نشر موقع ستراتيجيك فوركاستنج، المعروف اختصارًا باسم «ستراتفور»، وهو مركز دراسات أمني واستراتيجي أمريكي، تحليلًا لأوضاع الاقتصاد في لبنان، والخيارات المتاحة أمام السياسيين، وما يمكن أن تؤدي إليه سياسات التقشف المزمعة من تداعي العقد الاجتماعي المعمول به منذ انتهاء الحرب الأهلية. ويسلط  التحليل الضوء على عزوف رعاة لبنان الإقليميين عن إنقاذه، لا سيما إيران والسعودية، وأسباب كل منهما في هذا الصدد. 

يستهل التحليل ببعض الاستنتاجات الرئيسية:

  • المشكلات الاقتصادية العميقة لا تترك للبنان خيارات سوى أن يسن تدابير تقشف، لكن الإصلاحات ستكون تكلفتها سياسية باهظة.
  • حتى لو نفذت بيروت إصلاحات مؤلمة لإطلاق الاستثمارات الموعودة، فمن غير المرجح أن يستفيد اللبنانيون من الطبقة الدنيا والمتوسطة في المدى القريب؛ لأن التدابير ستركز أكثر على تحسينات البنية التحتية الضرورية.
  • هناك مزيج من القضايا الاقتصادية والاعتبارات السياسية لدى رعاة لبنان التقليديين، مثل المملكة العربية السعودية، وإيران، قد يجعلهم عازفين عن إنقاذ البلاد حتى لا تكون مضطرة إلى تبني التقشف.

يواجه لبنان مهمة شاقة للخروج من ضائقته الاقتصادية. على مدار عقود، حافظ على عجز كبير في الحساب الجاري لتمويل إنفاق حكومي كبير، يدفع الكثير منه لشبكة أمان اجتماعي تمنع البلد المتنوع اجتماعيًّا وسياسيًّا من التداعي. لكن انخفاض ثقة المستهلكين، وتباطؤ تدفقات رأس المال، والتهديد بفرض مزيد من العقوبات المرتبطة بإيران، يعمق الهشاشة الاقتصادية، ويبرز عدم القدرة على تحمل هذا النوع من الإنفاق الحكومي.

في موازنة عام 2019، التي مُررت مؤخرًا، وميزانية 2020 قيد المناقشة، وافقت الحكومة على أن تدابير التقشف هي الحل لخفض الإنفاق الحكومي. لكن فرض تدابير التقشف على لبنان سيؤدي بشكل أساسي إلى تمزيق شبكة الأمان الاجتماعي في البلاد، وبالتالي إتلاف الروابط السياسية بين المواطنين ورعاتهم السياسيين. ومع تقدم لبنان في طريق التقشف، تعد الاضطرابات الشعبية وضعف الحكومة من الأمور المؤكد حدوثها.  

وقد أنهى اتفاق سلام عام 1989 الحرب الأهلية اللبنانية، التي استمرت 15 عامًا، لكنه فشل في حل القضايا السياسية التي حرضت على النزاع في المقام الأول. وبعد مرور ثلاثين عامًا، ما يزال الوضع السياسي والاقتصادي في لبنان محفوفيْن بالمخاطر؛ لأن سن إصلاحات كبرى من شأنه أن يقلب العقد الاجتماعي الذي وفر حصة من ثروة البلاد، ونزع فتيل الاقتتال.

Embed from Getty Images

الكفاح من أجل الحفاظ على التثبيت

تتمثل المشكلة العاجلة التي تبرز الحاجة إلى خفض الإنفاق الحكومي، في الضغوط الحالية الناجمة عن تثبيت الليرة اللبنانية إزاء الدولار الأمريكي. على نحو متزايد، يتعين على بيروت دعم هذا الارتباط (حوالي 1500 ليرة لبنانية لكل دولار) من خلال استنزاف احتياطيات العملات الأجنبية. 

وساعد تثبيت العملة إزاء الدولار، الذي نُفذ في عام 1997، لبنان في البداية على الخروج من الركود الاقتصادي بعد حربه الأهلية المكلفة، التي استمرت 15 عامًا. غير أنه في هذا الصيف، تجاوز سعر صرف العملة في السوق السوداء الرابطَ الرسمي بسرعة، مما زاد من احتمال تخفيض قيمة العملة بعد فترة، أو التخلص الكامل من سعر الصرف الثابت.

إن فك الارتباط من شأنه أن يتسبب في انخفاض قيمة الليرة بسرعة، مما يهدد تهديدًا خطيرًا العقدَ الاجتماعي اللبناني في فترة ما بعد الحرب، والذي يضمن أن تهتم الدولة باحتياجات المواطنين الأساسية من خلال الإنفاق الاجتماعي الضخم.

لكن اليوم، يهدد عدم الاستقرار الاقتصادي في لبنان القوة الشرائية للمواطنين، وبالتالي فإن ثقتهم في الحكومة والنظام الذي وضعته طوائف البلاد بعد الحرب الأهلية قد تآكل. ويوضح هروب رأس المال، وانخفاض التحويلات، وتراجع الاستهلاك مدى انخفاض ثقة المستهلكين في البلاد. وفي الوقت ذاته، أدت التكهنات حول استقرار الارتباط بالدولار إلى انخفاض تدفقات رأس المال، وزيادة تدفقات رأس المال إلى الخارج.

كما أن العقوبات الأمريكية ضد إيران أضافت طبقة أخرى من القلق الاقتصادي. إذ تفرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على حزب الله والكيانات المرتبطة بإيران في لبنان، مثل مصرف جمال ترست. ويمكن أن تجد المزيد من البنوك اللبنانية نفسها في مرمى النيران، مع اتساع شبكة العقوبات الأمريكية ضد إيران. 

في الواقع، يعاني المقرضون اللبنانيون من أزمة مزدوجة: من جانب، تهدد الولايات المتحدة بمعاقبتهم بسبب صلاتهم بإيران أو سوريا، ومن ناحية أخرى، يطالب البنك المركزي اللبناني بأن يشاركوا في جهود الإصلاح من خلال شراء سندات خزانة منخفضة التكلفة؛ للمساعدة في سداد فاتورة خدمة الدين في البلاد.

بينما يتقدم لبنان إلى الأمام في طريق التقشف، تعد الاضطرابات الشعبية والحكومة الضعيفة من الأمور المؤكدة.

مواجهة المحتوم: التقشف

من أجل حل المشكلة والاستثمار في المستقبل، تتضمن ميزانيات لبنان لعامي 2019 و2020 تدابير تقشفية غير مسبوقة، ووعد بإصلاحات للعمل والضرائب في المستقبل. وبينما تأمل السلطات في حل مشكلات العجز والديون المستعصية في البلاد، من خلال زيادة تدفقات رأس المال، ودعم ارتباط العملة (دون التخلي عن السيطرة لصالح مؤسسة خارجية مثل صندوق النقد الدولي)، فإنها ستزيد من تكدس الضغوط الاقتصادية على المواطنين، الذين سيستجيبون بمزيد من الضغط على الطبقة السياسية لصياغة عقد اجتماعي جديد.

Embed from Getty Images

أكبر النفقات في لبنان هي خدمة الديون، وتكاليف القطاع العام، والمدفوعات لشركة الكهرباء الحكومية. لتقليص كل منها، تتضمن خطة الحكومة تدابير تقشفية، أو ضغطًا على القطاع الخاص. على سبيل المثال: تأمل بيروت أن يساعد إصلاح الدعم في خفض التحويلات إلى شركة الطاقة الحكومية، والتي تكلف ملياري دولار في السنة، ولكن هذا سيزيد من سعر الكهرباء للبنانيين، الذين أصبحوا مرهقين من عمليات خفض الطاقة اليومية والمرافق باهظة الثمن. 

وفي الوقت ذاته، تأمل الحكومة في أن تساعد إصلاحاتها في القطاع العام على تخفيف عبء الأجور في القطاع العام، الذي يلتهم 35% من الميزانية، ولكن مثل هذه الإصلاحات، حتمًا، ستسمح لعدد أقل من المواطنين بالحصول على وظائف مرغوب فيها في القطاع العام. هذه مشكلة خطيرة في بلد يبلغ معدل بطالة الشباب فيه 37%، وهي خيانة أخرى للعقد الاجتماعي الذي من المؤكد أنها ستعمق الاستياء. ببساطة لا توجد حلول لقضية الديون لا تنطوي على قيام الحكومة بتقليص إنفاقها مع تحمل المواطنين اللبنانيين وشركات القطاع الخاص المزيد من قيمة الفاتورة.

تدابير التقشف هي أيضًا أكثر حتمية؛ لأن المنح والقروض التي وُعد بتقديمها مؤخرًا إلى لبنان، تتطلب من البلاد تنفيذ إجراءات التقشف من أجل الإفراج عن الأموال. أشادت بيروت بالقروض والمنح التي بلغت 11 مليار دولار من مؤتمر سيدر لعام 2018، وهو قمة مانحين دولية للبنان، كوسيلة للتغلب على الأزمة. ولكن للوصول إلى الأموال، يجب على لبنان أن يفرض تدابير تقشفية لن تضر بالقوة الشرائية للمواطنين فحسب، بل ستوجههم أيضًا نحو مشروعات بنية تحتية كثيفة رأس المال لا توفر أي نجدة فورية للبنانيين من الطبقة الدنيا والمتوسطة، الذين يكافحون من أجل شراء الغذاء والحفاظ على وظائفهم. 

علاوة على ذلك، لن تؤدي هذه القيود إلا إلى زيادة عجز الحساب الجاري. كما سيرغب الكثير من المستثمرين الخارجيين في معرفة ما إذا كان لبنان سينفذ بعض الإصلاحات الهيكلية، قبل أن يشاركوا بأي أموال.

آثار التقشف

بالنظر إلى أن المواطنين اللبنانيين ليسوا معتادين على التقشف، فإن احتمال فرض ضرائب جديدة والمزيد من انعدام اليقين بشأن الوظائف، وارتفاع أسعار المرافق لا بد أن يثير الاضطرابات، ويؤدي لإطلاق دعوات لإقامة علاقة جديدة بين المحكومين والحكومة.

وتسلط الاحتجاجات الشعبية الأخيرة الضوء على رفض المواطنين لميزانية التقشف لعام 2019، والتي أقرها البرلمان أخيرًا بعد مضي سبعة أشهر من السنة. وستركز المزيد من إجراءات التقشف في ميزانية 2020 المزيد من الغضب على رئيس الوزراء سعد الحريري، والرئيس ميشال عون، مما قد يضعف مكانتهما السياسية فيما يكافح كل منهما لتقديم الرعاية السياسية.

Embed from Getty Images

وستشهد الجهات الفاعلة السياسية القوية مثل حزب الله، الذي يحتفظ بقدم واحدة في الحكومة وقدم أخرى خارجها، انخفاضًا في رأسمالها السياسي، إذا لم تستطع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي لقاعدتها.

وسيواصل السياسيون محاولة إلقاء اللوم في الضائقة الاقتصادية على اللاجئين السوريين، وحتى الفلسطينيين (تشير تقديرات الحكومة اللبنانية إلى أن اللاجئين السوريين يكلفون مليار دولار بشكل مباشر، و3.5 مليار دولار بشكل غير مباشر)، لكن إثارة الخوف بشأن اللاجئين أصبح مهربًا سهلًا للسياسيين الذين يتطلعون إلى تحويل اللوم بشأن الاقتصاد اللبناني الضعيف هيكليًّا. وأحد الآثار المحتملة لذلك هو: أن الجهات الفاعلة الأخرى، بما في ذلك رئيس البنك المركزي رياض سلامة، ووزير الخارجية جبران باسيل، ستعزز رأس مالها السياسي، وسط تكهنات بأن كليهما قد يترشح للرئاسة.

فيما يتعلق بالدول الإقليمية، التي طالما هبت لنجدة لبنان، يخلص التحليل إلى أنه لا يمكن لرعاة لبنان الإقليميين أن يهبوا لنجدته أو أنهم لا يريدون أن يفعلوا ذلك كما فعلوا في الماضي، مما أجبر لبنان على المضي أكثر في  طريق التقشف. ومع تباطؤ اقتصاديات دول الخليج العربي وسط انخفاض أسعار الطاقة، لا توجد ضمانات على أنهم يمكن أن يساعدوا مرة أخرى على استقرار لبنان من خلال تقديم المنح.  

ويؤثر النشاط الاقتصادي الضعيف في دول الخليج العربي على لبنان بالفعل؛ لأن العمال المغتربين في كل دولة من دول الخليج يرسلون الآن تحويلات مالية منخفضة إلى الوطن. وفي الوقت نفسه، ربما لا ترى المملكة العربية السعودية أنه من المناسب سياسيًّا أن تساعد لبنان ماليًّا، وقد لا تفعل ذلك إلا إذا اعتقدت أن حزب الله المدعوم من إيران سيستفيد من الركود الاقتصادي في البلاد. ثم هناك إيران، وهي راع اقتصادي آخر سابق للبنان، والتي لا يمكنها تحمل نفقات مساعدة البلاد – حتى لو رفعت الولايات المتحدة العقوبات فجأة.

التظاهرات تصل الشارع اللبناني.. هل يلحق لبنان بركب الربيع العربي متأخرًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد