قال كريم شهيب في تقرير له في مجلة «فورين بوليسي» إن الكثيرين لم يسمعوا عن بلدة بشرّي اللبنانية النائية، لكنها باتت حديث وسائل الإعلام المحلية والدولية بسبب تعاملها الناجح مع جائحة كورونا التي تضرب العالم.

أوضح عمدة البلدة فريدي كيروز لفورين بوليسي بالقول: «يمر اليوم أسبوع منذ فرضنا الحجر. بتنا نسيطر على الفيروس الآن». كان اللبنانيون قد اندهشوا من قرار إغلاق البلدة الجبلية الصغيرة – يشير شهيب – وبصرف النظر عن حظر التجول ليلًا وقيود السفر للحد من حركة المرور، فإن الحكومة الوطنية اللبنانية لم تعزل المدن بعد عن بعضها البعض.

يسكن حوالي 5 آلاف شخص بلدة بشري، وقد حذت حذو بعض المدن النائية الأخرى حول العالم التي أخذت الأمور بأيديها، مثل زاهارا دي لا سييرا في جنوب إسبانيا، التي اعتمدت في المقام الأول على المجتمع المحلي لاحتواء الوضع، في حين تكافح الحكومة الوطنية لتأمين المساعدة المالية والطبية.

الربيع العربي

منذ شهر
دون تفاصيل معقدة.. 7 أسئلة تشرح لك لماذا عادت تظاهرات لبنان من جديد

أُبلغ عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا في المدينة في وقت سابق من هذا الشهر – يؤكد شهيب – مما أعطى الحكومة المحلية الضوء الأخضر لتنفيذ إجراءاتها الصارمة. وأضاف كيروز: «كانت لدينا بالفعل إستراتيجية وقائية قبل ظهور الحالة الأولى في بشرّي أو لبنان».

وقال مدير مستشفى بشّري الحكومي إنه تم تخصيص طابق من المستشفى لمرضى فيروس كورونا، في حين جرى تجهيز طابق غير مكتمل كمرفق للحجر الصحي. أكد المدير لفورين بوليسي: «لقد شكلنا فريق استجابة بشكل استباقي – لذا لم تظهر أي حالة بعد إغلاق البلدة. وعلى الرغم من القيود المالية، اتخذنا أشد التدابير الممكنة لمنشآتنا – مثل التعقيم والأقنعة وكل شيء». في المقابل، تُرسل الحالات الحرجة إلى مستشفى رفيق الحريري الجامعي الذي تديره الحكومة في بيروت أو إلى مستشفى في مدينة طرابلس الشمالية.

بعد شهر من تسجيل أول إصابة – يؤكد شهيب – اكتشف في بشاري ما لا يقل عن 70 حالة مؤكدة، أي أكثر من 10% من الحالات المؤكدة في جميع أنحاء البلاد. لكن في الوقت نفسه، أجرت بشّري عددًا أكبر بكثير من الاختبارات للفرد مقارنة بالبلديات الأخرى في لبنان.

قال كيروز: «أجرينا 400 اختبار هذا الأسبوع فقط، حتى نتمكن من رؤية كيف تسير الأمور». أصبح الاختبار الشامل جزءًا من الإجماع العالمي حول أفضل طريقة للاستجابة للجائحة. ولكن أكد العاملون الطبيون في البرازيل، حيث قلل الرئيس جاير بولسونارو من الوباء واصفًا إياه بـ«مجرد إنفلونزا»، أن نقص الإبلاغ عن حالات الفيروس التاجي أخفى وراءه «جبلًا من الوفيات». وقد أكد كيروز هذه المشاعر.

وأضاف: «إن عدد الإصابات الكبير ليس مرده أن وضعنا سيئ، بل لأننا نجري الاختبارات على نطاق واسع. بدأنا الاختبار في الأماكن التي تجري فيها الكثير من التفاعلات البشرية: محطات الوقود والمتاجر والصيدليات، وما إلى ذلك».

وثقت وزارة الصحة اللبنانية أكثر من 720 حالة إصابة بالفيروس التاجي و24 حالة وفاة ذات صلة حتى الآن – يشير شهيب – لكن الممارسين الطبيين طالبوا بإجراء 2500 اختبار على الأقل يوميًا، وأن تشمل المرضى في المناطق الريفية ومخيمات اللاجئين. ولكن لم تستجب الدولة.

بعد أول حالة مؤكدة في 21 أبريل (نيسان) في مخيم جليل للاجئين الفلسطينيين في لبنان، كشفت سلسلة من الاختبارات في اليوم التالي عن وجود أربع حالات إيجابية أخرى على الأقل. إن الاعتماد المفرط على مرافق الرعاية الصحية الخاصة التي لم تقدم حتى الآن سوى الحد الأدنى من الاستجابة قد وضع أيضًا عبئًا ثقيلًا على مستشفى رفيق الحريري الجامعي الذي تديره الحكومة والذي يعاني من نقص التمويل.

كورونا يضرب لبنان أثناء أسوأ أزمة مالية في تاريخه

فقدت الليرة اللبنانية، المرتبطة رسميًا بالدولار الأمريكي، نصف قيمتها في السوق السوداء في ستة أشهر فقط، وحدث نقص في الدولار الأمريكي مما جعل البلاد تكافح لاستيراد المواد الغذائية الأساسية والوقود والمعدات الطبية والأدوية المنقذة للحياة.

أدى ذلك إلى تخلف لبنان عن سداد ديونه الخارجية الهائلة في مارس (أذار) – يضيف شهيب. وجرى خفض ميزانية الدولة، بما في ذلك خفض بنسبة 7% للرعاية الصحية، في الوقت الذي يتعامل فيه لبنان مع الوباء.

وعلى الرغم من أن لبنان لديه مرافق رعاية صحية خاصة مميزة، فقد اتخذت نهجًا محافظًا للغاية تجاه الوضع؛ يمكن للمستشفيات التي ترغب في استقبال مرضى (كوفيد-19) تخصيص 20 سرير فقط لكل مرفق. على الرغم من تبرع حكومة الولايات المتحدة الأخير بمبلغ 5.3 مليون دولار للمستشفيات الخاصة للمساعدة في مواجهة الفيروس، فإنه من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيحفزهم على استقبال المزيد من المرضى.

تلقى لبنان مساعدة من اليونيسف والحكومة الفرنسية – يؤكد شهيب – وحصل على موافقة البنك الدولي لإعادة تخصيص 40 مليون دولار من القروض لاستخدامها في محاربة الوباء. وتكافح الدولة أيضًا لتنفيذ إصلاحات إلزامية للحصول على قروض تقدر بـ11.1 مليار دولار تعهد بها المجتمع الدولي في أبريل 2018. كما تواصلت مع صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدات الطوارئ، لكنها باءت بالفشل حتى الآن.

إن الاقتراض الحكومي الشامل لتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي ليس خيارًا في لبنان. لا توجد منح للأعمال التجارية الصغيرة، ولا إعفاءات من دفع الإيجار والمرافق لمنع المزيد من حالات تسريح العمال كما هو الحال في فرنسا – حوالي نصف سكان لبنان عاطلين عن العمل. وبالتأكيد لا توجد أية منح للعمال المستقلين وغيرهم، مثل تلك المقدمة في ألمانيا.

كان من المقرر أن تستفيد نحو 40 ألف عائلة لبنانية من منحة لمرة واحدة تقارب 133 دولارًا، ولكن جرى تأجيل هذه المساعدة بسبب «الأخطاء» التي كلف الجيش الآن بإصلاحها. وكان من المقرر أيضًا أن يصوت البرلمان على اقتراح أوسع ليشمل قروض بدون فائدة للشركات الصغيرة والعمال، ولكن مع حضور عدد قليل جدًا من أعضاء البرلمان، انتهت الجلسة مبكرًا دون تصويت على هذه المسألة.

نموذج بشري لإدارة الأزمة

بالعودة إلى بشري – يواصل شهيب كلامه – لم تعتد غيوة فخري على العمل من المنزل؛ إنها تساهم في مبادرة مجتمعية تسمى فريق بشري لإدارة الأزمات. على الرغم من عدم ارتباطها سياسيًا، فقد تواصلت هذه المجموعة مع الجميع من أجل التعاون. وغيوة وزملاؤها من بين العديدين في بشري الذين شكلوا بسرعة مجموعات مجتمعية لتنسيق جهود المساعدة الفعالة للأسر الفقيرة.

Embed from Getty Images

قالت غيوة لفورين بوليسي: «لقد كنا على اتصال بالحكومة المحلية والكهنة والنواب وغيرهم من أصحاب المصلحة في المجتمع – وكان معظمهم داعمين ومتعاونين. هدفنا هو التأكد من أن كل المحتاجين يحصلون على نصيبهم العادل من الدعم والقيام بذلك بطريقة منظمة وشفافة».

ولكن كما هو الحال في بقية لبنان، إذ الخدمات الاجتماعية التي تمولها الدولة ضعيفة، يعتمد سكان بشري أيضًا على شبكات المحسوبية الواسعة في البلاد للأحزاب السياسية وأمراء الحرب وكبار رجال الأعمال الذين سدوا فجوة الدولة لعقود. على سبيل المثال، خصص حزب الله المدعوم من إيران، والمعروف بخدماته المتطورة، حوالي 1.75 مليون دولار لتمويل جهودهم ضد الفيروس التاجي، مع فريق من 24 ألف و500 عامل طبي.

تعد بشري معقلًا سياسيًا رئيسًا للقوات اللبنانية، وهو حزب مسيحي بارز وحليف رئيس للولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، في لبنان، وهي مسقط رأس كل من زعيم الحزب سمير جعجع وزوجته ستريدا جعجع.

قال هاني رحمة، وهو ناشط في الحزب: إن «القوات اللبنانية ساعدت في رفع مستوى المستشفى وقدمت معدات اختبار. وكذلك 1500 عبوة غذائية».

ومن بين الجهات المانحة للحزب وزير الصحة السابق ورجل الأعمال اللبناني البريطاني غسان حاصباني، الذي تبرع بـ100 من معدات الاختبار. بعد أيام فقط من تأكيد الحالة الأولى في بشري – يقول شهيب – أعلنت مستشفى البلدة أنها تلقت 800 من معدات الاختبار: 300 من اللبنانيين المقيمين في أستراليا و500 من مكتب وليام طوق – خصم القوات اللبنانية.

اتخذت الأحزاب السياسية في جميع أنحاء البلاد مبادرات مماثلة، بما في ذلك المليارديرات ورئيس الوزراء السابق سعد الحريري ونجيب ميقاتي، وحزب الله والحركة الوطنية الحرة عبر دوائرهم الانتخابية، لكن هذه الجهود من القمة إلى القاعدة لم تتطابق مع المجتمع المستهدف لبشري.

قال رئيس بلدية بشرّي، كيروز: «أشجع جميع رجال الأعمال على التبرع لبلداتهم. سيكون لدينا فهم أفضل للوضع في لبنان بهذه الطريقة». وقارن استجابة مدينته باستجابة ألمانيا وكوريا الجنوبية، التي تضمنت تنفيذ عمليات اختبار واسعة وتتبع أماكن الحالات المصابة. وبينما أدى ذلك إلى ارتفاع الحالات الموثقة بسبب ارتفاع معدل الاختبار – ينوه شهيب – انخفضت معدلات الوفيات لدى ألمانيا وكوريا الجنوبية بشكل ملحوظ. ولكن لم تحذ بقية المدن اللبنانية حذو بشرّي.

الإصابات تنخفض في بشري

بدأ عدد الأشخاص الذين ثبتت إصابتهم بالفيروس التاجي في التضاؤل ​​في بشرّي، إذ عًزلت جميع الحالات المصابة وجرى تتبعهم لاختبار المحيطين بهم. تعتقد غيوة أن هذا يوضح نوع الاستجابة المناسبة لتفشي المرض في بقية البلاد، وربما في بلدان أخرى. وقالت: «لا توجد طريقة أخرى غير تنفيذ اختبارات على أوسع نطاق. كانت الغالبية العظمى من الحالات هنا بلا أعراض، بما في ذلك كبار السن. وهذا يعرض الناس للخطر».

مع استمرار لبنان في خفض الإنفاق العام، من غير المرجح أن تكون هناك زيادة في الإنفاق على الخدمات الاجتماعية قريبًا. والآن مع تسليط الضوء على بشرّي – يقول شهيب – لم يكن من المستغرب أن تأتي بعض التكهنات حول أن البلدة تحاول إحراج وزير الصحة حمد حسن من حزب الله، منافس القوات اللبنانية.

Embed from Getty Images

قال مدير مستشفى بشري إنه لا يوجد توتر. وأكد أن وزير الصحة زار بشرّي وكان داعمًا جدًا، على الرغم من الخلافات السياسية». في هذه الأثناء في بشري، المنعزلة عن بقية البلاد، هناك شعور بالتفاؤل الحذر بين السكان المنتمين لأطياف سياسية مختلفة. هناك شعور بضرورة وضع احتياجات الناس الصحية والاقتصادية العاجلة في المقدمة، خاصة في وقت اجتاحت فيه الاحتجاجات الشعبية جميع أنحاء لبنان داعية إلى إسقاط النخبة السياسية الحاكمة.

قال هاني رحمة لفورين بوليسي: «توحدنا في هذا الوقت الصعب؛ لأن شعب بشري يحب بعضه البعض – سواء كان المجتمع المدني أو المنتمين للقوات اللبنانية مثلي». ولكن لا يمكن الجزم بما إذا كان الجميع يشعرون بنفس الطريقة. تستمر الاحتجاجات وأعمال الشغب في جميع أنحاء لبنان بسبب الأزمة الاقتصادية، مستهدفة النخبة الحاكمة في البلاد – بما في ذلك القوات اللبنانية وحلفاؤها – حيث يطالب السكان الغاضبون بالتغيير.

مع انخفاض أعداد حالات الإصابة في بشري – يضيف شهيب – احتجت العديد من البلدات والمدن في لبنان على مدار الأسبوع الماضي، بسبب نقص التعويض الاقتصادي وارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل كبير. قد يؤدي هذا إلى زيادة الطلب على الموارد الطبية، ومن الواضح أن الوضع في لبنان ككل بعيد عن السيطرة.

وبالرغم من تفاؤله بالمسار الإيجابي لبشري، أصر مدير مستشفى البلدة على أن الناس يجب أن يظلوا يقظين، قائلًا: «الآن نحن بخير. ولكن من يدري ماذا يخبئ الغد؟».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد