هبطت قيمة العملة اللبنانية (الليرة) إلى مستويات متدنية جديدة مقابل الدولار الأمريكي، وهو ما أسفر عن ارتفاع في أسعار السلع الغذائية الميسورة التكلفة حتى غدَت بعيدة عن متناول أيدي الشعب اللبناني.

سلَّط تقريرٌ نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، أعدَّهَ بن هبارد، مدير مكتب «نيويورك تايمز» في العاصمة اللبنانية بيروت، وهويدا سعد، مراسلة الصحيفة الأمريكية هناك؛ الضوء على ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية في لبنان بالتزامن مع انخفاض قيمة الليرة اللبنانية من جديد في خضم الانهيار الاقتصادي الملموس في البلاد، مستشهدًا ببعض الأرقام والمعدلات التي تُبرِز إلى أي مدى وصلت الأزمة اللبنانية. 

تعديل الأسعار ثلاث مرات يوميًّا

في مطلع التقرير، يُشير الكاتبان إلى أن زياد حسن، مدير سلسلة محلات بقالة في بيروت، كان يتسلَّم رسالة يومية عبر البريد الإلكتروني من إدارة سلسلة المحلات هذه لكي تُخبره بالأسعار التي يجب تعديلها وما مقدار التعديل. ولكن مع انهيار العملة اللبنانية، وفي ضوء تدهور اقتصاد البلاد، أصبحت رسائل البريد الإلكتروني، التي توجِّه بزيادة أسعار المواد الغذائية الموجودة في جميع أركان محلات البقالة، تصل بمعدل ثلاث مرات يوميًّا في أغلب الأحيان.

عربي

منذ 3 شهور
بالأرقام.. كيف أصبحت الليرة ملطخة بالدماء في سوريا ولبنان؟

ويُعلق حسن، الساخط على أوضاع البلاد، قائلًا: «ينبغي لنا تعديل أسعار كل شيء»، مضيفًا أن الأوامر تصل إلى موظفيه بتعديل الأسعار وفقًا لزيادة جديدة حتى قبل أن ينتهوا من تعديل الأسعار طبقًا لزيادة سابقة. «هذا جنون». 

ويُوضح التقرير أن الأزمة الاقتصادية في لبنان تفاقمت خلال الأسبوع الماضي مع انخفاض قيمة الليرة اللبنانية في السوق السوداء، حيث قُدِّرت قيمة الدولار الأمريكي الواحد بـ15 ألف ليرة لبنانية، وهو أدنى مستوى وصلت إليه العملة اللبنانية على الإطلاق؛ مما أدَّى إلى انخفاض قيمة رواتب الموظفين مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية ذات التكلفة المقبولة حتى لم تعد في متناولهم. وكانت الليرة اللبنانية قد انتعشت قبل ذلك حتى أصبح الدولار الأمريكي الواحد يعادل 12 ألف ليرة لبنانية.

سلسلة من الأزمات تصل إلى براثن الفقر المدقع

وألمح التقرير إلى أن لبنان يعاني من سلسلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية منذ أواخر عام 2019، والتي أدَّت إلى تفاقم البطالة وارتفاع الأسعار ارتفاعًا هائلًا، بالإضافة إلى إغلاق المتظاهرين الغاضبين للطرق، إلى جانب أن الحكومة اللبنانية ليس لديها أي خطة واضحة لإبطاء وتيرة الانهيار الاقتصادي. كما أدَّى الانفجار الكارثي، الذي وقع في مرفأ بيروت في أغسطس (آب) الماضي وأسفر عن مقتل 190 شخصًا وخلَّف وراءه مساحة شاسعة من العاصمة أطلالًا تعج بالخراب، إلى تعميق الشقاء والبؤس في أوساط الشعب اللبناني.

Embed from Getty Images

ولم ينجُ أي قطاع داخل لبنان، التي تستورد معظم المنتجات، من آثار انهيار العملة وتداعياتها في البلاد – بحسب التقرير – إذ ارتفعت أسعار السلع الغذائية، وفقًا لإحصاءات حكومية، بنسبة 400% في ديسمبر (كانون الأول) الماضي موازنةً بالشهر نفسه في العام الذي سبقه، بينما ارتفعت أسعار الملابس والأحذية بنسبة 560% والفنادق والمطاعم بأكثر من 600%.

ونظَّمت عشرات الصيدليات في جميع أنحاء البلاد يوم الجمعة الماضي احتجاجًا على الظروف التي تسبَّبت لهم في عدم الحصول على بعض الأدوية وقلَّصت أرباحهم. ولمَسَ الموظفون، بمن فيهم المحامون والمعلمون والأطباء وأساتذة الجامعات، انخفاض قيمة رواتبهم. وأدَّى تردي الأوضاع إلى الدفع بآخرين إلى الوقوع في براثن الفقر.

من أين تنبع الأزمة الراهنة؟

واستشهد التقرير بما قالته الأمم المتحدة في أغسطس، إن أكثر من 55% من سكان لبنان أصبحوا فقراء، أي ما يقرب من ضعف العدد الذي كان في العام السابق. وتضاعف معدل الفقر المدقع ثلاثة أضعاف حتى وصل إلى 23%، وصار الوضع أكثر سوءًا منذ ذلك الحين.

ونوَّه التقرير إلى أن الأزمة الراهنة نتجت من انهيار سياسة البنك المركزي اللبناني الرامية إلى الحفاظ على ربط سعر الليرة اللبنانية بالدولار عند معدل 1.500 إلى 1 منذ عام 1997. وسمح ذلك للناس باستخدام العملتين بالتبادل وجعل الأمر سهلًا على التجار، الذين يبيعون المنتجات بالليرة لتحويل أرباحهم إلى دولارات لسداد قيمة الواردات.

ويستدرك التقرير قائلًا: لكن قدرة الدولة على الحفاظ على هذا الربط تعثرت في أواخر عام 2019، عندما اندلعت احتجاجات حاشدة ضد عقود من الفساد السياسي وسوء الإدارة. ومنذ ذلك الحين، استقالت حكومتان واتَّسعت الفجوة بين الليرة والدولار. وذهبت دعوات المسؤولين الغربيين والأمم المتحدة لتنفيذ الإصلاحات، التي يمكن أن تفتح المجال أمام المساعدات الخارجية وخطة الإنقاذ المحتملة من صندوق النقد الدولي، أدراج الرياح.

الأزمة تطرق أبواب محلات البقالة

ونوَّه التقرير إلى أنه فيما يخص عديد من اللبنانيين، كان محل البقالة يعد العنصر الأكثر خصوصية في هذه الأزمة؛ إذ شهد اختفاءَ المنتجات التي يُمكن وصفها بأنها كانت سلعًا أساسية في يوم من الأيام، وتضاعف سعر السلع الأساسية الأخرى ثلاثة أو أربعة أضعاف. 

Embed from Getty Images

وأبرز التقرير أن محلات البقالة في لبنان شهدت تهافتًا على المواد الغذائية الأساسية مثل الزيت والدقيق والسكر والأرز. تقول سهير الجزيني، التي تبلغ من العمر 60 عامًا، بعدما عَرِفت أن زجاجة زيت الطهي التي اشترتها الأسبوع الماضي ارتفع سعرها حاليًا بمقدار الثلثين: «كل شيء ترتفع أسعاره، لقد أصابتني الصدمة بالفعل». 

وتابع التقرير: كانت سهير قد جاءت إلى محل البقالة وهي تخطط أيضًا لشراء مسحوق غسيل ومعكرونة، لكنها أدركت أنها لا تملك نقودًا كافية لذلك. وذكرت أن زوجها كان يكسب 750 ألف ليرة شهريًّا من عمله بوصفه سائق سيارات. وكان هذا المبلغ يعادل 500 دولار أمريكي، لكن قيمته حاليًا أصبحت أقل من 60 دولارًا.

ومن جهتها، صرَّحت منظمة برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) بأن أسعار السلع الغذائية في لبنان ارتفعت بنسبة 423% منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وهي أكبر قفزة تحدث في لبنان منذ عام 2007. ومنذ ذلك الحين، استمرت الأسعار في الارتفاع، مما فرض ضغوطًا شديدة على الفقراء.

الوصول إلى الحضيض

وفي السياق ذاته، أكدَّت فاتن حيدر، البالغة من العمر 29 سنة، أنها كانت تكافح من أجل توفير وجبات لأطفالها الثلاثة في ظل ارتفاع أسعار السلع الغذائية وتراجُع معدلات الدخل الذي يجنيه زوجها من كشك القهوة الخاص به. وتحدثت فاتن عبر الهاتف من مدينة طرابلس، التي تقع في شمال لبنان، قائلة: «لم يكن لديَّ سوى زجاجة واحدة من اللبن المخفوق في الثلاجة وتراكمت عليَّ الديون بالفعل لمحل البقالة المجاور. ولا أعرف كيف أدفع لهم».

وأضافت فاتن أن الأساسيات الأخرى استنفدت ما لديها من نقود، مثل الفوط الصحية التي تضاعف سعرها أربع أضعاف. ويتزايد هذا العبء عندما تصل ابنتها البالغة من العمر 12 عامًا إلى سن البلوغ. موضحة: «لا أستطيع تحمُّل نفقاتي. فكيف يمكنني تحمُّل نفقاتها»؟

ويضيف التقرير أن قيمة رواتب الجنود وضباط الشرطة تراجعت كذلك، مما زاد من مخاوف زيادة الاضطرابات الاجتماعية وانتشار الجريمة. وفي الشهر الجاري، صرَّح وزير الداخلية اللبناني محمد فهمي، والمسؤول عن قوات الأمن، بأن هذه الرواتب «وصلت إلى الحضيض». وتحدث فهمي إلى شبكة أخبار محلية قائلًا: «قبل ثلاثة أشهر، كنت أقول إن الوضع الأمني بدأ في الانهيار. لكنني حاليًا أقول إن الوضع الأمني قد انهار بالفعل».

وفي وقت سابق من هذا الشهر، وخلال كلمة ألقاها أمام القادة العسكريين، وجَّه العماد جوزيف عون، قائد الجيش اللبناني، انتقادًا صريحًا غير مسبوق إلى قيادات النظام السياسي الطائفي في لبنان، محذرًا إياهم من أن أفراد الجيش اللبناني يتكبدون «المعاناة والجوع». وتساءل مخاطبًا القيادات السياسية: «إلى أين نحن ذاهبون؟ وما الذي تنوون فعله»؟

مَنْ المسؤول.. الشعب أم السياسيون؟

ولفت التقرير إلى أن البرلمان اللبناني وافق مؤخرًا على الحصول على قرض بقيمة 246 مليون دولار من البنك الدولي من أجل تقديم مساعدات نقدية للأسر الفقيرة، ولكن من دون بذل أي جهود كبيرة لوقف الانهيار الواسع النطاق. وكان رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري قد كُلِّف في أكتوبر بتشكيل حكومة جديدة. لكنه لم يُحرز أي تقدم يذكر، رغم اجتماعه 17 مرة مع الرئيس اللبناني، ميشال عون، لمناقشة المساومات السياسية. وفي الخميس الماضي، اتفق كلاهما على الاجتماع مرةً أخرى يوم الاثنين.

Embed from Getty Images

وفي السياق ذاته، راقب جهاد سباط، البالغ من العمر 48 عامًا، التردي والانهيار الاقتصادي من نافذة محل الجزارة الذي يُديره في بيروت منذ عام 1997، قائلًا إنه: «خلال العام الماضي استمر سعر اللحوم في الارتفاع بينما انخفض عدد الزبائن. وتبلغ تكلفة رطل اللحم البقري حاليًا أكثر من ثلاثة أضعاف ما كان عليه السعر قبل الأزمة. وتزايدت أعداد الأشخاص الراغبين في شراء اللحوم بالدَّين والمهتمين بشراء العظام فقط لغلْيِها من أجل الحصول على حساء. «أصبحت اللحوم من الكماليات»، على حد قول سباط.

وذكر التقرير أن سباط اتهم السياسيين في لبنان بسرقة أموال الدولة عن طريق وضع مخططات فاسدة، وانتقدهم لفشلهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي. وشارك أحد أصدقاء سباط، الذي كان يتجول في محل الجزارة، في الحوار قائلًا: «الناس هم المشكلة». فأومأ سباط برأسه قائلًا: «هذه نقطة أساسية؛ إذ لو نُظِّمت انتخابات غدًا، فإن الأشخاص أنفسهم (الذين يحكمون البلاد) سيعودون إلى مناصبهم من جديد (بمعنى أن الناس سيختارونهم من جديد)».

مشاجرات على السلع الغذائية.. وانفجار منتظر

وفي ختام التقرير، استشهد الكاتبان بما قاله زياد حسن، مدير محل البقالة: «في كل شهر، تقل معدلات شراء اللحوم وتتَضاعف معدلات شراء العدس، على الرغم من أن العدس أيضًا من السلع المستوردة وزادت قيمته خمسة أضعاف عما كانت عليه قبل الأزمة».

وأفاد حسن بأن محل البقالة الخاص به شهد اندلاع مشاجرات في ممراته للحصول على السلع الغذائية الأساسية مثل الأرز والسكر وزيت الطهي المدعوم من الحكومة. وغالبًا ما يصاب الناس بصدمة عند خروجهم من المحل عندما يدركون أنه لم يعُد بمقدورهم تحمل نفقات سوى قليل من الأساسيات.

وأعرب حسن عن خيبة أمله قائلًا: «لا أعرف كيف يستمر الناس على هذا النحو. لكن الأمر سيؤدي في نهاية المطاف إلى انفجار».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد