تتحدَّث الكاتبة والصحافية البريطانية جويندولين سميث  باستفاضة في مقالها بصحيفة «الجارديان» عن تجربتها الشخصية مع اضطرابات النوم وفقًا لطبيعتها الليلية، وتستعرض الطرق التي نتمكَّن بها من تقبُّل طبيعتنا في بعض الأحيان والثورة عليها في أحيانٍ أخرى.

ففي السنوات الأخيرة، أُضيف إلى قائمة التصنيفات تصنيف الناس إلى كائناتٍ صباحية وكائنات ليلية، أو كما يقولون «طيور الصباح وبوم الليل»، ولطالما حظي النوع الأول من هؤلاء الناس بالإشادة، واتُّهِم النوع الثاني بالكسل.

اضطرابات النوم تعني ساعة بيولوجية مُضطربة

تستعرض الكاتبة محاولاتها المُستمرة التي لطالما باءت بالفشل لضبط ساعتها البيولوجية، فهي في كلِّ مرةٍ تقول لنفسها: تلك هي الليلة الموعودة، سأذهب إلى النوم باكرًا، وتكون الساعة العاشرة مساءً بينما يكون لديها أكوام من العمل الذي يجب إنجازه خلال اليوم التالي.

تتغاضى الكاتبة عن ذلك وتقول لنفسها إنه لا ضير في أن تختطف نصف ساعة أمام «نيتفليكس»، فهي ما زلت ستتمكَّن من الاستيقاظ في الوقت المُحدَّد في سابقة من نوعها، أليس كذلك؟ لكن هذا ليس صحيحًا؛ فحلقة واحدة من مسلسلٍ كوميدي تتحوَّل إلى أربع، وتكون الساعة حوالي الواحدة صباحًا عندما تذهب مُترنِّحة إلى الفراش لتخلد للنوم.

وبحلول الوقت الذي تتمكَّن فيه من الذهاب إلى مكتبها «الذي هو في غرفة نومها» في الصباح التالي، تكون الساعة تجاوزت العاشرة صباحًا، وينتهي بها الأمر وهي تعمل حتى وقتٍ مُتأخرٍ من هذا المساء لتُعوِّض ذلك الوقت. ويتضح لها أنه قد كُتِب عليها أن تكون كائنةً ليليةً فوضوية إلى الأبد.

بيد أن الدراسات الحديثة، كما أوضحت الكاتبة، تُشير إلى أن ساعاتنا البيولوجية قد تكون أكثر مرونةً مِمَّا كان متوقَّعًا في السابق.

ففي دراسةٍ أجرتها جامعات «برمنجهام» و«سري» و«موناش» في أستراليا، وُجِدَ أن الناس الذين يذهبون إلى النوم في ساعاتٍ مُبكِّرةٍ قد يدفعون جدولهم الزمني إلى الأمام بما قد يصل إلى ثلاثِ ساعاتٍ في أقل من شهر.

وبحثت الدراسة في الشباب البالغين في عمر الثانية والعشرين، الذين كانوا يخلدون إلى النوم حوالي الساعة الثالثة صباحًا ويستيقظون حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحًا، الذين أُوكِل إليهم اعتماد روتين يومي تضمَّن نومهم واستيقاظهم من ساعتين إلى ثلاث باكرًا عن المُعتاد، إضافة إلى انخراطهم في أساليب «نظافة النوم» كالتخلي عن المشروبات التي تحتوي على مادة الكافيين وعدم قضائهم عطلاتهم الأسبوعية مُستلقين في أسرََتِهم.

Embed from Getty Images

ووفقًا لما ورد في المقال، فقد تمكَّن هؤلاء من الالتزام بهذا النظام، ليس هذا فحسب، بل وجدوه مُفيدًا أيضًا؛ فقد انخفضت مُعدَّلات القلق والتوتر والاكتئاب كلها بدرجةٍ كبيرة لديهم.

كف عن لوم والديك على عاداتك السيئة

أشارت الكاتبة أن التفكير السائد المُنتشِر حولنا يُصرُّ على أن الجينات تضطلع بدورٍ كبير في تحديد ما إن كنَّا كائنات صباحية أو ليلية. بالتأكيد، فلطالما افترضت الكاتبة أن الشخصية المُترنِّحة التي تكون عليها وقت الإفطار يُمكن أن تُعزى إلى والدها، الذي حسبما وصفته كان يسترخي في الفراش كمراهِقٍ في أيام إجازاته.

بيد أن دراسة جامعة برمنجهام تُشير إلى أن الأمر لا يرجِع فقط إلى العوامل الوراثية. وفي هذا الصدد يقول أندرو باجشو، أحد المُشاركين في تأليف الدراسة، وهو عالمٌ في مركز صحة الدماغ البشري التابع للجامعة: إن «هناك ذلك العُنصر الوراثي المهم، ولكن هناك أيضًا المرونة؛ ما يعني أن النظام البيولوجي قد يستجيب إلى التدريب».

ويوافقه في الرأي نيل ستانلي، مؤلف كتاب «كيف تنام جيدًا»، إذ يقول: «نُحدِث تغييرًا في وقتنا عندما نذهب في عطلة، لذا فمن الواضح أن الأمر في حدود قدراتنا».

تؤكِّد الكاتبة أن معرفة ذلك كان بمثابة تهويدة مُهدِّئة تتهادى إلى أُذنيها، فقد سئمت من جدولها الزمني المُتأخر؛ إذ كان ذلك يعنى أنها ستقضي حياتها كلها تشعر وكأنها مُتأخِّرة عن شيءٍ ما، حسبما ذكرت.

وتستعرض تاريخها مع اضطرابات النوم منذ أن كانت مراهقةً، ففي فترة مراهقتها كانت تكافح للنهوض من الفراش في وقتٍ مناسب للحاق بالحافلة التي تُقِلها إلى المدرسة، وكانت تتغيَّب عن محاضرات التاسعة صباحًا في الجامعة، وكثيرًا ما كان تتأخَّر في وظيفتها السابقة في إحدى المجلات الثقافية «التي لم تبدأ إلا في العاشرة صباحًا».

وعندما أصبحت صحافيةً مُستقلة في يناير «كانون الثاني» الماضي، ظنَّت أنها ستفلت أخيرًا من قيود العمل من التاسعة صباحًا إلى الخامسة مساءً التي لطالما أشعرتها بالذنب، لتُدرِك لاحقًا أنها إن لم تستيقظ في الوقت المُحدَّد لتُسلِّم المُحرِّرين أفكارًا مُحتَمَلَة لمقالاتٍ قد تكتبها قبل اجتماعات الجريدة في الصباح الباكر ستُفلِس.

Embed from Getty Images

وأوضحت أنها على مدى السنين فشلت في محاولات التغيير، ولكن في أعماقها لطالما افترضت أنها مُقدَّرةٌ لحياةٍ ليلية صاخبة عوضًا عن صباحاتٍ تتمتَّع فيها بفطورٍ يملؤها بالحيوية.

ولكنها تطرد عنها تلك الأفكار وتُشير إلى أنها، وفقًا لما ذكره باجشو، بإمكانها تحقيق هدفها المُتمثِّل في الخلود إلى النوم في الحادية عشر مساءً والاستيقاظ في السابعة صباحًا. ولكن أولًا، تحتاج إلى أن تبذل جهدًا مُستمرًا للخلود إلى النوم دون تأخير.

ووفقًا لما قاله باجشو أيضًا، فإن التزامها بمواعيد مُحددة لتناول وجبتي الإفطار والغداء وتلقيها لأكبر قدر ممكن من النور الطبيعي في الصباح قد يُساعدها على تحقيق ذلك.

ومن ناحيةٍ أخرى، تُشير الكاتبة إلى ما أوصى به ستانلي، وهو القيام بتغييراتٍ تدريجية، فهو ينصحك بـ«تقديم موعد نومك نصف ساعة عن المعتاد لمدة أسبوع أو اثنين، وفيما بعد إضافة نصف ساعة أخرى وهكذا».

ويُشير ستانلي أيضًا إلى الفارق المهم بين الذهاب إلى الفراش والخلود إلى النوم فيقول: «ما تُعدِّله في تلك الحالة هو وقت إطفاء الأنوار، وليس وقت النوم».

لا أفضلية لنوعٍ على الثاني

يستوقف الكاتبة تساؤلٌ بعينه وهو: هل يعني هذا أن الكائنات الصباحية أكثر صحة أم أن المُستيقظين باكرًا يجدون سهولةً أكبر في الاستيقاظ باكرًا؛ لأن طبيعتهم تتوافق فحسب مع أوقات العمل المُعتادة؟

يُقر باجشو، وفقًا لما ورد في المقال، أنه من المحتمل أن يكون الافتراض الأخير صحيحًا، فوفقًا له «إن كنت شخص مُتأخِّر تنسجم مع مواعيد العمل من التاسعة إلى الخامسة، ستشعر بالإجهاد ولن تتمكَّن من الحصول على قسطٍ من النوم في الميعاد الذي يُناسبك، ولا على المدة التي تحتاجها».
وفي هذا الصدد تذكر الكاتبة الكوميديان والكاتب ستيف مارتن، الذي كتب عن كونه كائنًا ليليًا على الموقع الإلكتروني «Refinery29» قائلًا: «إن الحط من قدر الاستيقاظ مُتأخِّرًا هو ما يُفضي إلى المشاعر السلبية وليست الساعة التي نستيقظ فيها».

وأضاف: «شعرتُ أنني أسعد عندما توقَّفت عن وضع أهداف مثل «استيقظ قبل التاسعة صباحًا في كل يوم من أيام العمل» وسمحت لنفسي بحرية أن أبدأ وقتما ينشط دماغي».

Embed from Getty Images

وتتساءل الكاتبة إن كان يجدر بها أن تتبع ذلك التغيير المنهجي بدلًا عن محاولة مواءمة ساعتها البيولوجية على العمل من التاسعة إلى الخامسة. ينصحها ستانلي بفعل القليل من الاثنين. فوفقًا له «بإمكانك تغيير سلوكك، ولكن بإمكانك أيضًا تغيير أسلوب حياتك. فإنك كنت كائنًا ليليًا، لا تحصل على وظيفة كبائع حليب».

نصائح التخلص من اضطرابات النوم لا تُلائم الجميع

توضح الكاتبة أن الأهم من كلِّ ما سبق هو أن تلك النصائح الموجهة إلى من يتطلَّعون إلى الاستيقاظ باكرًا تنطبق فقط على من يعملون عدد الساعات المُعتاد.

وفي هذا الصدد تقول الطبيبة المبتدئة في مستشفى هومرتون الجامعي في شرق لندن، هينا سينها: «إن جدول مناوبتها الذي يشتمل على نوباتٍ ليليةٍ مُنتظمة، يعني أن سيطرتها تكاد تكون مُنعدمة على نمط نومها».

وتضيف: «يجب عليّ الذهاب إلى العمل عندما يُطلب حضوري. ولا أجد عيبًا في نصائح الذهاب باكرًا إلى النوم، ولكن تلك النصائح للتخلص من اضطرابات النوم لا تُجدي نفعًا مع من يذهب إلى النوم في السابعة صباحًا». ومع ذلك، يقول باجشو، كما ورد في المقال، إن الأساليب المُتَّبعَة في الدراسة تُساعد على النوم أيًا كان الجدول الزمني.

وحيث إن الوظائف ذات ساعات العمل المرنة تُصبح أكثر شيوعًا، تأمل الكاتبة أن تتلاشى السردية التي تُشيد بالمُستيقظين باكرًا بوصفهم أصحاء ومُنتجين، بينما ترفض الأنماط الليلية بوصفهم كسالي مُبدعين.

ولكن حتى ذلك الحين ترى الكاتبة أنه من المُشجِّع أن تعرف أن بإمكانها التأقلم في تلك الأوقات التي قد تحتاج أن تستيقظ باكرًا فيها. تؤكد أنها على الرغم من ذلك، لن تُعاقب نفسها إن وجدت صعوبة في فعل ذلك. وتستشهد بما قاله ستانلي: «لا يُمكنك إعادة خلق ذاتك، يمكنك فقط التأقلم مع النشاطات الروتينية الجديدة، ولكن ذلك لن يُصبح أبدًا ما أنت عليه في حقيقة الأمر».

من النوم إلى الاستحمام.. 5 نصائح تجعل العمل من المنزل أكثر متعة وإنتاجية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد