يجب أن يأتي التغيير من داخل لبنان، ولكن إيمانويل ماكرون والآخرين يمكنهم أن يساعدوا بإنهاء رعايتهم لنظام كارثي.  

كتبت لينا الخطيب مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد «تشاتام هاوس» مقالًا في صحيفة «الجارديان» البريطانية حول الوضع في لبنان، خلصت فيه إلى أن المساعدات الأجنبية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون مشروطة من الدول المانحة بإجراء إصلاحات هيكلية في نظام الحكم، مشددة على أن النظام القائم على المحسوبية هو الذي أدى إلى تفاقم الأمور على هذا النحو الكارثي، وبدون التخلص منه يتعذر إنقاذ لبنان. 

تقول الباحثة في مستهل مقالها: في أعقاب الانفجار المدمر الذي وقع في مرفأ بيروت، لم يكن دور أعضاء الطبقة السياسية اللبنانية فقط هو الذي خضع للتدقيق، ولكن دور أقرانهم الدوليين أيضا. جمع مؤتمر المانحين الدولي يوم الأحد بقيادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون 253 مليون يورو (228 مليون جنيه إسترليني) من أموال الإغاثة، لكنه أشار أيضًا إلى تغيير هام في الخطاب، فهذه هي المرة الأولى التي يؤكد فيها المانحون أن أموال الإغاثة ستذهب مباشرة إلى الشعب اللبناني، وأن المساعدة الاقتصادية على المدى الطويل ستعتمد على تنفيذ لبنان لإصلاحات هيكلية.

عربي

منذ شهر
4 مرشحين في دائرة الضوء.. من يصبح رئيس وزراء لبنان؟

جاء هذا التأكيد في أعقاب الاهتمام الدولي المتزايد بالفساد المستشري في صفوف الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، والتي يُوجه إليها اللوم على نطاق واسع في انفجار الميناء. إنه يبعث برسالة إلى حكام لبنان مفادها أنه في الوقت الذي تحتاج فيه بلادهم احتياجا ماسًا إلى المساعدات الخارجية للوقوف على قدميها، فلا أحد يستطيع مساعدة لبنان إذا لم يساعد نفسه هو الآخر. 

اعتاد القادة إهمال المصلحة الوطنية، كما اعتادوا أن يحصلوا على طوق نجاة ممثلًا في المساعدات الدولية.

لكن البيان الذي صدر عقب المؤتمر تجاهل دور المجتمع الدولي في دعم الطبقة السياسية الفاسدة في لبنان على مدى عقود، بحسب الكاتبة. وقال ماكرون في مؤتمر المعونة: إن مستقبل لبنان على المحك. لكن ما يحتاج المانحون إلى الاعتراف به – وفق المقال – هو أن هذا المستقبل مسؤولية مشتركة بينهم وبين قادة لبنان على حد سواء.

نظام حكم لا يقوم على الجدارة والكفاءة بل على الطائفية

وتمضي الباحثة إلى أنه مع تفاقم ديون لبنان التي تزيد عن 170% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع انفجار الميناء الذي أحدث أضرارا تقدر كلفتها بنحو 15 مليار دولار، يحتاج لبنان إلى مساعدات خارجية للحيلولة دون انزلاقه إلى هوة الدول الفاشلة. 

لكن ما يحتاجه أكثر وبشدة هو الإصلاحات التي من شأنها مكافحة الفساد وغياب المساءلة التي أدت به إلى هذه الحالة المؤسفة في المقام الأول. وتؤكد الكاتبة أن النظام السياسي القائم في لبنان – وهو اتفاق لتقاسم السلطة بين مختلف الطوائف وليس نظام حكم على أساس الكفاءة – هو الذي يسهل السلوك الطائش لقادته.

مسؤولية المجتمع الدولي عن فساد النظام اللبناني

ولاشك أن المجتمع الدولي مسؤول جزئيُا عن ديمومة هذا النظام من خلال المحسوبية المزمنة. فعلى مدار عقود من الزمان، اعتاد القادة اللبنانيون على إهمال المصلحة الوطنية، وفي النهاية يجرى إنقاذهم من خلال المساعدات الدولية. ستهبط ودائع بالدولار على البنك المركزي من المانحين الخليجيين، وستقدم القروض من الدول الأوروبية، وستتدفق حزم المساعدات الخارجية إلى مؤسسات الدولة اللبنانية، لكي ينتهي الأمر بهذه الأموال بأن يحشوها حكام البلاد في جيوبهم، وهم الذين كثيرا ما تغلبوا على خلافاتهم السياسية لكي يتقاسموا موارد الدولة بينهم.

Embed from Getty Images

وترى الكاتبة أن حكام لبنان استفادوا من تدني توقعات المواطنين من الدولة وغياب الإجراءات التي تضمن الشفافية والمساءلة في البلاد. لقد أبرموا عقدا اجتماعيا يصور القادة على أنهم رعاة والناس على أنهم عملاء وليسوا مواطنين. ,كانت القوى الأجنبية على وعي جيد بهذه الديناميكية، لكنها غالبًا ما كانت تغض الطرف عنها، بل كانت ترعاها لاعتقادها بأن النظام السياسي اللبناني جلب الاستقرار والقدرة على التنبؤ بعد الحرب الأهلية المضطربة.

ومع الوقت نما جشع القادة، ومع هذا الجشع ساء الوضع الاقتصادي. فالقادة الذين كانوا يتصرفون كسُلطات محلية بحكم الأمر الواقع، حيث يمنحون مؤيديهم وظائف الخدمة المدنية أو امتيازات ثانوية، أصبحوا يفعلون ذلك بصورة أقل وأقل. وكان هناك بعض الاعتراف الدولي بأن هذه الدينامية أصبحت غير مستدامة. 

تعهد المانحون الدوليون بتقديم 11 مليار دولار خلال مؤتمر «سيدر» لدعم الاقتصاد اللبناني في عام 2018 بشرط أن ينفذ لبنان إصلاحات هيكلية. وفي أعقاب التدهور الاقتصادي في الآونة الأخيرة في لبنان، قال صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) إن أي نقاش بشأن قرض للبنان سيخضع لمزيد من الإصلاحات. في كلتا المناسبتين، تجاهل حكام لبنان الدعوات إلى الإصلاح، معتمدين على الدعم الأجنبي الذي يأتي في نهاية المطاف دون قيد أو شرط كما كان يحدث في الماضي. كانت متابعة المانحين الدوليين متثاقلة إلى حد ما.

جدوى تقديم مساعدات دون شروط

وتؤكد الباحثة على أنه يجب أن يكون انفجار المرفأ دعوة للاستيقاظ لأي كيان دولي يسعى إلى استقرار لبنان. الانفجار في نهاية المطاف نتيجة لعقود عززت خلالها الطبقات السياسية في لبنان وخارجه النظام السياسي الذي يعاني من الاختلال في البلاد. ولا ينبغي أن تتدفق أي مساعدات طويلة الأمد إلى لبنان دون شروط قوية بشأن الشفافية والمساءلة حول كيفية توظيف هذه المساعدات. والدعم الأجنبي ليس المشكلة في حد ذاته، ولكن عندما يقدم على طبق دون قيد أو شرط، فإنه سيبقي على سلسلة المحسوبية ويفاقم ضعف مؤسسات الدولة ويزيد إفقار المواطنين اللبنانيين.

مرفأ بيروت

مع وصول الاقتصاد اللبناني إلى شفير الانهيار في أعقاب الانفجار، هناك فرصة أمام المجتمع الدولي لممارسة النفوذ على القادة اللبنانيين – الذين نمت ثروتهم الشخصية جزئيًا من المعاملات القانونية وغير القانونية عبر الميناء المدمر – حتى يقوموا بتنفيذ الإصلاحات اللازمة. مثل هذا النفوذ لن يزيل النظام السياسي المعيب في لبنان، لكنه سيضغط على قادته لقبول بعض الإصلاحات الأساسية على الأقل.

وتختتم الباحثة مقالها بقولها: لكن لكي يفتح لبنان صفحة جديدة حقيقة، فإنه يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد ونظام سياسي جديد قائم على الإنصاف والشفافية والمساءلة. وهذا تغيير لا يمكن أن يبدأ إلا من داخل لبنان، لكنه يعتمد أيضًا على تخلي المجتمع الدولي عن دعمه الضمني للوضع السياسي الكارثي القائم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد