إذا أفسحت الولايات المتحدة المجال أمام فرنسا لكي تتولي زمام المبادرة في لبنان، فسوف يُبتلى الشعب اللبناني بمزيد من الشلل السياسي والإصلاحات التجميلية وسيطرة حزب الله على مؤسسات الدولة.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا للصحفية والباحثة اللبنانية حنين غدار تحدثت فيه عما يحتاج إليه لبنان في أعقاب الكارثة المروعة التي مُني بها، موضحةً أن اللبنانيين خرجوا في احتجاجات غاضبة ضد النخب الحاكمة المتهمة بالفساد وضد حكومة حسان دياب التي اضطرت مؤخرًا إلى تقديم استقالتها.

في البداية، ذكرت الكاتبة أن الانفجار الضخم الذي وقع في العاصمة اللبنانية بيروت الثلاثاء الماضي، يذكرنا بما حدث قبل 15 عامًا، حين اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. وسرعان ما تحول الحزن إلى غضب عارم؛ إذ انتفض اللبنانيون الغاضبون للمطالبة بتغيير سياسي جذري، واليوم يخرجون إلى الشوارع مرة أخرى. 

لكن هناك فرق أساسي؛ كان البيت الأبيض في عام 2005 مستعدًا وقادرًا على لعب دور ذكي وفعَّال لمساعدة النشطاء المحليين في ترجمة المشاعر المتأججة إلى انتخابات وتشكيل حكومة جديدة. لكن واشنطن اليوم مكتفية بلعب دور ثانوي وإفساح المجال أمام رئيس فرنسي نشيط ولكنه متناقض، في ترتيبٍ لن يفضي إلى ما يرنو إليه معظم اللبنانيين.

حل جذري

وأوضحت أن الفرنسيين يضغطون من أجل تحقيق مصالحة بين جميع الأطراف اللبنانية، مع تشكيل حكومة وحدة وطنية من شأنها الحفاظ على الوضع الراهن وتقديم كبش فداء -مثل حكومة حسان دياب، التي استقالت – لتهدئة الشارع اللبناني. 

Embed from Getty Images

ولكن اللبنانيين في حاجة إلى حل جذري. ولن تؤدي استقالة الحكومة إلى تغيير النظام طالما أن النخب السياسية ستظل محتفظة بسلطتها وسيطرتها على المؤسسات الأخرى. وكان لبنان يعيش بالفعل في خضم أزمة اقتصادية وسياسية غير مسبوقة عندما وقع الانفجار.

وأدَّى ذلك إلى حدوث تضخم مفرط في بلد تجاوز حربًا أهلية امتدت إلى 15 سنة (من 1975 إلى 1990) دون التعرض لمثل هذا الدمار الاقتصادي. ومع ذلك، ترفض الطبقة السياسية الجشعة إجراء إصلاحات متواضعة يطالب بها صندوق النقد الدولي الذي يريد بالفعل تقديم الأموال للبلاد.

ويبدو أن فرنسا تتولى زمام المبادرة في الوقت الحالي، حسبما اتضح من الزيارة الرمزية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت الأسبوع الماضي، وأعقبها إجراء سريع لبدء اجتماع المانحين الدوليين يوم الأحد. وقد تعهدت الدول المانحة بتقديم أكثر من 250 مليون يورو (حوالي 300 مليون دولار) لمساعدة لبنان. 

تتابع الكاتبة: يجدر بنا أن نضع أمرين في الاعتبار. أولًا، لم يكن انفجار مرفأ بيروت كارثة طبيعية، وينبغي عدم التعامل معه على هذا الأساس. ولذلك، بقدر ما تُعَد المساعدات الإنسانية مهمة وضرورية لمساعدة اللبنانيين، فإن المساءلة أكثر أهمية وضرورة، وهذا بالضبط ما يطالب به المحتجون في شوارع لبنان. ثانيًا، لم يعد اللبنانيون يثقون في حكومتهم، ولذلك يجب ألا تمر المساعدات بأي حال من الأحوال عبر المؤسسات الحكومية أو المنظمات السياسية والجمعيات الخيرية.

توازن صعب

لفتت الكاتبة إلى أن النظام السياسي اللبناني شديد الفساد سيمنع وصول المساعدات إلى مَن يحتاجونها. وقدَّم عدد من المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية -مثل الصليب الأحمر اللبناني- الإغاثة والمساعدات منذ اليوم الأول للانفجار. وإذا مرت المساعدات من خلال مثل هذه المنظمات، فإن احتمال وصولها إلى المستفيدين سيكون أكبر بكثير. وإذا كانت الحكومة اللبنانية تطالب بالحصول على مساعدات دولية، فإن عليها قبول تحقيق دولي فيما حدث. 

عربي

منذ شهر
فيسك: كيف تنقذ بلدًا يستشري فيه الفساد مثل لبنان؟ الإجابة شبه مستحيلة

ويمكن للولايات المتحدة أن تأخذ زمام المبادرة بشأن هاتين المسألتين السياسيتين والتنسيق مع فرنسا بشأن المبادرة الإنسانية. وتسعى فرنسا إلى تحقيق توازن صعب: حشد المجتمع الدولي لدعم لبنان مع الضغط على القادة السياسيين اللبنانيين لتنفيذ الإصلاحات للسماح بإرسال مزيد من المساعدات.

واستدركت الكاتبة قائلة: لكن ماكرون أوضح في بيانه الصحفي في ختام زيارته إلى بيروت أنه لن يقدَّم حلًا سياسيًّا للبنان وأن الأمر متروك للبنانيين، مما أتاح الفرصة لكل من النخبة السياسية للتوصل إلى تسوية وللحركة الاحتجاجية لإعادة تنظيم صفوفها والاستعداد للانتخابات المقبلة. 

لكن النخبة اللبنانية لن تتزحزح عن موقفها دون ضغوط، ولن تتردد السلطات في استخدام العنف لقمع الاحتجاجات. ويرى عديد من اللبنانيين أن هذا وضع شائك لا يمكن التغلب عليه إلا من خلال تدخل أمريكي قوي وتقديم رسالة واضحة جدًّا إلى السلطات اللبنانية – كما حدث في 2005 عندما أجبرت الولايات المتحدة الحكومة على الاستقالة ونظَّمت انتخابات مبكرة – وللأسف – بحسب الكاتبة – ليس هناك ما يشير إلى مبادرة دولية في هذا الصدد.

والتحقيق الدولي وحده هو الذي سيحقق المساءلة والعدالة الحقيقية، بحسب الكاتبة. لكن الرئيس اللبناني ميشال عون رفض هذا الاقتراح كالعادة. ذلك أن الأمر لن يقتصر على محاسبة كثيرين في المؤسسة السياسية، بل الكشف أيضًا عن مدى سيطرة حزب الله على المرفأ، حتى وإن لم يكن للحزب علاقة بـ 2750 طنًا متريًّا من نترات الأمونيوم التي كانت مخزنة هناك. 

وعلى الرغم من أنه من المبكر معرفة ما إذا كانت نترات الأمونيوم تخص حزب الله، إلا أن هناك عوامل عديدة تشير إلى مسؤولية الحزب – بحسب المقال – إذ يسيطر الحزب على جزء كبير من المرفأ، لا سيما المنطقة التي وقع فيها الانفجار وحيث يخزن حزب الله صواريخه مؤقتًا منذ عام 2008 تقريبًا.

استغلال الموانئ

ونفت الكاتبة حدوث أي تغيير في أوضاع الموانئ اللبنانية خلال العقود الأربعة الماضية. ووفقًا لتقرير وكالة المخابرات المركزية عام 1987، «معظم العمليات التي تجري في موانئ لبنان غير قانونية وبعيدة عن أعين الحكومة». 

Embed from Getty Images

وتضيف: لقد استفاد حزب الله من ديناميكيات السيطرة على موانئ لبنان، ويبدو أنه ورث سيطرة النظام السوري والفصائل الفلسطينية عليها. ولا يخفى على أحد أن «حزب الله» يتمتع بحق الوصول والسيطرة على جميع منافذ لبنان: الحدود السورية اللبنانية والمطار والميناء، ويهرِّب الأسلحة عبر المرفأ لتخزينها في لبنان ونقلها إلى سوريا، وأنه وحلفاءه وضعوا شعبهم في كثير من المواقف الحساسة. 

وفي يوليو (تمّوز) 2019، عاقبت وزارة الخزانة الأمريكية المسؤول الأمني ​​في حزب الله وفيق صفا لعمله نيابة عن الحزب، وقالت إنه بصفته رئيسًا للجهاز الأمني ​​لحزب الله «استغل موانئ لبنان ومعابره الحدودية لتهريب الممنوعات وتسهيل السفر» نيابةً عن الحزب. ووفقًا للتقرير، استغل حزب الله صفا و«خطط لتمرير بعض الشحنات بعينها عبر صفا لتجنب التفتيش».

وهناك تساؤلات عديدة يمكن أن يجيب عنها أي تحقيق نزيه: لماذا أُبعدت فرق الإنقاذ الهولندية والفرنسية عن المرفأ لساعات في اليوم الثاني بعد الانفجار؟ لماذا خُزِّنت نترات الأمونيوم في المرفأ؟ مَن المسؤول عن تركها هناك لمدة ست سنوات رغم التحذيرات من المخاطر؟ ما سبب الانفجار تحديدًا؟ ولن تتمكن السلطات اللبنانية وحدها من الإجابة عن هذه الأسئلة.

وفي عام 2005، سارع عديد من أحزاب المعارضة اللبنانية إلى اتهام النظام السوري وحزب الله باغتيال الحريري. وفي ذلك الوقت، اتهم الأمين العام لحزب الله، حسان نصر الله، إسرائيل بذلك وشكر النظام السوري بعد انسحاب جيشه من لبنان. وبعد مرور 15 عامًا، أصبحت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مستعدة لإعلان حكمها في 18 أغسطس (آب) ضد أربعة أعضاء في حزب الله.

Embed from Getty Images

 ويكاد يكون من المؤكد أن قتلة الحريري المتهمين سيحاكمون في غضون أيام قليلة، وأصبح ذلك ممكنًا لأن المجتمع الدولي مارس ضغطًا من أجل تحقيق دولي وساعد في إنشاء هذه المحكمة. ومع تطور الأحداث في بيروت، تلوح في الأفق فرصة مماثلة.

ومن الواضح أن القلق يساور حزب الله. وإذ اتهم الحزب مؤسسات الدولة وموظفيها بأنهم المسؤولون عن الانفجار وليس إسرائيل هذه المرة. وبناءً على ذلك، يبدو أن حزب الله والحكومة اللبنانية التابعة له قد قررا أنه من أجل البقاء والاستمرار يجب التضحية ببعض الموظفين، بما في ذلك المدير العام للجمارك، بدري ضاهر، الذي عيَّنه جبران باسيل، الحليف الرئيس لحزب الله، في البرلمان.

فرصة ذهبية

وشددت الكاتبة على أنه يجب على إدارة ترامب الاستفادة من هذا الوضع. وقد ركَّزت واشنطن في الآونة الأخيرة على ممارسة أقصى ضغط على إيران. لذلك، سيكون من المنطقي أن ندرك أن فظاعة انفجار بيروت تقدم فرصة لتقليم أظافر الوكيل الإقليمي الأكثر فعالية لإيران؛ حزب الله. 

وهناك عديد من الأسباب التي تدعو واشنطن إلى الانخراط على نحو أعمق في لبنان في الوقت الحالي: تلميع أوراق اعتمادها بصفتها قيادة إقليمية، وإحراز سَبْق على الصينيين والروس، وضمان وصول خطوط الإمداد إلى سوريا. لكن الاستفادة من هذه اللحظة لتقديم الفرصة للبنانيين لإنشاء نظام سياسي جديد يتم فيه تقليص دور حزب الله يأتي بالتأكيد على رأس الأولويات.

وأشارت الكاتبة إلى عديد من الإجراءات التي يمكن للحكومة الأمريكية القيام بها لتحقيق هذا الهدف:

أولًا، يجب أن تدرك الولايات المتحدة أن هذه اللحظة تشبه لحظة 2005. وتحالف 14 آذار المناهض لحزب الله ليس بديلًا لأن الفساد ضارب في أوصال كلا الائتلافين، ويستهدف المحتجون اللبنانيون – بشعارهم «كلكن يعني كلكن» – كل سياسي طائفي وفاسد بغض النظر عن موقفه من حزب الله. ويطالب الشعب اللبناني بتغيير النظام بالكامل. واليوم، تستدعي مأساة لبنان اتفاقًا جديدًا يؤدي إلى تغيير حقيقي وإنهاء النظام الطائفي.

Embed from Getty Images

ثانيًا، يجب أن تتأكد واشنطن من أن المساعدات الإنسانية لا تمر عبر أي من مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش اللبناني. وتساعد الولايات المتحدة الجيش اللبناني منذ عام 2006 لتحقيق أهداف أمنية واضحة، لكنه بدوره استخدم القوة الوحشية ضد المتظاهرين خلال المظاهرات الأخيرة. ويمكن أن تستمر المساعدة الأمنية، طالما أن الجيش اللبناني لا يستخدمها لقمع المتظاهرين، لكن المساعدة الإنسانية يجب أن تمر عبر المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية التي تقوم بعمل أفضل بكثير في جهود الإغاثة.

ثالثًا، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها الضغط من أجل إجراء تحقيق مستقل يتسم بالشفافية بشأن انفجار مرفأ لبنان. وإذا كانت السياسة الأمريكية تهدف إلى احتواء إيران ووكلائها في المنطقة، فهذه فرصة ذهبية. وتحميل حزب الله مسؤولية ربما قتل مئات اللبنانيين وجرح الآلاف قد يدفع الشعب اللبناني – والرأي العام الغربي عمومًا – إلى رفض سيطرة حزب الله على البلاد.

رابعًا، يجب إجراء تحقيق في استخدام الجيش اللبناني للعنف ضد المتظاهرين. ويجب على حكومة الولايات المتحدة إرسال رسالة واضحة إلى الجيش اللبناني مفادها أنه إذا لم تحْمُوا المتظاهرين كما فعلتم في عام 2005، فستتوقف المساعدات.

عربي

منذ شهر
مترجم: بين الصواريخ والدقيق.. هكذا يدير حزب الله «لعبته» داخليًّا وخارجيًّا

أخيرًا، يجب على الحكومة الأمريكية أن تأخذ زمام المبادرة بدلًا من ماكرون والضغط من أجل تغيير حقيقي. وقد يكون الرئيس الفرنسي مؤيدًا لتشكيل حكومة وحدة وطنية، إلا أن هذه الفكرة تذكِّر اللبنانيين بأول حكومة وحدة وطنية فُرضت عليهم بعد أحداث مايو (أيار) 2008. في ذلك الوقت، سيطر حزب الله على بيروت وجبال الدروز واستخدم أسلحته ضد الشعب اللبناني ودفع تحالف 14 آذار إلى التخلي عن السلطة من خلال حكومة الوحدة الوطنية. وتشكيل أي حكومة وحدة وطنية أخرى في الوقت الحالي سيساعد حزب الله في استمرار سيطرته على مؤسسات الدولة.

واختتمت الكاتبة مقالها قائلة: إن الذي يحتاجه لبنان حاليًا هو بداية جديدة؛ ولا يمكن أن يحدث هذا إلا من خلال قانون انتخابي جديد وانتخابات مبكرة ينتج عنها برلمان جديد وحكومة جديدة ورئيس جديد. كما يحتاج لبنان إلى معرفة الحقيقة – والمساءلة بعد ذلك – لتجاوز هذه المأساة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد