كتب كريم شهيب، وهو كاتب وموسيقي لبناني مقيم في بيروت، مقالًا في موقع «ميدل إيست آي» حول استخدام قوات الأمن اللبنانية قنابل الغاز المسيل للدموع الفرنسية الصنع، من النوع الذي يستخدم في الحروب، ضد المحتجين. ويرى شهيب أن فرنسا التي دأبت على التدخل في الشؤون اللبنانية منذ فرض الانتداب عليه في النصف الأول من القرن العشرين تتخذ موقفًا ملتبسًا من الانتفاضة الشعبية

مع دخول انتفاضة الشعبية الآن شهرها الثاني، يظل المحتجون في جميع أنحاء البلاد مصرين على مطالبهم بإصلاح النظام السياسي الفاسد والطائفي. وكان رد الأجهزة الأمنية اللبنانية على الاحتجاجات السلمية موضع إشادة إلى حد كبير لضبط النفس النسبي، خاصة بالنظر إلى القمع الوحشي بشكل روتيني للحركات الشعبية في بلدان مثل العراق ومصر وإيران.

لكن في الوقت الذي عبرت فيه كل من قوى الأمن الداخلي اللبنانية والجيش علانية عن التزامهما بحماية الحق في التجمع السلمي، كانت هناك حالات من استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين، بحسب المقال.

قوات الأمن استخدمت قنابل الصوت والرصاص المطاطي

وردت تقارير بأن القوات اللبنانية استخدمت الهراوات والقنابل الصوتية والرصاص المغلف بالمطاط والرصاص الحي ضد المتظاهرين، لكنها استخدمت الغاز المسيل للدموع بكثافة أكثر. 

وتمكن موقع «ميدل إيست آي»، الذي تحدث مع المتظاهرين والمدافعين عن حقوق الإنسان ميدانيًّا، من تحديد أن معظم الغازات المسيلة للدموع التي تستخدمها القوات اللبنانية صنعتها شركات فرنسية، مع تأكيد أن بعضها من النوع المستخدم لدى الجيش.  

ويرى شهيب أن هذا الكشف يثير تساؤلات حول الاستخدام غير المتناسب للقوة لقمع الاحتجاجات، وكذلك تداعيات المساعدات الأجنبية لقوات الأمن في أوقات الصراع الداخلي.

Embed from Getty Images

مساء يوم 18 أكتوبر (تشرين الثاني)، امتلأت ساحة رياض الصلح التي تكون خالية في العادة وسط بيروت بحشد من المتظاهرين الغاضبين، الذين يهتفون بسقوط الحكومة اللبنانية في مواجهة متوترة مع شرطة مكافحة الشغب، حسبما ينقل المقال.

بدأت انتفاضة لبنان، التي يطلق عليها في كثير من الأحيان «ثورة تشرين الأول»، في الليلة السابقة. وخشية اتخاذ المزيد من التدابير التقشفية وأزمة اقتصادية متفاقمة، اندلعت الاحتجاجات في بيروت بعد أن أقر مجلس الوزراء سلسلة جديدة من الضرائب بأثر رجعي، بما في ذلك على المكالمات التي تجري باستخدام تطبيقات مثل الواتساب.

بين عشية وضحاها، عمت الاحتجاجات جميع أنحاء البلاد، حيث قام المتظاهرون بإشعال الإطارات وإقامة حواجز على الطرق. في ذلك اليوم الثاني، وقف آلاف المتظاهرين أمام صف من ضباط شرطة مكافحة الشغب في شارع الأمير بشير الضيق المؤدي إلى ساحة رياض الصلح. وباستثناء منطقة على الجوانب في المقدمة، أغلقت جميع الشوارع الجانبية من قبل الجيش اللبناني أو بواسطة حواجز موقع البناء في تلك المساحة من الطريق، مما أدى إلى خنق الحشد فعليًّا.

مع تصاعد التوتر، رشق المحتجون في الصفوف الأمامية الشرطة ببعض الألعاب النارية وزجاجات المياه البلاستيكية. على الرغم من ذلك، أخبرت باحثة هيومان رايتس ووتش آية مجذوب ميدل إيست آي أن الاحتجاجات تبدو «سلمية إلى حد كبير».

قنابل الغاز تتساقط كالمطر

في وقت ما بعد الساعة السابعة مساء، وبدون سابق إنذار، أطلقت قوات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع على الحشد، مما تسبب في حدوث تدافع. من بين 18 من شهود عيان حضروا تلك الليلة وتحدثوا إلى ميدل إيست آي، وصف كثيرون قنابل الغاز المسيل للدموع التي تساقطت عليهم «مثل المطر».

كشفت شهادات شهود العيان وتحليلات لمقاطع فيديو من وكالات أنباء مختلفة أن ما لا يقل عن 10 قنابل غاز مسيل للدموع – كل منها قادرة على تغطية 800 إلى 1000 متر مربع وإطلاق أبخرة ضارة لارتفاع يبلغ ثلاثة إلى خمسة أمتار – تم إطلاقها نحو المتظاهرين في ذلك المساء، بما فيها قيامهم بالهروب.  

أصيب المتظاهرون بالذعر عندما حاول الآلاف الفرار من الشارع الضيق. إن البيئة الخانقة الناجمة عن إغلاق الطرق، إلى جانب الأبخرة الضارة، تعني أن الكثير من الناس – بمن فيهم الأطفال وكبار السن – كانوا يجاهدون من أجل التنفس وأنهم أصيبوا بالقيء أو حتى الإغماء.

وينقل شهيب عن أحد شهود العيان الذي طلب عدم الكشف عن هويته لميدل إيست آي، «كان الناس يسقطون على بعضهم البعض». وأضاف «كان البعض يحاول نقل الأشخاص الذين أصبوا بالإغماء إلى بر الأمان».

ركل المحتجين

وقال شاهد عيان آخر إنهم رأوا ضابط شرطة يركل المحتج الذي سقط، قائلًا «اذهب خلف أصدقائك».

Embed from Getty Images

وفيما حاول بعض المحتجين العودة إلى الميدان، لجأت الشرطة والجنود إلى الهراوات والرصاص المطاطي والمزيد من الغاز المسيل للدموع – فيما وصفته هيومان رايتس ووتش بأنه استعراض «للقوة المفرطة». وتصاعد الموقف وتحول إلى اشتباكات بين مثيري الشغب وضباط شرطة مكافحة الشغب.

بينما ذكرت قوى الأمن الداخلي أن 52 من ضباطها أصيبوا في تلك الليلة، فإن عدد الضحايا على جانب المتظاهرين لم يتم الانتهاء من إحصائه. غير أن الصليب الأحمر اللبناني أعلن عن حاجته لست وحدات إسعاف لنقل جميع الجرحى إلى مرافق طبية لتلقي العلاج.

أعلنت قوى الأمن الداخلي أنه تم إلقاء القبض على حوالي 70 متظاهرًا في تلك الليلة وحدها، رغم أن الناشطين يدعون أن العدد كان يقارب 300.

وقالت آية مجذوب «لقد استمروا في إطلاق قذائف إضافية من الغاز المسيل للدموع على الأشخاص الذين يفرون بالفعل». وأضافت «لذلك لا يبدو أنه هدف مشروع لإنفاذ القانون يطلق الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين أثناء فرارهم بالفعل».

بالنسبة لـ آية مجذوب، كان يجب استخدام الغاز المسيل للدموع، «مثل أي طريقة لإنفاذ القانون» بشكل يتناسب مع التهديد الذي يشكله المتظاهرون.

خبير سموم: كمية الغاز كبيرة وتسبب مشاكل خطيرة

أخبر عالم السموم البريطاني الشهير وأستاذ علم السموم البيئية بجامعة ليدز ألاستير هاي ميدل إيست آي أن كمية الغاز المستخدمة في هذا الموقف يبدو أنها تكون «مرتفعة للغاية».

وأضاف هاي: «هؤلاء الأقرب إلى إطلاق الغاز … نحن نتحدث عن تركيزات عالية جدًا للعنصر.. إنه (يمكن) أن يسبب مشاكل خطيرة للغاية للناس».

كانت ليلة 18 أكتوبر (تشرين أول) مجرد حالة مثيرة واحدة بين حالات عديدة لاستخدام القوات اللبنانية للغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين أثناء الانتفاضة.

ويشير الكاتب إلى أن الصور التي التقطتها ميدل إيست آي وحصلت عليها منذ ذلك الحين كشفت أن الغاز المسيل للدموع المستخدم في تلك الليلة في بيروت – وعلى الأرجح خلال محاولات لاحقة أخرى لقمع الاحتجاجات – أنتجته شركة ألسيتيكس Alsetex الفرنسية لتصنيع الذخائر والأسلحة.

ألسيتيكس هي شركة تابعة لمجموعة «إيتين لاكروا» Etienne Lacroix متعددة الجنسيات، والتي قامت أيضًا بتزويد الحكومة البحرينية بالغاز المسيل للدموع. كما ورد أن قنابل الغاز المسيل للدموع التي تنتجها استخدمت أيضًا ضد المحتجين الفرنسيين من حركة «السترات الصفراء».

أكد هذه الصلة ممثل «مؤسسة أوميجا للأبحاث» التي تتخذ من لندن مقرًا لها، والذي أبلغ ميدل إيست آي أن القنابل تبدو وكأنها قنابل سي أم6 CM6 وقنابل الغاز المسيل للدموع من نوع جي1G1 «ذات الحركة العشوائية».

بقايا قنبلة الغاز المسيل للدموع من نوع  سي أم6 بعد حادث 18 أكتوبر في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت. المصدر: ميدل إيست آي

تحتوي كل من قنابل سي أم6 و جي1 على ست كبسولات تنفصل بعد إطلاقها، مما يتيح للغاز المسيل للدموع تغطية المزيد من المساحة على الأرض.

وفقًا لمواد ألسيتيكس الترويجية التي حصلت عليها ميدل إيست آي، فإن ميزة «الحركة العشوائية» لقنبلة جي1 تعني أيضًا أن الكبسولات لا يمكن أن يلتقطها المحتجون أو يقوموا بإلقائها ثانية.

قنابل ألسيتيكس أكبر حجمًا وأثقل وزنًا من القنابل العادية

وفقًا لمنظمة العفو الدولية، عادة ما يبلغ قطر قنبلة الغاز المسيل للدموع «العادية» التي تستخدمها الشرطة 37 ملليمترا وتتراوح الأوزان بين 25 إلى 50 جرامًا. وخلافًا ذلك، يبلغ قطر سي أم6 56 ملم وتزن 250 جرامًا، بينما يبلغ قطر جي1  56 ملم وتزن 350 جرامًا.

وفي الوقت نفسه، تحتوي قنبلة سي أم6 على ما يقرب من ثلاثة أضعاف من عنصر  سي أس CS- أو 2-كلوروبنزالمالونونيتريل، المكون الرئيسي للغاز المسيل للدموع – لكل قنبلة من جي1، مع تركيز 13 في المئة مقارنة بخمسة في المئة. تصنف قنبلة سي إم6 من قبل شركة ألسيتيكس على أنها سلاح عسكري من المستوى أيه2 بموجب التسمية الفرنسية.

تعتبر أسلحة الفئة أيه، بما في ذلك الفئة الفرعية أيه2، أسلحة ومعدات مصممة للاستخدام في الحرب أو النزاعات المسلحة. وتصنف الأسلحة الأقل فتكًا للسيطرة على أعمال الشغب، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع، من قبل فرنسا لتقع في المستويات الدنيا من الفئة بي B. لم يتذكر فئة جي1 في المواد الترويجية التي شاهدتها ميدل إيست آي.

نهج فرنسا المتناقض

فرنسا، مثلها مثل الجانب الأكبر من المجتمع الدولي، تعاملت مع الانتفاضة المستمرة بحذر.

في 22 أكتوبر (تشرين أول)، أصدرت فرنسا أول بيان لها حول الانتفاضة، حيث دعت وزارة الشؤون الخارجية إلى أن تظل الاحتجاجات سلمية، بينما حثت الحكومة اللبنانية على تنفيذ «الإصلاحات اللازمة لإنعاش الاقتصاد اللبناني» وتقديم الخدمات العامة التي تعود بالنفع على المواطنين.

في نفس اليوم، التقى السفير الفرنسي في لبنان برونو فوشيه برئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، قائلًا إنه من المهم أن تتابع حكومة رئيس الوزراء الإصلاحات «دون تأخير» مع الحفاظ على حق المتظاهرين في التجمع السلمي.

بعد استقالة الحريري في 29 أكتوبر، مما أدى إلى حل مجلس الوزراء، دعا بيان رسمي صادر عن وزير الخارجية جان إيف لو دريان إلى تشكيل حكومة جديدة بسرعة، فيما عبر عن الثقة في قدرة القادة السياسيين في لبنان على تعزيز الوحدة الوطنية والأمن – حتى في الوقت الذي كان المتظاهرون يدينون فيه قبضة الطبقة السياسية على السلطة على حساب المواطنين.

دعمت الحكومة الفرنسية بسخاء قوى الأمن الداخلي على مر السنين، وكان آخرها في فبراير 2019 (شباط) عندما تبرعت لهم بمعدات بقيمة 400 ألف يورو (440.500 دولار). وفي عام 2018، أعلن الحريري أن فرنسا تعهدت بتقديم 400 مليون يورو (440 مليون دولار) أخرى كمساعدة لكل من قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني.

Embed from Getty Images

الشحنة الأولى من صفقة الأسلحة الفرنسية التي حصلت عليها لبنان بدعم مادي سعودي

إن دعم فرنسا لقوات الدولة اللبنانية – وتاريخ باريس الطويل في التدخل في لبنان، بما في ذلك خلال فترة الانتداب في النصف الأول من القرن العشرين – جعل المتظاهرين يتوجسون من أي تدخل فرنسي في الانتفاضة الحالية.

تجمع المتظاهرون أمام السفارة الفرنسية في العاصمة اللبنانية في 12 نوفمبر (تشرين ثان) لرفض أي وكل صور التدخل الأجنبي بعد رحلة قام بها المبعوث الفرنسي إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كريستوف فارنو – رغم أن الأخير قال إن هدف زيارته ليس «فرض حلول أو أسماء» ولكن «لمعرفة ما تفكر فيه الأطراف المختلفة».

إن استخدام الغاز المسيل للدموع من النوع العسكري الفرنسي الصنع في سياق حركة شعبية سلمية إلى حد كبير يضع فرنسا في موقف دقيق فيما يتعلق بموقفها من ثورة أكتوبر.

ردًا على طلب ميدل إيست آي للتعليق على استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع سي أم6 ضد المتظاهرين اللبنانيين، قال مصدر دبلوماسي فرنسي: «طلبات الحصول على تراخيص لتصدير للمواد السرية لأغراض إنفاذ القانون، لا سيما على خلفية مظاهرة واسعة النطاق، تعامل بعناية فائقة ويتم فحصها من قبل السلطات الفرنسية على أساس كل حالة على حدة تمشيًا مع التزاماتها الدولية».

ولم يرد المصدر على الأسئلة المتعلقة بالإجراءات التي يمكن أن تتخذها السلطات الفرنسية في حالة انتهاك استخدام المعدات المتبرع بها لالتزامات باريس القانونية الدولية.

فرنسا: تراخيص التصدير للبنان صدرت قبل الانتفاضة

غير أنهم لاحظوا أن أحدث تراخيص التصدير للبنان تعود إلى عدة أشهر – قبل الاحتجاجات. بالنسبة إلى هاي، عالم السموم البريطاني، «كل قوة شرطة لديها عناصر لمكافحة الشغب، ويُسمح لهم باستخدامها بموجب القانون الدولي». غير أنه حذر من الحالات التي «تستخدمها فيها العديد من الدول بشكل مفرط».

شجع عالم السموم الأطباء وغيرهم على الأرض على «تسجيل وتوثيق» الاستخدام المستمر للغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين في لبنان. وقال إن مثل هذه البيانات «يمكن استخدامها للضغط على السلطات لتقييد كيفية استخدامها لها».

في 26 نوفمبر، أصدر سبعة مقررين خاصين للأمم المتحدة بمجلس حقوق الإنسان بيانا أعربوا فيه عن قلقهم بشأن الاستخدام المفرط لقوات الأمن للقوة المفرطة ضد المتظاهرين، بما في ذلك «كميات كبيرة من الغاز المسيل للدموع»، ودعوا السلطات اللبنانية إلى شرح تدابيرها والتحقيق في هذه الحوادث.

ولكن يبقى أن نرى ما إذا كان لبنان، أو فرنسا، سوف يهتم بذلك.

منذ قرون وحتّى اتفاق الطائف.. مختصر تاريخ الطائفية التي ثار اللبنانيون عليها الآن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد