قالت أنشال فوهرا في تقرير لها بمجلة «فورين بوليسي» إن الناشطين في طرابلس بلبنان يبحثون في أحياء الطبقة الوسطى في طرابلس، المليئة بالمباني السكنية والمحلات التجارية المصممة جيدًا، عن العائلات التي بحاجة ماسة للمساعدة، ولكن يشعرون بالحرج من طلبها. كانت الجهود الخيرية للنشطاء تركز في الأصل على التواصل مع اللاجئين السوريين.

ولكن على مدى الأشهر القليلة الماضية – تشير فوهرا – ومع انخفاض قيمة الليرة اللبنانية بنسبة 60%، وتسبب وباء كورونا في إغلاق الشركات وتسريح آلاف العمال، أدرك المتطوعون أن الفقر انتشر بشدة. إن المظهر الخارجي الجميل لمباني طرابلس يخفي وراءه حالات بائسة. إنها تجربة جديدة لسكان المدينة والدولة.

العالم والاقتصاد

منذ 3 أسابيع
النيوليبرالية.. السر وراء أزمات لبنان الاقتصادية التي بدأها رفيق الحريري

إن لأصحاب محلات البقالة والصيادلة في معظم أنحاء المدينة ديونًا لدى عشرات الأسر غير القادرة على دفع فواتيرهم. وهم يتعاونون مع النشطاء عبر تبادل المعلومات الحساسة، بما في ذلك أسماء العائلات المدينة وعناوينها، بشرط عدم الكشف عن هوية المقترضين، فأي شكل من أشكال الاعتراف العام بتناقص الثروات يمكن أن يؤدي إلى انهيار كارثي للوضع الاجتماعي.

يدرك العاملون في المجال الإنساني حجم المأزق – تضيف فوهرا – فهم يوزعون سرًّا مظاريف بيضاء صغيرة تضم بين 350 إلى 550 دولارًا نقدًا، تبرع بها لبنانيون في الخارج، إلى بعض المحتاجين. التفاعل قصير ويجري تنفيذه سريعًا، عادة بين الناشطة وربة الأسرة، على أساس أن الرجال في المنزل يجب ألا يكتشفوا ذلك أبدًا.

روت هالة كبارة، الناشطة في منظمة سانوبل إيد، ومقرها طرابلس، العديد من هذه التجارب؛ إذ قالت: «الطبقات المتوسطة في لبنان لم تكن غنية، ولكنها تمكنت من دفع إيجار المنزل، وإرسال أطفالها إلى مدارس لائقة، لكن الأمر أكثر صعوبة الآن. لقد قدمنا ​​المال لنحو مائة من هؤلاء النساء، لكنهن كن يخجلن منا. إحداهن بكت وقالت شكرًا لك».

وقالت زميلة كبارة ومديرة المنظمة، فدى حجة، إن الأزمة الاقتصادية في لبنان تسحق الفقراء المدقعين، لكنها تضر أيضًا بالطبقات المتوسطة. من الصعب رؤية التأثير ولكن صداها عالٍ وواضح في صخب المتظاهرين، الذين حاصروا ساحات المدينة حتى وقت الحظر. قالت حجة: «لم تعد هناك طبقة متوسطة. هناك مجموعات اجتماعية واقتصادية منخفضة الدخل تكافح من أجل تغطية نفقاتها. ويمكنك أن ترى الرجال العاطلين يتسكعون في كل مكان تذهب إليه».

Embed from Getty Images

لطالما حافظ لبنان على نفسه دولةً ذات دخل متوسط ​​في العصر الحديث. لكن الدولة التي سعت حتى الآن للحصول على مساعدة دولية لحوالي مليوني لاجئ سوري وفلسطيني تجد الآن أن 75% من سكانها بحاجة إلى المساعدة، ومعظمهم من الطبقة الوسطى. إن لديهم ما يكفي لشراء الخبز، على عكس فئات الدخل التي تحتها، لكنهم يفتقرون إلى السيولة النقدية لدفع فواتير الهاتف، وشراء الوقود، وصابون المنظفات، وغيرها من الضروريات اليومية.

قال روي بدارو، الاقتصادي اللبناني، إن 65% من سكان لبنان انتموا إلى الطبقة الوسطى حتى وقت قريب – تنوه فوهرا. لكن البنية الطبقية في لبنان انهارت بسرعة. قال بدارو: «لقد فقدت الطبقة الوسطى ما يقرب من ثلثي قوتها الشرائية، وانتقلت إلى الطرف الأدنى من الطيف. عندما تميل الطبقة الوسطى إلى الاختفاء تقريبًا في أي بلد، فإنها تحدث اختلالًا تامًّا في النظام بأكمله وتعطلًا اجتماعيًّا».

اقتصاد متداع منذ عقود

كان لبنان يمر بأزمة قبل فترة طويلة من الاضطراب الناجم عن جائحة فيروس كورونا، تعود نشأتها إلى التسعينيات، عندما كان لا بد من إعادة بناء البلاد بعد الحرب الأهلية خلال العقد السابق. ولكن بعد ذلك، كما هو الحال الآن، لم تصدر الدولة أي شيء واستوردت الكثير، مما جعل الخزائن العامة فارغة.

في عام 1997 – تقول فوهرا – استدرجت البلاد مواطنيها في الخارج لإعادة الاستثمار في لبنان من خلال تحديد سعر الصرف عند 1500 ليرة لبنانية مقابل دولار أمريكي واحد، ومن خلال ذلك، قللت من المخاطر المحيطة بالمودعين. ولكن مع ركود الاقتصاد، خاصة بعد بدء الربيع العربي والحرب الأهلية السورية، فشلت الحكومات المتعاقبة في تنفيذ الإصلاحات، وعرقل الفساد نمو الاقتصاد.

لتثبيت سعر العملة، اعتمد البنك المركزي على الهندسة المالية؛ إذ قدم أسعار فائدة عالية بشكل غير مستدام لكبار المودعين، في ما وصف بأنه مخطط بونزي برعاية الدولة. ولكن عندما تعثر الاقتصاد الحقيقي، تُركت البنوك مكشوفة، وأصيب العملاء بالذعر. وعندما سارعوا إلى سحب أموالهم، فرضت البنوك ضوابط صارمة على رأس المال. والآن، لا يعرف اللبنانيون العاديون ما إذا كانوا سيستعيدون أموالهم. علاوة على ذلك، أدى نقص الدولار إلى زيادة في قيمته مع انخفاض الليرة، مما قلل من قيمة العملة التي يكسبها معظم اللبنانيين.

لبنان الآن في وضع صعب – تواصل فوهرا حديثها – وبحسب تحذير للبنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني)، كان من المتوقع أن يرتفع معدل الفقر في لبنان من 30-50%. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى ما بعد نقطة المنتصف، بمجرد أن يؤخذ تأثير تخفيض قيمة العملة والبطالة الناتجة من الوباء في الاعتبار. ولزيادة الطين بلة، بينما من المتوقع أن تنكمش الاقتصادات في جميع أنحاء العالم هذا العام، توقع صندوق النقد الدولي حدوث انكماش بنسبة 12% للاقتصاد اللبناني. وللمرة الأولى، تخلف لبنان عن سداد ديونه لسندات اليورو بقيمة 1.2 مليار دولار؛ كوسيلة للاحتفاظ بالمال داخل البلاد لدفع تكاليف الخدمات الأساسية. وفي الوقت نفسه، ما تزال ديون الدولة هي ثالث أعلى نسبة في العالم، بما يعادل 170% من ناتجها المحلي الإجمالي.

بدأت الحكومة اللبنانية مؤخرًا محادثات مع صندوق النقد الدولي على أمل الموافقة على خطة الإنقاذ. فقد سعت للحصول على قرض بقيمة 9 مليارات دولار من الصندوق، وطلبت من الدول الأوروبية الإفراج عن 11 مليار دولار من التمويل الموعود في عام 2018 لإنعاش الاقتصاد المتعثر. ولكن في غياب الإصلاحات للتعامل مع المحسوبية والفساد المستشري، تراجع المجتمع الدولي. علاوة على ذلك، يقول الخبراء إن أي صفقة مع صندوق النقد الدولي ستكون مرتبطة بإجراءات التقشف التي قد لا ترضي المحتجين.

قال ناصر ياسين، الأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت: «ستشمل إجراءات التقشف تقليل الوظائف في القطاع العام. وسيؤدي ذلك إلى احتجاجات شعبية وردود فعل كبيرة من النقابات والمجموعات المهنية». وحتى لو كانت شروط صندوق النقد الدولي مقبولة ونجحت المحادثات، فسيستغرق الأمر وقتًا طويلًا قبل أن يتمكن الناس في الشوارع من لمس أي فائدة.

إن الفقراء والطبقة الوسطى الدنيا في حاجة ماسة إلى الدعم المالي – تشدد فوهرا. إنهم الأكثر تضررًا، وخلافًا للطبقات المتوسطة، لا يمكنهم التظاهر بالرفاهية. وهم يضطرون إلى اصطفاف خارج مطابخ الحساء، ويتزاحمون، للحصول على رغيف من الخبز. إن وسط مدينة طرابلس، المكتظ بالعمارات المملوكية الرائعة التي تعود إلى القرن الرابع عشر، هو من بين أفقر أجزاء لبنان. يعيش 60% من السكان هنا على دولار واحد في اليوم حتى قبل الأزمة الحالية. وفقدوا الثقة في أن إنجازات الماضي ستضمن يومًا ما العودة إلى الأوقات الجيدة. قتل رجل في الاحتجاجات الشهر الماضي بينما خرج الآلاف إلى الشوارع وهم يهتفون: «نحن جائعون».

كان أهل طرابلس يأملون في أن يصبح مرفأهم – ثاني أكبر ميناء في لبنان يقع على بعد 19 ميلًا فقط من الحدود السورية – مركزًا لإعادة إعمار سوريا، وبالتالي إنقاذ المدينة نفسها. لكن إعادة الإعمار في سوريا ما تزال بعيدة المنال. في الوقت الحالي، يبدو أن شعب طرابلس، كما هو الحال في بقية البلاد، ليس لديهم سوى اعتماد بعضهم على بعض.

يعيش أبو سعد بالقرب من السوق القديم في وسط المدينة المزين بالأطلال. لم تكن هناك وظائف، لذلك فعل ما يفعله معظم اللبنانيين، إذ عمل سائق أجرة. ولكن لم تكن لديه التصاريح المطلوبة، فجرى الحجز على سيارته. يحتاج إلى دفع 400 ألف ليرة، أو 100 دولار حسب سعر الصرف الحالي في السوق، لدفع الغرامة واستعادة مصدر رزقه. ولكن ليس لديه المال. وهو أب لأربعة أطفال، ويعتمد الآن على الطعام من المنظمات الخيرية، والباقي من عائلته الممتدة، لكنه لا يتوقع شيئًا من الحكومة.

قال أبو سعد: «بالنسبة لنا، الحكومة ميتة. لم يهتموا بنا قط. لكننا سنتحداهم في الشارع».

عربي

منذ شهر
دولة بلا أموال.. كيف ستواجه الحكومة اللبنانية كورونا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد