بينما يتأرجح لبنان على شفا الإفلاس، ينتقد الصحفيان والباحثان الاقتصاديان ديفيد وود، وجاكوب بوسوال، عبر تقريرهما المنشور في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، الإصرار على العمل بنظام الكفالة الذي يثير انتقادات شديدة.

يستهل المقال بقصة مواطن لبناني اسمه مروان حمادة (طلب استخدام اسم مستعار)، يبلغ من العمر 27 عامًا، ويعيش حياةً تكتنف السرية بعض جوانبها. على مدى خمسة أيام في الأسبوع، ينظف حمادة مكاتب في مختلف أنحاء بيروت. ويقول عن ذلك: «لا أحد من عائلتي يعرف بشأن ما أفعله. لن يستسيغوا الفكرة».

مدفوعًا باليأس، عمل حمادة في مجال التنظيف. كان قبلها يعمل في إصلاح الهواتف المحمولة، لكنه فقد وظيفته في خضم الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وخفَّضَت منذ ذلك الحين قيمة الليرة اللبنانية بنسبة 90%. في أغسطس (آب) الماضي، كان حمادة مثقلًا بالديون، ويعول والديه ماديًّا، وكان بحاجة إلى إيجاد عمل آخر. يؤكد الباحثان أن هذا المأزق الذي يعيشه حمادة يواجه كثيرين غيره من اللبنانيين.

«وصمة عار ثقافية عميقة الجذور»

من بين 40 موظفًا معظمهم قادم من بنجلاديش يعملون في شركة التنظيف التي يعمل بها حمادة – اسمها «فيلفيت للخدمات» – يعد هذا الأخير هو اللبناني الوحيد. يقول حمادة عن ذلك: «بصراحة، أعرف أشخاصًا (لبنانيين) في حاجة ماسة إلى عمل، لكن لا أحد منهم يعمل عامل نظافة. أعلم أنهم لن يقبلوا بهذا النوع من العمل».

Embed from Getty Images

يلفت المقال إلى محاولات نيفين زرزور، رئيسة حمادة في العمل، توظيف المزيد من اللبنانيين، حتى تستطيع أن تدفع لهم بالليرة بدلًا من الدولار الأمريكي، الذي يزداد ندرة ويرتفع سعره باستمرار. لكنها عجزت عن جذب العمال اللبنانيين، وهو ما تعزوه إلى وصمة العار الثقافية عميقة الجذور التي تلحق بمن يعمل في هذا النوع من الوظائف. تقول نيفين عن ذلك: «السبب الرئيسي ليس الراتب، بل اعتيادنا (نحن اللبنانيون) دائمًا على أن يكون لدينا عمال نظافة ومساعدون أجانب».

هل يستعيد نظام الكفالة عافيته مستقبلًا؟

طيلة عقود، اعتمد لبنان على العمال المهاجرين – القادمين من بلدان مثل بنجلاديش وإثيوبيا والفلبين – لتنظيف المنازل، وتشغيل مضخات الغاز (في محطات الوقود)، ونقل مستلزمات السوبر ماركت. 

وأكبر قطاع يوظف العمالة الوافدة هو: مجال الخدمة المنزلية التي يقيم موظفوها داخل بيت رب العمل، والذي استحوذ على 80% من تصاريح العمالة الوافدة الصادرة العام الماضي، وفقًا للإحصائيات التي حصل عليها الباحثان من وزارة العمل. 

هذا الطلب على العمال الأجانب عزز نظام الكفالة سيئ السمعة في لبنان، والذي يستنكره الناشطون؛ لأنه يجعل العمال يعملون بالسخرة، ويعرضهم لنوع معاصر من العبودية. ذلك أن نظام الكفالة، الذي نشأ في الخليج، يربط إقامة العامل المهاجر في لبنان بصاحب العمل، المسمى: الكفيل. ونادرًا ما يتمتع العمال الذين يخضعون لنظام الكفالة بالضمانات الأساسية التي توفر لهم أيام راحة، أو تحدد ساعات عملهم، أو تمنحهم حرية تبديل الوظائف.

عربي

منذ 3 شهور
بالأرقام.. كيف أصبحت الليرة ملطخة بالدماء في سوريا ولبنان؟

بيدَ أن الأزمة الاقتصادية في لبنان هزت نظام الكفالة ولا شك. إذ تشير سجلات وزارة العمل إلى أن عدد الوافدين الجدد انخفض بنسبة 75% ما بين عامي 2019 و2020. ولَمَّا بات أصحاب العمل غير قادرين على دفع رواتب الموظفين؛ أصبح العمال الأجانب الآن أقل ميلًا للمقامرة بالعمل في لبنان. ومع انخفاض الطلب؛ تقلص عدد وكالات التوظيف المحلية من حوالي 600 إلى 250 شركة، وفقًا لما نقله الباحثان عن مصادر من الصناعة.

ومع ذلك، تشير كل الدلائل إلى أن نظام الكفالة سيستعيد عافيته. صحيحٌ أنه تلقى ضربة نتيجة الانهيار المالي في لبنان، لكن أركانه لم تتقوض تمامًا. وعلى غرار حمادة، قد يلجأ بعض اللبنانيين إلى العمل بنظام النوبات في وظائف لم يكونوا يقبلون بالعمل فيها سابقًا، مثل التنظيف، لتغطية نفقاتهم. لكن بالنسبة للشريحة الأكبر من اللبنانيين، لا يزال الأجانب فقط هم الذين يعربون عن استعدادهم للعمل في عديد من هذه الوظائف.

نظام فعال.. لكنه يفتقر إلى العدالة

على مدى 29 عامًا، توسط متعهِّد العمال المخضرم، هشام البرجي، في توظيف آلاف العمال المهاجرين في وظائف منزلية بالإقامة. وعندما سُئل في مارس (آذار) عما إذا كان أي مواطن لبناني قد تقدم إلى وكالته للعمل في هذا المجال، أجاب دون تردد: «أبدًا».

يقول هشام: «إذا تقدمت فتاة لبنانية بطلب (للعمل في وظيفة الخدمة المنزلية)، فإن معظم الأسر اللبنانية سترفض قبولها على أي حال؛ بسبب الثقافة المنتشرة في المجتمع». من واقع تجربة هشام، يتبين أن العائلات اللبنانية عمومًا تفضل توظيف عاملات المنازل اللاتي لا يتحدثن اللغة العربية، وليست لديهن التزامات عائلية في لبنان قد تتضارب مع متطلبات وظيفتهن المنزلية. 

Embed from Getty Images

تعتقد نيفين أن هذه العوامل مجتمعة تضمن خصوصية أكبر لأصحاب العمل، وتقلل المشتتات التي قد تعوق الخادمات عن أداء وظيفتهن. لم تكن هذه هي الحال دائمًا؛ فقبل الحرب، كانت الأسر الثرية توظف خادمات لبنانيات في كثير من الأحيان، أو تستقدم خادمات من مناطق عربية قريبة، مثل: مصر والأراضي الفلسطينية وسوريا.

بعد الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990)، تحسن اقتصاد لبنان بسرعة، وأصبح بمقدور كثير من أرباب العمل اللبنانيين الاستعانة بالعمال المهاجرين القادمين من مناطق أخرى، وهي رفاهية كانت حتى ذلك الحين محجوزة إلى حد كبير لمواطني دول الخليج الأكثر ثراءً. 

زاد الطلب على الخادمات الفلبينيات والسريلانكيات، خاصة في مجال العمل المنزلي، وغالبًا ما تقدم هؤلاء الخادمات خدمات أفضل لرعاية الأطفال والمسنين، بدلًا من الخدمات البالية التي تقدمها الحكومة اللبنانية.

يذكر المقال أن نظام الكفالة أدير بفعالية، وإن كان يفتقر إلى العدالة، خلال فترة الازدهار الاقتصادي التي شهدها لبنان بعد الحرب. كان بمقدور العمال المهاجرين كسب المال وإرسال التحويلات بالدولار الأمريكي إلى بلدانهم الأصلية. واستفاد أرباب عملهم اللبنانيون من دفع رواتب أقل للعمال الذين يعتقدون أنهم سيعملون بجهد أكبر ولفترة أطول من المواطنين اللبنانيين.

قطار الكفالة يصطدم بمشكلات لبنان الاقتصادية

خارج دائرة أرباب العمل الأفراد، ظهرت سلسلة نشاطات مربحة لجلب العمال المهاجرين إلى لبنان. بالنسبة لعاملات المنازل، كانت وكالات التوظيف المحلية توفر تصريح سفر للخادمة من بلدها الأصلي مقابل رسوم توظيف كبيرة، بلغت حوالي 57.5 مليون دولار في عام 2019. كما يستقطع الأمن العام ووزارة العمل ملايين الدولارات من الرسوم الإدارية المطلوبة لاستخراج تصاريح العمل والإقامة.

ثم اصطدم قطار الكفالة بمشكلات لبنان الاقتصادية، التي تكشَّف عمقها في شهر أكتوبر 2019؛ إذ لم تعد المصارف المحلية، وهي على مشارف الإفلاس، قادرة على الوفاء بالتزامات ديونها، وبدأت قيمة الليرة اللبنانية في الانخفاض. اضطر أرباب العمل إلى تسريح العمال المهاجرين بوتيرة محمومة، حتى إن بعضهم طرد الخادمات بقسوة وتركهن بلا مأوى على أعتاب سفاراتهن.

في ظل هذه الصعوبات، فقد لبنان بريقه الذي كان يجذب عديدًا من العمال المهاجرين، لا سيما بعد ظهور جائحة كوفيد–19، والانفجار الكارثي الذي ضرب ​​ميناء بيروت. يضرب الباحثان على ذلك مثلًا: سوبوج خان إيمون، الذي عمل لمدة ست سنوات في سوبر ماركت في بيروت، لكنه عاد إلى موطنه بنجلاديش العام الماضي. يقول سوبوج: «حتى قبل الانفجار، لم نكن نستطيع العثور على دولارات. لم نبق إلا على أمل أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه من قبل، لكن الأمور لم تتحسن». 

أغلقت وكالات التوظيف أبوابها بالجملة؛ إذ لم يكن معظم أصحاب العمل على استعداد لدفع رسوم التوظيف. عن هذه التحديات، يقول هشام برجي، الذي يشغل أيضًا منصب رئيس نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام في لبنان (سورال): «لم أشهد أزمة كهذه من قبل. هذه الصناعة تلفظ أنفاسها الأخيرة».

Embed from Getty Images

حتى في مثل هذه الأوقات الاقتصادية الصعبة، تثبت صناعة الكفالة في لبنان أنها مقاومة عنيدة للإصلاح. في العام الماضي، بدا أن الناشطين المحليين والدوليين اكتسبوا زخمًا كبيرًا لصالح حملتهم الممتدة الرامية إلى تفكيك هذا النظام. اقترحت وزيرة العمل آنذاك، لميا يمين، تطبيق نظام العقد الموحد لعاملات المنازل الوافدات، لضمان حقوق العمل الأساسية، مثل يوم العطلة.

في أكتوبر 2020، نجحت النقابة التي يرأسها هشام برجي (سورال) في الطعن ضد مقترح العقد الموحد القياسي أمام أعلى محكمة إدارية في لبنان. يوضح المقال أن هشام لا يحبذ زيادة التدخل النظامي في هذا المجال، ويفضل بدلًا من ذلك تركه لأرباب العمل الأفراد يضمنون حقوق العمل بمعرفتهم.

يقول هشام عن ذلك: «أنا أؤيد منح العمال يوم إجازة، لكننا لسنا بحاجة إلى عقد موحد لتطبيق ذلك». يعارض هشام تطبيق قوانين العمل العامة على قطاع العمل المنزلي، بالنظر إلى أن سكن الخادمات يكون داخل منازل أرباب العمل، وإلا فإنهن لن يستطعن إعالة أنفسهن ماليًّا.

وحين تنظر روثنا بيجوم، باحثة أولى في مجال حقوق المرأة في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، إلى معارضة وكالات التوظيف لزيادة الجانب التنظيمي، تقول: «إنهم يريدون التحكم في الأدوات التي تمكنهم من استغلال العمال».

في خضم الأزمة الاقتصادية، تكافح الوكالات المتبقية لإبقاء أبوابها مفتوحة. ويقال إن البعض تفرَّع إلى خدمات جديدة، مثل إعادة توظيف عمال الكفالة السابقين لدى أرباب عمل جدد. على سبيل المثال، قد ترتب وكالة التوظيف انتقال عاملة منزلية مقيمة إلى العمل لدى شركة تنظيف لبنانية عاملة مستقلة.

في حالات أخرى، تمسكت بعض الوكالات بخط عملها التقليدي، الذي هو: استقدام العمال من الخارج. ذلك أن الوعد بدفع الرواتب بالدولار الأمريكي، بغض النظر عن مدى هشاشته، لا يزال يجذب آلاف الخادمات الجدد إلى لبنان، ولو كان بلدًا تتهاوى أركانه سريعًا.

تقول أنامي جانانجونون، وهي منسقة تدافع عن حقوق المهاجرين، عن ذلك: «لا تزال النساء يأتين (إلى لبنان) لأنهن يجهلن حقيقة الوضع. في دول مثل سريلانكا والكاميرون، لا أحد في وسائل الإعلام يتحدث عن مشكلات لبنان». وفقًا لأنامي، يرى بعض القادمين الجدد أن هروب العمال المهاجرين من لبنان يمثل فرصة أمامهم لملء الوظائف التي تركها الآخرون وراءهم. وتضيف: «قد تتواصل وكالات التوظيف مع العمال لإقناعهم بانتهاز هذه الفرصة».

اقتصاد الناس

منذ أسبوعين
مترجم: الأسعار تتغير 3 مرات يوميًّا! إلى أين وصل الانهيار الاقتصادي في لبنان؟

لا يُحَمِّل الباحثان وكالات التوظيف كل اللوم على استمرار نظام الكفالة في لبنان طيلة هذه الفترة. ويوضحان أن الحكومة لا ترغب في إدخال إصلاحات حقيقية على هذا النظام، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنه يساعدها في سد ثغرات الخدمات الاجتماعية التي تعاني من نقص في البلاد. إذ يتولى عشرات الآلاف من العمال وفق نظام الكفالة، رعاية الأطفال وكبار السن اللبنانيين، فيما ينظف آلاف العمال الآخرون شوارع البلاد شديدة الازدحام.

على الرغم من الكثرة الهائلة في أعداد العمال المهاجرين الذين يوجدون في لبنان، فإنهم لا يتمتعون بقوة كبيرة تعكس كثرتهم العددية. وأخفقت الحكومة في ضمان تأمين أماكن العمل لعاملات المنازل المقيمات، فيما أجهضت جهودهن في الانضواء تحت لواء نقابة تدافع عن حقوقهن. ففي عام 2015، رفضت وزارة العمل محاولة إنشاء نقابة لعمال المنازل، ووصفتها بأنها غير قانونية. لكن في المقابل، ليس لدى الحكومة اعتراض على نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام (سورال)، التي يرأسها هشام برجي.

في ختام المقال، يرجح الباحثان أن يواصل لبنان العمل بنظام الكفالة في الوظائف الأساسية، التي كان بإمكان السكان المحليين المحتاجين القيام بها بالتأكيد، وقد كانوا يفعلون ذلك حتى نصف قرنٍ مضى. وينقلان عن عامل النظافة اللبناني المثقل بالديون حمادة قوله: «العمل ليس شاقًا. الشيء الصعب الوحيد هو وصمة العار الاجتماعية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد