بعد أن دمرهم الانخفاض الحاد في قيمة الليرة اللبنانية، تحوَّل عدد متزايد من اللبنانيين إلى العملات المشفرة.

يستهل الصحافي الفرنسي، هوغو لوتيسييه، تقريره لموقع «ميدل إيست آي» بالإشارة إلى سمير سعد (37 عامًا) الذي يستعد لفتح ما يصفه بأول شركة استشارية لبنانية متخصصة في العملة الرقمية الأكثر شهرة: البيتكوين، من مكتب صغير متواضع في بيروت.

وقال سعد، مهندس ميكانيكي بدأ اهتمامه بالعملات المشفرة في عام 2014، للموقع البريطاني، إن: «الهدف هو تثقيف الناس مجانًا حول العملات المشفرة، وتوضيح كيفية إنشاء محفظة آمنة، بالإضافة إلى أساسيات البلوكتشين (السجل الذي يجمع كل معاملة يقوم بها مستخدموها)».

وأوضح: «لقد سُلِبت أموالهم. وأريد أن أعلمهم كيف يكون لديهم مصرفهم الخاص»، مشيرًا إلى أن العشرات حجزوا بالفعل مواعيد قبل أسابيع قليلة من افتتاح شركته الاستشارية.

ثورة في العملة الرقمية

ونقل التقرير عن موقع «كوين ماركت كاب»، إن سوق البيتكوين نمَت إلى أكثر من 2500 مليار دولار اعتبارًا من منتصف مايو (أيار) 2021 على الصعيد العالمي.

وقد كان هذا الزخم مدفوعًا بحزمة التحفيز الأمريكية والاهتمام المتزايد لصناديق الاستثمار والبنوك والشركات الكبيرة بعملة البيتكوين. وأعلنت شركة المدفوعات الرقمية العملاقة «باي بال» مؤخرًا أنها ستطلق خدمة لشراء العملات المشفرة وبيعها على نظامها الأساسي. وهناك دلائل عديدة تشير إلى أن موجة العملات المشفرة باتت على وشك اجتياح لبنان أيضًا.

Embed from Getty Images

وبدوره يعي تشارلز، مهندس يبلغ من العمر 34 عامًا، بالفعل أن التحولات الكبيرة جزء لا يتجزأ من هذه السوق الشديدة التقلب. فقد اشترى بيتكوين واحدة في يناير (كانون الثاني) مقابل ما يقرب من 30 ألف دولار أمريكي، وبحلول أبريل (نيسان)، بلغ السعر 65 ألف دولار قبل أن ينخفض إلى 30 ألف دولار بعد شهرين فقط.

وقال للموقع: «لقد أجريتُ كثيرًا من الأبحاث قبل الاستثمار. وهذه الأنواع من التقلبات شائعة في هذا السوق، لذلك لستُ قلقًا، ولا أخطط لإعادة البيع لعدة سنوات لأنني أثق في التكنولوجيا».

وعلى الرغم من صعوبة الحصول على إحصاءات في لبنان، لفت الكاتب إلى الزخم المتنامي بعملة البيتكوين في لبنان، فقد أظهرت شركة «بلو والت»، التي تسمح للأشخاص بتخزين العملات المشفرة بأمان على بلوكتشين، زيادة قدرها 1.781% في عدد المحافظ المسجَّلة في لبنان اعتبارًا من يناير 2020، وهي الأعلى في العالم.

ووفقًا لبيانات من «رويترز»، التي أجرت مقابلات مع ستة من تجار البيتكوين في سبتمبر (أيلول) الماضي، أفادت تقارير أنه يجري تبادل عدة ملايين من الدولارات مقابل عملات البيتكوين يوميًّا في لبنان.

اقتصاد

منذ 5 شهور
مترجم: ليست عن البيتكوين فقط.. كيف يمكن أن يستفيد العالم من تكنولوجيا بلوكتشين؟

ويشعر مارسيل يعقوب، المتحمِّس للعملات الرقمية منذ عام 2017، أيضًا بهذا التطور. وقال للموقع: «زادت الأحجام المتداولة في السوق زيادة كبيرة مؤخرًا. وتشير التقديرات إلى أن المعاملات الشهرية على البيتكوين تصل حاليًا إلى 10 ملايين دولار. وهذا ليس بالشيء البسيط لبلد مثل لبنان».

وقال يعقوب: «كان هناك ارتفاع بدأ في عام 2020 عندما تجاوزت عملة البيتكوين أعلى مستوى لها على الإطلاق. ولسوء الحظ، كان هذا الجنون مدفوعًا بالأساس بالرغبة في المضاربة على المدى القصير».

وأضاف يعقوب: «هناك عديد من الناس الذين فقدوا أموالهم في لبنان بسبب الأزمة. ويرى بعض الناس أن العملات المشفرة وسيلة للحد من خسائرهم والتعافي بسرعة، ولكن هذا أمر خطير. هؤلاء الناس يتعرضون بسهولة للمخططات المشبوهة التي تنتشر في كل مكان في عالم التشفير. وسيستغرق الأمر وقتًا حتى نصل إلى تبنٍّ صحي وواسع النطاق».

حل بديل للأزمة

ونوَّه الكاتب إلى أن الجنون الأخير يسير بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تشهدها لبنان.

وفي صيف عام 2019، انهار مخطط بونزي الذي كان يعتمد عليه اقتصاد لبنان منذ التسعينيات. وتهدف ما يُسمى بـ«الهندسة المالية» التي ينفذها مصرف لبنان، إلى الحفاظ على التكافؤ المصطنع بين الليرة اللبنانية والدولار، وجذب مزيد من الودائع المصرفية. وفي المقابل، عرضت البنوك أسعار فائدة ضخمة تصل إلى 15%.

Embed from Getty Images

ومنذ ذلك الحين، انزلقت البلاد في دوامة هبوط. ولم يعد بوسع المواطنين اللبنانيين الوصول إلى أموالهم العالقة في البنوك. ويُتداول الدولار حاليًا في السوق السوداء مقابل نحو 20 ألف ليرة لبنانية. وفي تقرير حديث، كتب البنك الدولي أن الأزمة الاقتصادية والمالية في البلاد تُصنَّف من بين الأزمات الثلاثة الأشد خطورة منذ منتصف القرن التاسع عشر، وأشار إلى أن «مثل هذا الانكماش الحاد والسريع يرتبط عادةً بالصراع أو الحرب».

وفقدت العملة الوطنية أكثر من 90% من قيمتها مقابل الدولار، في حين ارتفع تضخم أسعار المستهلك، سلة الأغذية والمشروبات القياسية، بنسبة 290% على أساس سنوي في أغسطس (آب)، وهو الأعلى في العالم، وفقًا ل«بلومبرج». وتفيد تقارير بأن ثلاثة أرباع سكان لبنان يعيشون الآن تحت خط الفقر، وفقًا لتقرير للأمم المتحدة.

اتجاه متصاعد

ولفت الكاتب إلى أن الاهتمام بعملة البيتكوين واضح؛ فقد ظهرت العملة المشفرة نفسها في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008: وتسمح بإرسال الأموال واستلامها من خلال الوسائل اللامركزية، وتخطي وسيط الأطراف الثلاثة الموثوق بها تقليديًّا مثل البنوك أو الحكومات.

وعلى عكس العملات الورقية، التي تؤدي طباعتها من خلال البنوك المركزية إلى التضخم، تقتصر عملة البيتكوين على 21 مليون وحدة. وكل مستخدم لديه «محفظة رقمية» آمنة، مفتاح مشفر يعرفه المستخدم فقط. ويزدهر هذا الاتجاه في البلدان التي تعاني من أزمات اقتصادية كبرى، مثل الأرجنتين وفنزويلا. واستُخدِمت عملة البيتكوين في عديد من الدول الأفريقية بوصفها عامل استقرار للقيمة في مواجهة التضخم ووسيلة لتجاوز القيود المصرفية.

ونقل الموقع عن باتريك مارديني، أستاذ المالية في جامعة البلمند اللبنانية ومدير المعهد اللبناني لدراسات السوق، قوله: «على الرغم من التقلب الشديد، فإن العملات المشفرة استثمار أكثر أمانًا من الليرة اللبنانية»، مشيرًا إلى فقدان العملة اللبنانية لقيمتها واستمرار هذا التدهور بسبب غياب سياسة نقدية سليمة.

تجنب البنوك

وأشار الكاتب إلى أن لبنان لم يتأثر كثيرًا بالأزمة المالية لعام 2008 على عكس الولايات المتحدة وأوروبا، ومن ثم لم يُظهر اهتمامًا كبيرًا بالاتجاه الناشئ للعملات المشفرة. لكن كل هذا تغير الآن.

قالت لارا عبد الملك، رئيسة تحرير مجلة «أنلوك»، المتخصصة في تغطية بلوكتشين في الشرق الأوسط، إن: «بقية العالم بدأ يهتم بالبيتكوين بدايةً من عام 2010 بسبب هذا التشكك في النظام النقدي. وفي الوضع الراهن، بدأ اللبنانيون بدورهم في البحث عن بدائل».

وتمثل تحويلات المغتربين اللبنانيين إلى بلدهم الأصلي حصة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، مع تحويل ما مجموعه 6.3 مليارات دولار في عام 2020. ويُرجح الكاتب أن يستمر المغتربون في البحث عن بدائل للمصارف لتحويل أموالهم إلى لبنان، وذلك في ضوء الوضع الحالي؛ وذلك لأن قسمًا كبيرًا من السكان ليس لديه حساب مصرفي.

Embed from Getty Images

وأضافت لارا: «الشيء الوحيد الذي يجعل النظام الاقتصادي متماسكًا هو الثقة التي نضعها في المصارف. ولكن تلك الثقة مفقودة في لبنان»، مستبعدة أي تحسن في هذا الوضع. وتابعت: «خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، فقدت الليرة اللبنانية كثيرًا من قيمتها، ومنذ ذلك الحين، تحوَّل المدخرون إلى الدولار، آملين في عدم ارتكاب الخطأ نفسه مرة أخرى. واليوم، سُلِبت دولاراتهم ومدخرات حياتهم. وتُقدم عملة البيتكوين ما لا يستطيع البنك المركزي تقديمه، ألا وهو الأمن والملكية».

العالم والاقتصاد

منذ 3 أسابيع
مترجم: 4 عملات تهدد عرش الدولار حتى الآن

ومع ذلك، فإن الإطار القانوني اللبناني تقييدي للغاية. ومنذ عام 2013، حظر البنك المركزي شراء العملات المشفرة باستخدام بطاقات الدفع المحلية على منصات التداول. ولذلك، تُنظَّم معاملات العملات المشفرة من نظير إلى نظير من خلال مجموعات على تطبيق «واتساب» أو «تيليجرام»؛ مما يؤدي إلى خطر عمليات الاحتيال المحتملة وارتفاع معدلات العمولة.

وقال مارديني: «إن الافتقار إلى الوعي العام بشأن استخدام البيتكوين يعززه إطار تنظيمي غير مؤات أكثر من إطار الولايات المتحدة أو أوروبا. وهذا عائق واضح لتبني تلك العملة على نطاق واسع».

وأضاف: «في الوقت نفسه، فإن البنك المركزي، الذي يَعُد عملة البيتكوين ضارة للغاية، هو نفسه يتعرض لانتقادات بسبب إدارته الكارثية للأزمة. وهو ما يُثير تساؤلات بشأن مصداقيته». وتعتقد لارا أنه في حين أن مصرف لبنان يمكنه حظر البيتكوين، فإنه لن يكون قادرًا على منع الناس من استخدام العملة المشفرة. وقالت: «اللبنانيون يريدون تجنب البنوك لأنهم لا يملكون السيطرة على ما يحدث فيها»، حسب ما يختم الكاتب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد