بعد مرور ثلاثين عامًا على الثورة الرومانية وسقوط ديكتاتور رومانيا نيكولاي تشاوتشيسكو، يُقَدِّم الكاتب البريطاني آدم ليبور، عبر مقالٍ نشرته صحيفة فاينانشال تايمز، دروسًا يمكن أن يتعلمها الثوار هذا العصر في جميع أنحاء العالم، من ذلك الحدث التاريخي الذي شهدته الجمهورية الاشتراكية في يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) 1989.

يستهل المقال بوصف المحاكمة العسكرية الصوريّة، التي مثل أمامها نيكولاي تشاوشيسكو وزوجته إيلينا، لتصدر بحقهما حكمًا بالإعدام بعد إجراءاتٍ مُتَعَجِّلة لم يستغرق إتمامها أكثر من ساعة واحدة. 

وبعدما حكم الزوجان المَكروهان رومانيا بقبضة من حديد منذ عام 1965، انتهى بهما المطاف أمام جدار ثكنة عسكرية، يوم عيد الميلاد من عام 1989، في انتظار تنفيذ حكم الإعدام. 

وبينما كان تشاوشيسكو يبدو مذهولًا لا تكاد تظهر عليه سيماء الانفعال، أو ربما جمَّده الارتباك، كانت إلينا تصرخ في مزيج من الخوفِ والغيظ، حسبما تُظهِر اللقطات التي سجلت لحظاتهما الأخيرة.

اخترقت الرصاصات هواء الشتاء البارد، فتكوَّمت جثتا الزوجين، وسالت دماؤهما على الأرض. في ذلك الحين انطلقت الأهازيج احتفالًا بانتصار الثورة. بيدَ أن المراسل آدم ليبور، الذي غطى أحداث انهيار الشيوعية والحروب اليوغوسلافية، ما يزال يتساءل: هل انتصرت الثورة حقًّا؟

Embed from Getty Images

درس الماضي لثوار الحاضر: «لا تسمحوا بالتحايل على الثورة»

يتابع المقال ربط الماضي بالحاضر قائلًا: بمدادٍ من دماء، كتبت الانتفاضة الرومانية نهاية سنةٍ من الثورات التي حطمت الكتلة السوفيتية. وفي أيامنا هذه، تضطرم الآمال توقًا إلى الحرية أكثر من أي وقت مضى. من هونج كونج إلى طهران، ومن بيروت إلى بغداد، يطالب المتظاهرون بسقوط الأنظمة الفاسدة والمستبدة. 

صحيحٌ أن ثوار اليوم يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم احتجاجاتهم، ويلجأون إلى قنواتهم الرقمية المشفرة لتفادي الاعتقال والتواصل في السر. لكن الانتفاضات المشابهة التي اندلعت عام 1989، وفي صربيا عام 2000، ما تزال صالحة لتقديم درسٍ حيويّ: لا تسمحوا بالتحايل على الثورة؛ عبر تحييد الثوار واستيعابهم في دولاب السلطة. 

يوضح الكاتب البريطاني آدم ليبور قائلًا: كانت الأنظمة القديمة أكثر مرونة مما تبدو عليه، حتى عندما يُعدَم قادتها. وكأنهم كانوا يستشرفون ما سيحدث؛ لذا كانوا يخططون للمستقبل. 

نموذج رومانيا.. التضحية بالقيادة للحفاظ على الامتيازات

في رومانيا، لم يكن شهر ديسمبر 1989 شاهدًا على تدمير النظام القديم، بقدر ما شهد ترسيخ أركانه، ولكن في ثوبٍ جديد. ويعتقد العديد من الرومانيين أن أحداث عام 1989 كانت انقلابًا من داخل الحزب بقيادة أيون إيليسكو، وهو عضو سابق في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. إذ هداهم التفكير إلى أن المسؤولين من الدرجة الثانية، أمثال إليسكو، إذا ضحوا بالقيادة؛ فإنهم سيحافظون بذلك على سلطتهم وامتيازاتهم.

في البداية نجحت الفكرة. وانتُخِبَ إليسكو رئيسًا في مايو (أيار) 1990 (لكنه يحاكم الآن بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال الفترة التي أعقبت الثورة). ولسنواتٍ تلت الانتفاضة، ظلت الشبكات التابعة لمسئولي الحزب الشيوعي، والشرطة السرية المتوحشة، تدير البلاد. ورغم مرور ثلاثة عقود، ما يزال نفوذها متجذرًا حتى يومنا هذا. 

Embed from Getty Images

دهاء الشيوعيين في المجر.. انتقال السلطة عبر «المصافحة»

أما نظراؤهم المجريون فجربوا لعبة أكثر ذكاء – على حد وصف ليبور- إذ انتقلت السلطة عبر «المصافحة»، بموافقة الحزب الحاكم على التنازل عن السلطة دون عنف. 

لكن الشيوعيين أثبتوا أنهم أكثر دهاءً في كيفية إدارة الأمور من المثقفين المحافظين والطلاب المنشقين – وأحدهم الشاب فيكتور أوربان – الذين تولوا زمام الديمقراطية الوليدة في المجر.

يتساءل الكاتب: من يمتلك المصنع أو الفيلا الرائعة التي كانت ملكًا للدولة عندما تنهار الدولة نفسها؟ ليجيب: مَن يستحوذ عليها أولًا. وهكذا أصبح العديد من كبار المسؤولين الشيوعيين فاحشي الثراء بسرعة البرق. 

يقول المطلعون على الكواليس في بودابست، إن هذا النهب بالجملة هو ما دفع أوربان لاحقًا إلى تبني مركزية السلطة الاقتصادية، وكذلك القوة السياسية، بمجرد انتخابه رئيسًا للوزراء. 

الاستعداد الجيد هو السر.. انتصار الثورة أو هزيمتها يتحددان قبل انطلاقها

يستعرض الكاتب النموذج الثالث، قائلًا: في صربيا، أسقطت انتفاضة شعبية الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش يوم الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2000.

في صباح ذلك اليوم، تدفقت حشود المتظاهرين بعشرات الآلاف إلى بلجراد من جميع أنحاء البلاد، وكثير منهم مزارعون وعمال مناجم، وهم متحفزون للقتال، تلتهب حناجرهم بهتاف «Gotovje، gotov je»، أي: «انتهى، انتهى». 

Embed from Getty Images

سيطر المتظاهرون على البرلمان، متحدّين قنابل الغاز المسيل للدموع، والرصاص الحي الذي يزمجر في الأرجاء، واقتحموا مبنى التلفزيون الحكومي وبسطوا سيطرتهم عليه. 

بحلول الساعة 6:30 مساء، تجمع الناس أمام ساحة مدينة بلجراد للاستماع إلى فويسلاف كوستونيتشا وهو يعلن نفسه رئيسًا ليوغوسلافيا. لكن مثلما أن النصر والهزيمة في كل معركةٍ يتحددان قبل خوضها، كما كتب الاستراتيجي العسكري الصيني صن تزو، فكذلك هي الثورة. 

يلفت ليبور إلى أن العمليات النفسية فعَّالة في هذا الصدد؛ إذ استبق النشطاء الشباب انتفاضتهم بكتابة شعار «Gotov je» على الجدران في جميع أنحاء البلاد قبل يوم الخامس من أكتوبر. وكانت محطات الإذاعة المعارضة تبث إلى المستمعين في داخل صربيا من خارج حدودها. 

يضيف الكاتب: انتهى حكم الرئيس تشاوشيسكو فعليًّا يوم 21 ديسمبر 1989، أثناء خطابه الذي ألقاه في وسط بوخارست. ضحك الحشد على وعوده. تعثر الرئيس. و«انتهى Gotov je».

معضلة الثورات: إنقاذ الأرواح اليوم لا يضمن ألا تراق الدماء غدًا

في صربيا، كان «عرقلة آلية الاستجابة» (الذراع المسلحة لقمع المظاهرات) أمرًا حيويًّا، حسبما يؤكد المقال. فعندما طلب ميلوسيفيتش المساعدة من الشرطة والجيش وأجهزة الأمن المخيفة، لم يستجب أحد. وكان أن أُبرِمَت الاتفاقات مسبقًا مع القوى الغربية. 

كان الجانب المشرق فيما حدث أن الدماء لم تُسفَك، أما الجانب السلبي فهو أن جزءًا كبيرًا من الجيش والشرطة وأجهزة الأمن بقيت في أماكنها، على نحو ما حدث في رومانيا عام 1989. 

وكان لهذا عواقب وخيمة؛ ففي مارس (آذار) 2003، اغتيل زوران دينديتش، رئيس وزراء صربيا الإصلاحي، برصاص قناص من القوات الخاصة. 

ورئيس صربيا الحالي، رئيس الوزراء السابق ألكسندر فوتشيتش، إنما هو شعبوي محافظ، شغل منصب وزير الإعلام في عهد ميلوسوفيتش. 

بالنسبة لثوار عام 2019، مثل أسلافهم الذين انتفضوا في عام 1989، فإن مفتاح تغيير النظام بسيط، لم يختلف: إنه الاستيلاء على مركز السلطة، والاحتفاظ به، مهما استغرق ذلك من وقت، ومهما كلَّف من ثمن. 

ويختم الكاتب مقاله بمقولة ليون تروتسكي (الماركسي البارز وأحد زعماء ثورة أكتوبر في روسيا عام 1917): «الثورة مستحيلة، حتى تصبح حتمية».

علوم الثورة

منذ 6 شهور
«فورين بوليسي»: من احتجاجات هونج كونج إلى بوليفيا.. هل قد يكون العنف هو الحل؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد