للإطاحة بالرئيس الإسلامي في مصر، والآن تدعم الفصائل المناهضة للإسلاميين في الحرب الأهلية الليبية، كما دخلت بالوكالة في معركة على النفوذ ضد جارتها قطر. وعلى العكس، قامت قطر بدعم الإسلاميين والجماعات المتحالفة معهم في كل من ليبيا ومصر، حيث يقول القطريون إنهم ضد العودة إلى نظام الحكم الاستبدادي القديم.

اعترف الدبلوماسيون الإماراتيون في رسائل البريد الإلكتروني بشكل صريح بقيام حكومتهم بشحن أسلحة لحلفائها الليبيين في انتهاك منها للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة –وهي السياسة التي يقولون إنها يتم الإشراف عليها من قِبَل مستوى رئاسة الدولة-  كما اعترفوا بوضعهم إستراتيجية لإخفاء تلك الشحنات عن لجنة المراقبة التابعة للأمم المتحدة.

وأوضح القاسمي: “الإجابة على الأسئلة والالتزام بالإجراءات التي وضعتها الأمم المتحدة سيكشف مدى تورطنا في ليبيا، علينا أن نحاول توفير غطاء ليخفف من الأضرار الناتجة”.

لقد عرفت أجهزة الاستخبارات الغربية والدبلوماسيون منذ فترة أن الإمارات العربية المتحدة وقطر تقومان بدعم حلفائهما المتنافسين في ليبيا عن طريق إمدادهم بالسلاح، وذلك منذ بداية الثورة الليبية ضد العقيد معمر القذافي في 2011، وأن الحرب بالوكالة بين المملكتين الغنيتين بالنفط قد ساعد على إشعال القتال. إلا أن بعض التقارير يعود تاريخها إلى ربيع هذا العام أشارت إلى نوع من الاتفاق بين الدولتين قد يؤدي في النهاية إلى توقفهما عن تسليح طرفي النزاع. هذا بالرغم من إعلان كل من البلدين دعمهما لمحادثات السلام التي تشرف الأمم المتحدة عليها.

على الرغم من ذلك، تشير الإيميلات المسربة إلى استمرار شحنات الأسلحة الإماراتية خلال شهر أغسطس على الأقل، في الوقت الذي كان برناردينو ليون وسيط الأمم المتحدة يكمل فيه صياغة اتفاقية مقترحة لتقاسم السلطة بين الطرفين، وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

وفي إيميلات مسربة أخرى كانت صحيفة الجارديان أول من نشرها وقامت بإعطائها لنيويورك تايمز، توضح أنه بينما كان السيد ليون يقوم بصياغة الاتفاق، كان الإماراتيون يحاولون التعاقد مع السيد ليون كمدير لأكاديمية الإمارات الدبلوماسية براتب شهري يبلغ خمسين ألف دولار، مما قد يسبب تضاربًا في المصالح. تلقى السيد ليون عرضًا رسميًّا في يونيو الماضي، واستمرت المفاوضات خلال فترة الصيف حول تفاصيل بشأن بدل السكن والذي بلغ ستة وتسعين ألف دولار سنويًّا.

“سأسافر اليوم إلى أبو ظبي لمدة 24 ساعة، وغدًا سأكون مع الزملاء في أكاديمية الإمارات الدبلوماسية. إذا احتجت أي شيء سأكون تحت أمرك كالمعتاد”، هكذا كتب السيد ليون إلى سلطان الجابر -وهو مسئول إماراتي بارز- في بريد إلكتروني بتاريخ السادس من سبتمبر، والذي حصلت عليه صحيفة نيويورك تايمز.

أدرك مسئولو الأمم المتحدة احتمال حدوث تضارب في المصالح. ففي بريد إلكتروني آخر بتاريخ السابع والعشرين من أغسطس الماضي والذي لم يفصح عنه من قبل، كتب جيفري فيلتمان –وهو دبلوماسي أمريكي سابق ونائب الأمين العام للشئون السياسية بالأمم المتحدة- إلى قادة الإمارات ليطالبهم بالسماح للسيد ليون بالبقاء كوسيط لبضعة أسابيع أخرى أملًا في توقيع اتفاق بين الطرفين.

واقترح السيد فيلتمان: “إذا أردتم، فيمكنني أن أطلب من الأمين العام الاتصال بكم ليطلب ذلك بنفسه”.

لم يتم الكشف عن وظيفة السيد ليون للأطراف الليبية خلال المحادثات حتى هذا الشهر، الأمر الذي أغضب الليبيين الذين ينتمون إلى فصائل معارضة للإماراتيين وجعلهم يتهمونه بالانحياز، مما يضع شكوكًا جديدة حول مقترحاته، في الوقت الذي يستعد من يخلفه ليكون وسيطًا جديدًا خلال المحادثات.

تحدث وولفرام لاتشير الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية والمختص في الشأن الليبي قائلًا: “إنها فضيحة حقًّا. كان عليه أن يعلم أن قبوله لتلك الوظيفة سيسبب أضرارًا جسيمة على المفاوضات، وحتى لو كانت الاتفاقية قد وُقَّعت بالفعل، من الممكن أن يسبب ذلك ضررًا على الاتفاق بأثر رجعي. من الواضح أنه لم يُلقِ بالًا لذلك على الإطلاق”.

بينما، أوضح السيد ليون أن الوظيفة التي عرضها الإماراتيون عليه لم تؤثر على دوره كوسيط، وصرّح للصحفيين في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي قائلًا: “قد يكون ما تراه غير صحيح، المظاهر لا تعكس الحقيقة دائمًا”، وأكد أنه يتبع قواعد الأمم المتحدة، والتي تطلب تعليماتها -حسب قوله- من الوسطاء “إذا شعروا بأنهم غير قادرين على البقاء على الحياد بدون انحياز” فعليهم أن ينقذوا أنفسهم فحسب.

لكن الإيميلات المسربة حول مدى تورط الإمارات العربية المتحدة في الصراع القائم قد أوضحت تعارض ظاهري في المصالح، إذ استمرت الإمارات في شحنات الأسلحة في الوقت الذي كانت تفاوض السيد ليون فيه.

رسائل بريد إلكتروني إماراتية مسربة أخرى ناقشت رد فعل واشنطن على شحنات الأسلحة، وألمحت إلى تكون صورة أوضح عن أعمال شحن الأسلحة التي تقوم بها دولة الإمارات.

يشير بريد إلكتروني بتاريخ الثلاثين من سبتمبر إلى مذكرات دبلوماسية رسمية سلمها إيثان أ. غولدريتش نائب رئيس السفارة الأمريكية في أبو ظبي، كما يوضح أن المسئولين الأمريكيين يشكون منذ فبراير الماضي أو قبل ذلك من انتهاك الإماراتيين للاتفاقيات الدولية الخاصة بالتحكم في الصواريخ، وذلك عن طريق إرسالها طائرات استطلاع بدون طيار –من نوع يونايتد 40- إلى مصر، والتي تصنعها شركة أدكوم (Adcom) الموجودة في أبو ظبي.

وذُكِر في البريد الإلكتروني أيضًا: “إن مثل هذه الشحنات من شأنها أن تجعلهم يعيدون النظر في العقوبات التي ينص عليها قانون الولايات المتحدة الأمريكية، مما قد يؤدي إلى فرض عقوبات على كيانات تابعة لدولة الإمارات”، وأن تطبيق هذه القوانين سيتطلب من وزارة الخارجية الأمريكية الإفصاح عن النتائج التي توصلت إليها إلى الكونغرس.

حسبما جاء في ملخص مرفق بالإيميلات، حذّر المسئولون الأمريكيون أن نفس الشركة كانت تبيع طائرات بدون طيار لدول أخرى “بما فيها روسيا” في اختراق منها لاتفاقيات التحكم بالصواريخ، الأمر الذي يمكن أن يعجِّل بفرض العقوبات ويهدد استمرار مبيعات التكنولوجيا الأمريكية لدولة الإمارات.

واحتجت مذكرة منفصلة على أحد الشركات التي مقرها الإمارات والتي تعرف باسم “سلع موريسون” والتي كانت تنتهك حظر السلاح المفروض على ليبيا، ومن المحتمل تعاونها مع شركة سعودية تسمى “الخدمات العسكرية الدولية السعودية”. ووفقًا للملخص فإن “الولايات المتحدة دعت دولة الإمارات للتحقيق في هذا التطور واتخاذ تدابير فورية لوقف هذه الشحنات”.

وحتى الآن لم يتضح لنا كيف ردت الإمارات على ذلك.

أظهرت مراسلات مسربة أخرى أن بعض الدبلوماسيين الإمارتيين أخذوا الشكاوى الأمريكية على محمل الجد، حيث احتج الأمريكيون أيضًا على شركة إماراتية أخرى وهي “المطلق للتكنولوجيا” كانت تنتهك العقوبات الدولية هي الأخرى، وذلك من خلال شرائها أسلحة بقيمة مئة مليون دولار من كوريا الشمالية عبر شركة تجارية تسمى الشركة الكورية لتطوير المناجم التجارية، أو كوميد.

تضمن البريد الإلكتروني وثيقة رسمية تحتج على هذه الصفقة، وقام دبلوماسيون أمريكيون بتقديم هذه الوثيقة للسفير الإماراتي في واشنطن في مقر وزارة الخارجية. ذكرت الوثيقة “السرية للغاية” أن الأسلحة التي دار بشأنها نقاشات ضمن الصفقة مع كوريا الشمالية تضمنت “مدافع رشاشة وبنادق وصواريخ”.

أشارت الوثيقة إلى وسيط إماراتي “يسعى للحصول على سفينة شحن و/أو طائرة مستأجرة لنقل البضائع في المستقبل القريب”، كما أشارت إلى الوسيط وإلى شركة المطلق بأن “لديهم تاريخ طويل جدًّا مع شركات تجارة الأسلحة في كوريا الشمالية مثل شركة كوميد”.

في بريد إلكتروني بتاريخ الثالث من يونيو الماضي، كتب يوسف العتيبة –السفير الإماراتي في واشنطن- أنه تم استدعاؤه “مرة أخرى” إلى وزارة الخارجية الأمريكية بخصوص صفقات السلاح مع كوريا الشمالية.

كتب يوسف العتيبة إلى اللواء فارس المزروعي وهو مساعد وزير الخارجية للشؤون الأمنية والعسكرية: “غني عن القول، إن أي تعامل مع كوريا الشمالية يؤخذ على محمل الجد تمامًا، ومن المحتمل أن يكون لذلك نتائج سلبية. أقترح أن تنظر في هذه المسألة على وجه السرعة”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد