أقيمت بالأمس الاثنين، أول انتخابات نيابية في لبنان منذ تسع سنوات، بعد أن جرى تأجيلها مرتين بسبب المخاوف الأمنية من الحرب الأهلية في سوريا. وقد حظي الحدث باهتمام كبير من وسائل الإعلام العالمية. وفي تقرير له على موقع مجلة «ذي أتلانتك»، يتناول ديفيد كينر بالتحليل الأسباب التي ساهمت في فوز حزب الله بعدد مقاعده في البرلمان، والذي يفوق مقاعد السنة.

إن الطريق السريع الواصل إلى بعلبك –قرب الحدود مع سوريا– يعج بأعلام حزب الله وصور حسن نصر الله، زعيم الحزب، الذي ظهر مبتسمًا في بعضها، بينما بدت عليه تعبيرات جادة في البعض الآخر. وقد حملت أعلام الحزب رسالةً مقتضبةً: «نحن نحمي ونبني».

لكن غالب ياغي، عمدة بعلبك السابق المرشح في الانتخابات البرلمانية، اعترض على فحوى الرسالة. إذ قال من مقر حملته إن حزب الله مُني بـ«فشل سياسي»، وهو غارق حتى أذنيه في حروب مختلفة في الشرق الأوسط، وعاجز عن تطوير استراتيجية لتحسين حياة اللبنانيين. قام مقاتلوه بتدريب المتمردين الشيعة على القتال ضد الجنود الأمريكيين في العراق، وهم الآن من الداعمين الرئيسيين لنظام الأسد. وتدرجه أمريكا ضمن قائمة الجماعات الإرهابية. وتعاني بعلبك من انعدام الأمن –شهدت المنطقة اشتباكات مسلحة لها صلة بالانتخابات- مما أعاق السياحة والاستثمار. كما أنها واحدة من أكثر المناطق فقرًا في لبنان، حيث يعيش حوالي 40% من السكان تحت خط الفقر، وأكثر من نصفهم عاطلون عن العمل.

يقوم النظام السياسي في لبنان على المحاصصة الطائفية –يشير كينر– مع تخصيص عدد محدد لكل طائفة من 128 مقعدًا هي عدد مقاعد البرلمان. وتعكس سياسة البلاد الصراعات الأكبر في الشرق الأوسط؛ على الصعيد الداخلي، بين حزب الله المدعوم من إيران، والسنة المدعومين من السعودية. وعلى الصعيد الدولي، تعميق المواجهة بين إيران وإسرائيل، التي قال حزب الله إنه يسعى للقضاء عليها. وعلقت إسرائيل على النتائج بالقول إن لبنان يساوي حزب الله، وأن إسرائيل لن تميز بينهما، رغم حصة حزب الله الضئيلة في العدد الإجمالي للمقاعد.

بإمكان المرشح في أي انتخابات اجتذاب الأصوات باللعب على وتر فشل الحزب الحاكم في تحسين الوضع الاقتصادي الصعب، كما يضيف كينر. لكن الوضع في بعلبك مختلف؛ فقد مُني ياغي بالهزيمة، وهو ما حدث مع كل مرشح شيعي آخر هناك ضد حزب الله. وفي الوقت الذي أمنت فيه قائمته مقعدًا سنيًّا ومسيحيًّا في المنطقة، فقد حصل حزب الله وحلفاؤه على 26 مقعدًا من أصل 27 مقعدًا مخصصًا للشيعة في جميع أنحاء لبنان. يقول ياغي: «هناك قول مأثور؛ إذا جوعت كلبك، سيطيعك». ويضيف: «لقد ارتفعت نسبة البطالة بشدة في بعلبك، ومعظم الشباب عاطل. لذا فإن البديل لإيجاد عمل هو الانضمام إلى حزب الله مقابل 400 دولار في الشهر، والخروج والقتال في مكان ما، ثم العودة في صندوق، شهيدًا».

تظهر نتائج الانتخابات بجلاء أن الناخبين عاقبوا أكبر حزب داخل الكتلة السنية بسبب سنوات من سوء الإدارة. لكن الحال داخل المناطق الشيعية كان على النقيض تمامًا؛ إذ لم يفز حزب الله فقط بالانتخابات في الجنوب اللبناني؛ بل اكتسحها. وحتى لو تحالفت جميع القوائم التي تعمل ضد الحزب في المنطقة، لما استطاعت الحصول حتى على مقعد واحد.

يسيطر حزب الله وحلفاؤه الآن على الأغلبية في البرلمان اللبناني، وهو نصر سيستخدمونه دليلًا على الدعم الشعبي لتدخل الحزب في سوريا، وموقفه من إسرائيل والتحالف الإقليمي الأوسع مع إيران.

يتمتع حزب الله بشعبية حقيقية داخل المجتمع الشيعي -ينوه كينر-، وتتسم رسالته بأنه حمى البلاد من التهديدات، سواء من إسرائيل، أو من الجهاديين السوريين على السواء، بالمصداقية لدى العديد من الناخبين، الذين يرون حسن نصر الله رجلًا نزيهًا، على عكس بقية المؤسسة السياسية الفاسدة. فضلًا عن أن موارد حزب الله، التي تشمل ذراع بناء ومؤسسة لدعم العائلات التي قُتل أبناؤها وهم يقاتلون تحت رايته، تبلغ أضعاف موارد الأحزاب الأخرى. كما أن ضعف الدولة اللبنانية يسمح للحزب بتصوير نفسه على أنه القوة الوحيدة القادرة على حماية مؤيديه من الأعداء الداخليين والخارجيين. قال ياغي: «إنهم يستخدمون البطاقة الطائفية ليجمعوا كل الشيعة تحت رايتهم. وهم يصرفون أموالًا للمعوزين، ولديهم مخزون من الأسلحة والمال لا يملكه أحد غيرهم».

يقول كينر: إن ياغي شغل منصب عمدة بعلبك لفترة واحدة، إذ عمل على تطوير الاقتصاد، وتشجيع السياحة على الآثار الرومانية الرائعة في المدينة. كانت سوريا تحتل لبنان في ذلك الوقت، وعندما قرر ياغي الترشح للانتخابات في عام 2004، أمره ضابط المخابرات السورية المسؤول عن المنطقة بعدم الترشح؛ لأن النظام السوري أراد أن يعطي البلدية لحزب الله حتى يثبت للأمريكيين أن الحزب ليس منظمة إرهابية؛ بل هو حزب سياسي يتمتع بدعم شعبي. لكنه تحدى الأمر وخاض الانتخابات، وخسر في ما أسماها انتخابات مزورة.

يتحاشى ياغي وكافة المرشحين الشيعة الذين يواجهون حزب الله في الانتخابات البرلمانية انتقاد دور الحزب بوصفه قوة عسكرية، كما يؤكد كينر. انخرط الحزب في حربي العراق وسوريا، ودرب المجموعات المدعومة من إيران في كلتا الدولتين، وتتحدث تقارير عن تقديمه الدعم للحوثيين في اليمن أيضًا. ويشدد ياغي على أن تدخل الحزب في السياسة في عام 1992 كان خطيئة، إذ كان عليه أن يترك الحكم بيد الآخرين. وقال: «نحن لسنا ضد حزب الله بوصفه مقاومة، طالما أنه يقاوم بالطريقة الصحيحة. ولكن خلافنا معه حول بناء المدينة، فهم يريدون الانتظار إلى أن يحرروا كامل الأرض، ثم ينتقلون إلى البناء».

بالفعل، تحتاج المنطقة إلى التنمية الاقتصادية، لا سيما بعدما تدفق اللاجئون السوريون إليها، وباتوا يشكلون الآن ثلث سكانها، بحسب رامي لاكيس، مؤسس المنظمة اللبنانية للدراسات والتدريب. وقال إن السوريين ينازعون اللبنانيين ذوي الدخل المحدود على الوظائف، ويضعون ضغوطًا على المؤسسات الضعيفة في المنطقة، خاصةً إمدادات المياه، التي هي عنصر حاسم في قطاع الزراعة. وقال لاكيس إن منظمته تتلقى آلاف الطلبات للعمل. صرح لاكيس لكينر بالقول: «نحن ندير مطبخًا لتوفير الطعام للأسر الفقيرة، وكنا نستهدف مساعدة اللاجئين السوريين بالأساس، لكننا وجدنا الآن أن اللبنانيين يحتاجون أيضًا إلى الحصول على الطعام لإطعام أسرهم».

اعترف حزب الله بالمظالم الاقتصادية للبنانيين –يقول كينر–؛ فبدلًا من التركيز على نضاله ضد إسرائيل أو في سوريا، قال نصر الله في خطابه الأخير قبل الانتخابات: «سيعالج حزب الله وحلفاؤه أوجه القصور الخطيرة، وسيعملون على التعويض عن الأخطاء التي ارتكبت في الماضي». وتعهد مسئولو الحزب بالتركيز على التنمية، ومحاربة الفساد.

لكن مؤيدي حزب الله لا يهتمون كثيرًا بهذه الأخطاء بسبب دوره المقاوم. لقد نجح الحزب في إقناع الغالبية العظمى من الناخبين الشيعة في بعلبك بأن التصويت لصالح مرشحيه يشبه التعبير عن دعمهم لدور الحزب في حمايتهم مما يعتبرونه تهديدات من جانب إسرائيل وسوريا. في الوقت نفسه، انتقد نصر الله أولئك الذين يعارضون الحزب، زاعمًا أن هناك شخصيات «تآمرت مع الجماعات المسلحة لاحتلال لبنان»، مكررًا زعمه السابق بأن السياسيين المعارضين هم حلفاء لتنظيم الدولة الإسلامية وجهاديون سنة آخرون.

وقد صعّب هذا من مهمة المرشحين الشيعة المنافسين لحزب الله –يستدرك كينر– الذين أرادوا ألا يركز حزب الله على قوته العسكرية في حملته، وإنما على القضايا المحلية فقط. لكن نصر الله أعلن أنهم إما مع حزب الله، وإما ضده. ولطالما عبرت شخصيات شيعية معارضة عن اعتقادها بأن نصر الله لم يكن يريد فقط أن يهزمهم في الانتخابات؛ بل أراد أن يسكتهم بالكامل.

قال يحيى شمس –عضو سابق في البرلمان ترشح ضد حزب الله في بعلبك– لكينر: «يريد السيد حسن نصر الله أن يثبت أنه هو وحلفاؤه أصحاب القرار الشيعي في لبنان»، وأضاف: «لكن هناك شركاء آخرين في بعلبك. ولا يمكنهم احتكار القرار وإقصاء الغير».

قد لا تؤثر نتائج الانتخابات كثيرًا في الطريقة التي يحكم بها لبنان فعليًّا، كما يشير كينر. فحتى الأحزاب التي هُزمت يمكنها أن تحتفظ بمواقفها، وتخوض مفاوضات مطولة لتشكيل ائتلاف حاكم. وقد أدت التدابير التي اتخذتها النخب السياسية بغية ترسيخ حكمها إلى قول أحد السياسيين إن لبنان ليس دولة ديمقراطية؛ بل «أوليجاركية بلوتوقراطية».

بالنسبة إلى السياسيين الشيعة الذين حاولوا معارضة حزب الله، فإن من الصعب تبرير النتيجة على أنها انعكاس للإرادة الشعبية.

ينقل كينر عن ياغي في الختام: «من المفترض أن يكون لبنان دولة ديمقراطية يتمتع فيها كل شخص بحرية التصويت. لكن في الحقيقة، الأمر ليس كذلك. لا يمكنك التصويت لمن تريد التصويت لصالحه. فهناك ضغوط تمارس، ويعتمد الناس على مختلف الأطراف لكسب قوت عيشهم. إذن لدينا دويلة داخل الدولة، لكن في الحقيقة الدويلة أقوى بكثير من الدولة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد