نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحليلًا حول قدرة لبنان على مواجهة «فيروس كورونا» – الذي بدأ في الانتشار خارج الصين مؤخرًا – وذلك بموازاة مصاعب سياسية واقتصادية واحتجاجات مستمرة منذ شهور.

وأوضح التحليل – الذي كتبته بيتسي جولز، الصحافية المستقلة التي تتخذ من بكين مقرًا لها، والمتخصصة في الموضوعات التي تدور حول آثار الصراعات والجانب الإنساني للجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط وشرق آسيا – أن الخوف من الوباء المعروف باسم «كوفيد – 19» انتشر في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بعدما سجلت إيران أكبر عدد من الوفيات بسبب الفيروس خارج الصين الأسبوع الماضي.

وأضافت الكاتبة أن ارتفاع معدل الوفيات يشير إلى أن تفشي المرض قد يكون أكبر من الأرقام الرسمية المسجلة في إيران. وأوضحت أن المملكة العربية السعودية حظرت سفر الحجاج الأجانب إلى الحرمين الشريفين في مكة والمدينة. مشيرة إلى أن لبنان أكد وجود ثلاث حالات إصابة حتى الآن لأشخاص عادوا من رحلات إلى إيران مؤخرًا.

أسوأ وقت يمكن أن يزور فيه الفيروس لبنان

اعتبرت بيتسي أن تهديد الفيروس يأتي في أسوأ وقت بالنسبة للبنان؛ إذ إن البلد يتأرجح على حافة الإفلاس، ويعاني منذ عدة أشهر بسبب الاحتجاجات المناهضة للحكومة.

Embed from Getty Images

وذكرت الكاتبة أن لبنان يواجه أسوأ أزماته الاقتصادية منذ الحرب الأهلية، التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990، مع اقتراب تسديد سندات أوروبية بقيمة 1.2 مليار دولار في 9 مارس (آذار) الجاري. وأوضحت أنه إذا عجزت الحكومة عن سداد ديونها فإنها ستتلقى ضربة أخرى كبيرة.

وتحد هذه المشاكل المالية من قدرة البلاد على الاستجابة لـ«فيروس كورونا»، سواء عن طريق توظيف ما يكفي من العاملين الصحيين المدربين لإجراء فحوصات الحمى في المطار، أو تجهيز المستشفيات بمعدات متخصصة، مثل أجهزة التنفس الصناعي في مناطق الحجر الصحي.

وقالت الكاتبة: «إن توفير الموارد البشرية ورأس المال اللازم للتعامل مع حالات الإصابة الحادة بالفيروس من شأنه أن يضع نظام الرعاية الصحية المتداعي بالفعل في ضائقة شديدة».

كيف أثرت صعوبات الاقتصاد على منظومة الرعاية الصحية؟

أشار التحليل إلى أن حالة الاقتصاد ألقت بوطأتها بالفعل على نظام الرعاية الصحية العامة في لبنان إذ يتعذر على الموردين الطبيين استيراد المنتجات التي يحتاجون إليها بسبب نقص الدولار الأمريكي، وهو الأمر الذي يرجع جزئيًا إلى تباطؤ عمليات ضخ العملة الأجنبية في القطاع المصرفي.

والرعاية الصحية هي بند آخر في قائمة الشكاوى العامة للمتظاهرين، إذ ينتقد العاملون في المجال الطبي الفساد والتجاهل الحكومي لتزويد المستشفيات بما تحتاج إليه. كما يحتج الأطباء أيضًا على إخفاق الحكومة في دفع المبالغ المستحقة للمستشفيات مقابل الرعاية المقدمة للمرضى، وهم الذين ينبغي أن يكونوا مشمولين بالضمان الاجتماعي وصناديق الرعاية العسكرية، طبقاً لما ذكرته منظمة «هيومن رايتس ووتش».

الربيع العربي

منذ 5 شهور
«بروكنجز»: مكافحة الفساد.. شعار تستخدمه حكومة لبنان الجديدة لملاحقة خصومها فقط

والإجراءات المتبعة حتى الآن لمنع انتشار «فيروس كورونا» في لبنان تظهر الضغط الذي يعاني منه نظام الرعاية الصحية. وخوفًا من حدوث عجز، حظرت الحكومة تصدير الإمدادات الطبية الخاصة بالحماية من الأمراض المعدية، مثل أقنعة الوجه. كما يجري فحص الأشخاص الذين يصلون إلى لبنان من البلدان التي تفشى فيها المرض، بحثًا عن الحمى، وطُلب منهم البقاء في حجر صحي ذاتي داخل المنزل واتباع إرشادات وزارة الصحة العامة. ولكن لا يوجد نظام مطبق لمراقبتهم بمجرد مغادرتهم المطار، على عكس دول مثل كوريا الجنوبية، حيث كان يتعين على المصابين المحتملين استخدام تطبيق لتتبع تحركاتهم.

ونقلت الكاتبة عن سليم أديب، أخصائي الأوبئة والمستشار بوزارة الصحة العامة، قوله: «إن هناك أيضًا موارد محدودة متاحة لتدابير العزل الشامل، إذا ظهرت على الناس أعراض الفيروس».

وستكون الأسابيع القليلة المقبلة حاسمة في تحديد قدرة النظام على التعامل مع تفشي الفيروس. يضيف أديب: «لا توجد أموال لفعل أي شيء، بما في ذلك اتخاذ تدابير صحة عامة جديدة»، مضيفًا «إذا احتجنا إلى عزل الكثير من الناس، فإننا سنرتبك ولن ندري ما نفعل».

التقلبات السياسية تعرقل الاستعداد للأزمة الصحية المرتقبة

وتتفاقم مشكلة الموارد المحدودة بفعل الاستجابة المفككة من الحكومة التي تمر بحالة تقلب. فمنذ بدء الاحتجاجات المناهضة للحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 خضع لبنان لعملية إصلاح سياسي، إذ استقال رئيس الوزراء سعد الحريري بعد أقل من أسبوعين من بدء المظاهرات، وعين الرئيس اللبناني حسان دياب رئيسًا للوزراء، كما شُكلت حكومة جديدة في أواخر شهر يناير (كانون الثاني)؛ ما أنهى ثلاثة أشهر من الجمود السياسي.

Embed from Getty Images

ولفتت الكاتبة إلى أن «حزب الله» المدعوم من إيران وحلفائه يسيطرون على الحكومة اللبنانية الجديدة.

وأضافت الكاتبة أن الاضطرابات السياسية تزامنت مع انتشار «فيروس كورونا». وفي حين ركزت القيادة اللبنانية على إعادة الهيكلة السياسية والأزمة الاقتصادية، فإنها أهدرت فرصة بالغة الأهمية لوضع خطة استجابة طارئة للأزمة الصحية المرتقبة. وكان ينبغي أن تتضمن تلك الخطة إجراءات للحجر الصحي الجماعي ومراقبة الأشخاص العائدين من البلدان التي تفشى فيها الفيروس، وفقًا لما قاله فادي الجردلي، أستاذ السياسات الصحية في الجامعة الأمريكية في بيروت. والذي أوضح أن «هذا الأمر لم يُدر بالطريقة التي كان يجب أن يدار بها».

وناشدت الحكومة اللبنانية منظمة الصحة العالمية لتقديم المساعدة في بناء مرافق إضافية للحجر الصحي. لكن مكافحة الوباء تتطلب مستوى من التنسيق الحكومي، قال الجردلي: إنه لم يره حتى الآن من قيادة البلاد. وأضاف أنه «عند التعامل مع تفشي الأمراض والأوبئة، فإن العمل لا يجري بالطريقة المعتادة. وليس لدينا ترف التعلم بالممارسة هنا. ليس لدينا وقت سوى للعمل، والقيام بما هو صحيح».

«سيكون مصيرنا الهلاك».. فقراء لبنان في قلب العاصفة

وقالت كاتبة التقرير: «إن تفشي فيروس كورونا من شأنه أن يعرض الفئات السكانية الضعيفة في لبنان لخطر كبير للغاية»، موضحة أن البلاد تستضيف أكبر عدد من اللاجئين في العالم بالنسبة لعدد سكانها، بما في ذلك أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري، وأعداد كبيرة من الإثيوبيين، والعراقيين، والفلسطينيين، والسودانيين. وأشارت إلى أن ظروف الاكتظاظ وسوء المرافق الصحية في المخيمات والمستوطنات يمكن أن تجعلها مرتعًا للأمراض.

اقتصاد الناس

منذ 7 شهور
«بلومبرج»: مع تفاقم أزمة الاحتياطي.. هذا ما ينتظر اقتصاد لبنان

وتمتد هذه المخاطر إلى فقراء لبنان، إذ يحذر البنك الدولي من أن ما يقرب من نصف سكان لبنان قد يقعون تحت خط الفقر إذا ساءت الأحوال الاقتصادية، وقد تكون المجتمعات ذات القدرة المحدودة على الوصول إلى الرعاية الصحية الرسمية أقل ميلًا إلى الإبلاغ عن أعراض الفيروس، وهو تحدٍ آخر يواجه استجابة لبنان للوباء.

وأوقف لبنان يوم الجمعة سفر غير المقيمين من البلدان التي انتشر بها «فيروس كورونا»، بما في ذلك الصين، وإيطاليا، وكوريا الجنوبية، وإيران. وقال مهند الحاج علي، مدير الاتصالات والإعلام في «مركز كارنيجي للشرق الأوسط» في بيروت، إنه بالنظر إلى علاقة الحكومة بطهران، فإن القيود المفروضة على السفر مسألة سياسية. وفي البداية أوقفت الحكومة بعض الرحلات الجوية إلى إيران، بما في ذلك الرحلات المخصصة للحجاج. لكن الحاج علي قال إنه لم ير تفاصيل حول كيفية تطبيق تلك الإجراءات، مضيفًا «إلى أي مدى سيتم تنفيذها، هذا هو السؤال».

وتابعت الكاتبة قائلة: «إن القيود الفنية وعدم الكفاءة السياسية تؤجج الخوف العام الذي صاحب حركة الاحتجاج التي استمرت عدة أشهر في لبنان». ونقلت عن أحد الأشخاص قوله في تغريدة على موقع «تويتر» في يناير (كانون الثاني) الماضي: «إن المطار اللبناني غير مجهز على نحو جيد، وحكامنا غير مؤهلين، ومستشفياتنا تواجه نقصًا في المعدات.. سيكون مصيرنا الهلاك».

حين تصبح المعاناة اليومية أثقل وطأة من فيروس كورونا 

يتابع التحليل: البعض الآخر أقل اهتمامًا بالفيروس نفسه. ويقول محمد زريق، طالب الدكتوراه اللبناني في جامعة الصين المركزية العادية في ووهان – والذي عاد إلى وطنه في يناير الماضي – إنه يرى أن تهديد «فيروس كورونا» في لبنان صغير نسبيًا مقارنة بالمخاوف السياسية والاقتصادية، مشيرًا إلى أنه أكثر قلقًا على أصدقائه المحجوزين في الصين الذين «يعانون هناك».

وقال أديب، عالم الأوبئة: «إن معظم الناس في لبنان يتبعون في الوقت الحالي التدابير الوقائية التي تنصح بها وزارة الصحة». ونصح الناس باتخاذ التدابير الوقائية ذاتها التي يتخذونها للوقاية من الإنفلونزا. وبعض التوصيات – مثل: تجنب استضافة التجمعات الكبيرة – لا تمثل مشكلة للأشخاص الذين يعانون بالفعل من ضائقة مالية. وبهذه الطريقة فإن استجابة الجمهور للفيروس أقل ارتباطًا بالمخاطر الصحية، مقارنةً بشعورهم المألوف بتزايد الاضطرابات. وأضاف أديب: «الأمر يتعلق أكثر بالعذاب الوجودي الذي نعيش فيه الآن كل يوم».

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
من المسؤول؟ دليلك لفهم أكبر أزمة اقتصادية يعيشها لبنان منذ الحرب الأهلية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد