كان اللبنانيون طوال سبع سنوات يتوسلون ويصلون ويهتفون من أجل البقاء خارج الحرب السورية المجاورة *روبرت فيسك

نشرت «الإندبندنت» البريطانية مقالًا كتبه الصحافي البريطاني «روبرت فيسك» بتناول فيه الموقف اللبناني المحفوف بالمخاطر في محاولته التزام الحياد وموازنة علاقته بأطرافٍ متنازعة في المنطقة، وقد شبه درجة الخطورة في تحركه بأنها كالراقص على الحبال، يقول «فيسك»: «إذا كان لبنان بحاجة إلى سوريا أكثر من حاجة سوريا إلى لبنان، افترض أن اللبنانيين في حاجة الأمريكان أكثر من حاجة الأمريكان إلى لبنان. وفي كلتا الحالتين يظل موقفه الحيادي حماية له من نفسه».

يذكر «فيسك» أن أثناء مواجهة أيرلندا الغزو المحتمل من كل من بريطانيا وألمانيا في عام 1940، وعزمها على التزام الحياد، طلبت الحكومة الأيرلندية في دبلن من أحد كبار وزرائها صياغة مذكرة حول كيفية البقاء خارج الحرب العالمية الثانية -أو بعبارة أخرى التزام الحياد-، إلا أن رده أتى بليغًا وقاتمًا في نفس الوقت؛ إذ قال «الحياد هو شكل من أشكال الحرب المحدودة».

لبنان بين المصالح والتحذيرات

ويرى «فيسك» أن هذا الوصف يتفق مع وضع لبنان؛ فحسب ما ذكره كان اللبنانيون طوال سبع سنوات يتوسلون ويصلون ويهتفون من أجل البقاء خارج الحرب السورية المجاورة، وتجاهل التهديدات الإسرائيلية، ولاحتضان سوريا الشقيقة، والتحذيرات الأمريكية، والمناشدات الروسية والإغراءات الإيرانية، فيقول «فيسك»: «أعتقد أنك يجب أن تكون موهوبًا بشكل مميز لكي تقدر على الالتزام بالابتسام بشكل متزلف، وبسيط وشجاع ومتذلل وضجر، إزاء كل ما هو حولك، وأن تنجو بفعلتك».

يذكر «فيسك» أن صديقًا أخبره على أحد المقاهي في بيروت الأسبوع الماضي أن «عندما يصبح لبنان بلا حكومة طوال شهر، تعرف أن اللوم يقع على اللبنانيين»، وأردف «عندما يكون لبنان بلا حكومة طوال ثلاثة أشهر، تعرف أن هناك أطرافًا أجنبية متورطة»، يقول «فيسك» إنه بالطبع تصارعت الجيوش في لبنان طوال آلاف السنين، لكن الآن هناك دائمًا من يضعون أعينهم عليه، ويوضح إن سوريا المنتصرة حديثًا تحاول احتضان لبنان، بينما تهدده إسرائيل من ناحية، وتحذره أمريكا من ناحية أخرى، وتداعبه روسيا من ثالثة، ويكفله حب إيران الأبدي إذ تدفع وتسلح ميليشيات حزب الله اللبنانية، ونجح لبنان في كل ذلك على الرغم من ديونه الوطنية بقيمة 80 مليار دولار، ووجود 1.5 مليون لاجئ سوري، وانقطاع الكهرباء يوميًا بدون استثناء منذ 1975.

ويعتقد «فيسك» أن لبنان بتلك الطريقة يقدم «درسًا في كيفية أن تكون صغيرًا، وأن تبقى آمنًا، وأن تعيش في خوف أيضًا»، ويقول إن حكومة تسيير الأعمال التي يترأسها سعد الحريري في واقع الأمر تبنت سياسة «الانفصال» عن الصراعات الإقليمية، جدير بالذكر أن حكومة الحريري حكومة لبنانية سابقة للانتخابات وكذلك هي الحكومة القادمة في آن واحد، إذ اختير كل وزير في ضوء نظام البلاد الطائفي المسلم المسيحي للانتخابات المرهق. يقول «فيسك» إن «الانفصال» الذي اتبعته حكومة الحريري هو نسخة أخرى من «الحيادية»، إذ يتظاهر الجميع بدءًا من الإدارة الأمريكية وحتى الإيرانيين وصولًا للاتحاد الأوروبي بأن لبنان موحد يسوده حب متبادل، وأنه بلد متماسك أكثر من كونه بلدًا مدمرًا في ما يبدو كإعادة إحياء الحرب الأهلية عام 1975- 1990، وبطبيعة الحال فإن الاتحاد الأوروبي يغدق الأموال على لبنان «المريض المفلس» لمجرد أنه لا يريد تدفق المزيد من اللاجئين إلى أوروبا.

هل يحميه الحياد من نفسه؟

بينما يتوعد حزب الله إسرائيل إذا ما شنت هجومًا على إيران، فإن الحرب بين الميليشيات الشيعية وبين إسرائيل ستندلع في جنوب لبنان

يشير «فيسك» إلى أن حيادية لبنان تحميه من نفسه، إذ يتلقى السنة في لبنان تمويلات ضخمة من السعودية التي تبغض إيران، وحزب الله والشيعة اللبنانيين الذين يدعمونهم، ومن ناحية يحب رئيس الحكومة اللبناني السني المملكة العربية السعودية، أو بالأحرى مضطرٌ إلى حب السعودية، وذلك باعتبار أنهم يدعمون رئاسته للوزارة، ولأنه يحمل الجنسية السعودية، والأهم لأنهم يعتقدون أنه سيلبي كل طلباتهم، ويشير «فيسك» أيضًا إلى حادث ربما يتذكره البعض، وهو حادث «الاختطاف اللطيف» لسعد الحريري في الرياض العام الماضي، وظهوره الخاطف على شاشات التليفزيون السعودي «مقدمًا استقالته» عن منصبه في رئاسة الوزارة اللبنانية حتى أنقذه الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» من براثن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وهرَّبه إلى باريس حيث تمكن من استكمال رئاسته للوزارة بطريقة غامضة.

يذكر «فيسك» أن المسيحيين اللبنانيين منقسمون دائمًا، إذ ما يزال الرئيس ميشال عون صديقًا لبشار الأسد، في حين يخشى بقية اللبنانيين «تدخلاً» سوريا جديدًا في لبنان، وبينما يتوعد حزب الله إسرائيل إذا ما شنت هجومًا على إيران، فإن الحرب بين الميليشيات الشيعية وبين إسرائيل ستندلع في جنوب لبنان، ويضيف أن إسرائيل تهدد حزب الله ولبنان على نحو متكرر منتظم أيضًا، أما وليد جنبلاط المدعوم من الدروز، ما يزال ينتظر تدمير الأسد، ويقول «فيسك»: «حاول أن تشرح كل ذلك لدونالد ترامب»، ففي نهاية المطاف، بالكاد مر عام واحد على مدح ترامب الحريري كونه «في الصفوف الأولى في الحرب ضد حزب الله»، في حين أنه لا يدري، على نحو بائس، أن الحريري «المسكين» يجلس جنبًا إلى جنب الوزراء من حزب الله في الحكومة اللبنانية.

الدعم الأمريكي – السعودي

يصل حجم المساعدات العسكرية للبنان إلى حوالي 10 مليون دولار أمريكي سنويًا، وأوضحت أمريكا تمامًا أنها ستوقف وصول أسلحتها إلى لبنان حال مال اللبنانيون نحو العروض الإيرانية.

وبالتالي فإن الأمريكيين والسعوديين يواصلون حثهم المستمر للبنانيين ومناشدتهم بضرورة نزع سلاح حزب الله الشيعي وتفكيكه، ودمجهم مع الجيش اللبناني، حتى وإن كان هذا الدفع غير مجد، ويوضح فيسك أنه نظرًا إلى أن حزب الله مسلح من إيران «منبع كل الشرور»، وهو عدو إسرائيل «أصل كل الخير»، وحليف سوريا التي يريد الأمريكان بشكل أو بآخر تنحية حاكمها نظريًا باعتباره «وجهًا للحرب الكيميائية»، ومع ذلك ما تزال ترسل أمريكا الأسلحة للجيش اللبناني، لكن الكاتب يؤكد أيضًا أنه «لن يهاجم أحد جنود الجيش اللبناني الشيعة إخوته الشيعة في جنوب لبنان لأجل مصلحة الأمريكيين والسعوديين والإسرائيليين».

لذا، يستمر الدعم الأمريكي للبنان وصولاً إلى نقطة تمثلت في وجود قائد الجيش اللبناني «جوزيف عون» في واشنطن الأسبوع الماضي لمناقشة «التعاون في مكافحة الإرهاب»، وذلك بعد أشهر قليلة من نجاح جنوده بالتعاون مع حزب الله –الإرهابي في نظر الإدارة الأمريكية- في طرد الإسلاميين من جيب عرسال في شمال شرقي لبنان.

يقول «فيسك» إن الأمريكين أعطوا الجيش اللبناني أربع طائرات هجومية خفيفة من طراز (A-29 Super Tucano) وهي قوية بما يكفي لإطلاق النيران على تنظيم داعش، لكنها ضعيفة بحيث لا تشكل تهديدًا على إسرائيل، يصل حجم المساعدات العسكرية للبنان إلى حوالي 10 مليون دولار أمريكي سنويًّا، وبالمقارنة بمساعداتها للجيش المصري والتي وصلت إلى 47 مليار دولار على مر أربعين سنة، في حين يعجز الجيش المصري عن قمع انتفاضة داعش الحالية في سيناء، ويشير «فيسك» إلى أن أمريكا أوضحت تمامًا أنها ستوقف وصول أسلحتها إلى لبنان حال مال اللبنانيون نحو العروض الإيرانية.

روسيا وصراع إعادة الإعمار

يقول «فيسك» إن على الرغم من اقتصاد إيران المتهالك، عرض الإيرانيون على بيروت المزيد من المال أكثر مما تقدمه أمريكا، جنبًا إلى جنب السلاح والمعونة الزراعية والصناعية، ويتساءل «فيسك»: «من أين تحديدًا؟، لا أحد يعلم»، لا سيما بعد الاتفاقية العسكرية والدفاعية الجديدة مع سوريا و«الدور المثمر» الذي تلعبه في إعادة إعمار سوريا بعد الحرب –حسب ما قاله وزير الدفاع الإيراني «أمير حاتمي»-، ناهيك عن إعادة بناء المنشآت العسكرية السورية والقواعد الجوية والمدارس والمستشفيات.

فمن ناحية -يذكر «فيسك»- أن وزير الاقتصاد الإيراني قد أقيل من منصبه هذا الأسبوع، وغني عن القول أن روسيا من ناحية تريد حصد حصتها في إعادة إعمار سوريا، وكذلك اللبنانيون بلا شك، لكن روسيا جهزت فريقًا في لبنان عرض إعادة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى بلدهم تحت ضمانات السلامة.

يقول «فيسك» إن تلك الأخبار قد تكون جيدة للرئيس اللبناني «عون» ووزير خارجيته «جبران باسيل» -والذي يصادف أنه صهر الرئيس- نظرًا لأن كلاهما يريد التخلص من مخيمات اللاجئين السوريين في جميع أنحاء لبنان، والمساعدة في استعادة «التطبيع» مع سوريا، إلا أنه كان هناك الكثير من الاعتراضات من الأوروبيين والأمم المتحدة الذين سيضطرون إلى المشاركة من أجل التأكد من عدم تعرض اللاجئين السوريين إلى الاقتياد للسجون فور عبورهم الحدود، ويريدون تجنب «التطبيع» مع سوريا ما بعد الحرب تحت حكم الأسد.

ابتزاز أم احتياج سوري؟

السعوديون بحاجة إلى لبنان كي يستطيعوا استخدام الحريري باعتباره رأس حربة سُنية ضد محور حزب الله الشيعي السوري.

ويضيف الكاتب أنه في غضون ذلك، يريد السوريون استئناف علاقتهم «الشقيقة» السابقة مع لبنان، وعلى حد وصفه «نفذ صبرهم من مقاومة اللبنانيين وخصوصًا الحريري»، فعلى الرغم من حجم انقطاع التيار الكهربائي الهائل في سوريا، تقدم سوريا الكهرباء إلى لبنان، وعبر اللبنانيون عن فرحتهم لدى معرفة أن الحكومة السورية استعادت سيطرتها على النقطة الحدودية السورية الأردنية في نسيب، إذ من المؤكد أن يعيد ذلك فتح المعبر البري الوحيد للصادرات اللبنانية إلى الأردن والخليج.

لكن، يقول «فيسك» إن ثمة مقابل لكل ذلك، إذ أدلى «علي عبدالكريم علي» السفير السوري في بيروت بتصريح بعثي هذا الأسبوع، قائلاً «الأعداء يبحثون الآن عن سبل لينحوا الغرور جانبًا»، وألمح في كلامه إلى لبنان قائلاً: «ماذا عن البلد الشقيق الذي ما يزال يتشارك مع سوريا في حدوده البرية، بالإضافة إلى فلسطين المحتلة؟»، يوضح «فيسك» أن بقول فلسطين يقصد إسرائيل، وأضاف السفير: «بالطبع سوريا تحتاج إلى لبنان، لكن لبنان يحتاج سوريا أكثر»، ثم وردت تقارير غير مؤكدة؛ لكنها في نفس الوقت مؤلمة لمعسكر الحريري المؤيد للسعودية، أفادت أنه في حين يتمكن اللاجئون السوريون العائدون عبور نقطة نسيب الحدودية، لن يفتح المعبر أمام الشاحنات اللبنانية المحملة بالصادرات من الخضر والفاكهة. لذا، صاح الحريري بأن ذلك «ابتزاز»، إلا أن ما زاد من غضب اللبنانيين هو انتشار صور تظهر الشرطة العسكرية الروسية والقوات السورية جنبًا إلى جنب على حدود نسيب.

ويختتم «فيسك» تقريره قائلًا: «إذا كان لبنان بحاجة إلى سوريا أكثر من حاجة سوريا إلى لبنان، افترض أن لبنان أيضًا بحاجة إلى أمريكا أكثر من حاجة أمريكا إلى لبنان، إلا أن إيران بحاجة إلى لبنان أكثر من حاجة لبنان إلى إيران»، إضافة إلى أن السعوديين بحاجة إلى لبنان كي يستطيعوا استخدام الحريري باعتباره رأس حربة سنية ضد محور حزب الله الشيعي السوري، ومن ثم يمكن إلحاق الضرر بالشيعة الإيرانية، ومن ناحية، فإن اللبنانيين بسبب ديونهم البالغة 80 مليار دولار -نتيجة لسياسات رفيق الحريري والد الحريري المقتول- يحتاجون إلى السعودية. أما عن الروس، يقول «فيسك» إن بعد التأكد من أن أسطولها يبحر في مدينة طرطوس الساحلية السورية، فهي لم تعد بحاجة إلى أحد، لذا ربما كان الوزير الأيرلندي «فرانك أيكن» المخضرم الذي عاصر حرب الاستقلال الأيرلندية، والحرب الأهلية الأيرلندية على حق في ما قاله عام 1940، بأن الحياد هو شكل من أشكال الحرب المحدودة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد