نشر فضلو خوري – رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت– مقالًا له على موقع «ذي أتلانتك» يتناول الاحتجاجات التي يشهدها لبنان حاليًا، ويقول بأنها كانت ستحظى بتغطية إخبارية عالمية لو أنها اندلعت قبل عقدين من الزمان. فما الذي يحبس الأنفاس أكثر من تقاطر شعب هذه الدولة الصغيرة – والاستراتيجية– المنقسمة، لإنهاء عقود من الطائفية المفلسة أخلاقيًّا؟

في غضون أيام، أعلن المحتجون اللبنانيون الغاضبون، وهم يلوحون بعلم الأرز الذي كان يرمز ذات مرة إلى انقسام البلاد، موت اتفاق الطائف الذي كرس الحكم الطائفي عام 1989. لقد انتهت الحرب الأهلية اللبنانية فعليًّا في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بحسب خوري.

ويضيف: «لم تختف العقلية الطائفية خلف أعمدة الدخان الأسود المتصاعدة من الإطارات المحترقة، ولكن إذا كان اللبنانيون قد تخلوا عن العقد الوطني الذي عزز الانقسامات الطائفية، فإن المحرضين والمستفيدين – القادة السياسيين الفاسدين– يواصلون العمل من أجل مصالحهم الشخصية بدرجات متفاوتة من المهارة والخداع. هناك القليل من الأبطال، إن وجدوا، بين هؤلاء الرجال الرماديين، وهم يعرفون جميعًا في قلوبهم أن مصير البطل هو الاستشهاد».

من مارتن لوثر إلى مالكوم إكس.. دماء مثقفين كانت السبب في تغيير مجتمعاتهم

لعبة المخادع والبطل الساذج

يؤكد خوري أنه ليس هناك بين القادة السياسيين والعسكريين في لبنان من يتمنى الشهادة، فلا وجود لجورج واشنطن، أو أبراهام لينكولن، أو شارل ديجول، أو جورج مارشال، أو نيلسون مانديلا، أو المهاتما غاندي. ولا يوجد حتى فؤاد شهاب، أو رشيد كرامي، أو كمال جنبلاط، لتسمية ثلاثة من قادة لبنان، اثنان منهم شهداء بالمعنى الحقيقي.

ويضيف: «لا، فهذا هو عصر الرجال الغامضين الطموحين، الذين تفاخروا بعيوبهم منذ مدة طويلة على الساحة السياسية اللبنانية، مثل الزعماء الشعبويين الآخرين في العالم، بمن فيهم أولئك الذين يحتلون الآن بعضًا من أقوى المناصب السياسية في العالم».

بصفته رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، يرى خوري أن هذه الاحتجاجات تكشف مزيجًا من الأمل والخوف، وينصح بأن يظل المتظاهرون في بيروت وطرابلس، وفي صور، وصيدا، والنبطية – بمن فيهم نسبة كبيرة من طلاب وأساتذة وموظفي الجامعة الأمريكية– متحدين كي يغلبوا الزعماء السياسيين الذي قدموا مثالًا فاسدًا في الحكم.

ففي الأسبوع الثاني من الاحتجاجات، بدأ الطموح والأنا في الظهور ظهورًا مؤسفًا، لكنه متوقع. ويوضح خوري بالقول: «يود قادة لبنان السياسيون والأمنيون أن يخوض الآخرون معاركهم من أجلهم، إنهم جميعًا يريدون من شخص آخر القضاء على المنافسة، والسماح لهم بالمطالبة بالحياد والنوايا الحسنة، لهذا السبب لا بد من توجيه المحتجين بعيدًا عن هذه الفخاخ».

لقد فهم وليام شكسبير الطبيعة الساخرة للسياسيين والتوجهات المدمرة للذات التي تصيب الأبطال الطامحين، إن مؤلفاته التاريخية تعج بحكايات الحكم الخاطئ والطموح اللا محدود لـ«أبطال سُذج» فقدوا حياتهم بفعل نواياهم الطيبة، وبسبب الانتهازية البغيضة للأشرار.

يمنح شكسبير للجمهور بعض العزاء، ففي النهاية يموت الشرير، لكن تقديره للمخادع يكون دائمًا أعلى من تقديره للبطل الساذج، الذي يقع دائمًا ضحية للخداع، فلقد دافع عن أبرع من مارس لعبة القوة والتأثير، الناجية من المؤامرات وشؤون الرجال، إليزابيث الأولى، ملكة إنجلترا.

دور الجامعات اللبنانية

في الجزء الثاني من حكاية هنري الرابع – يضيف خوري– عندما يستسلم المتمردون دون المساومة على سلامتهم الشخصية، يقول شكسبير إن جون من آل لانكستر أعلن بحماسة، «الله، وليس نحن، حارب اليوم بأمان». هذا باختصار هو ما يعول عليه السياسيون والعسكريون اللبنانيون. ولديهم الصبر والقسوة لانتظار صعود أي أبطال طموحين.

Embed from Getty Images

لهذا السبب تحتاج مؤسسات التعليم العالي الجيدة – وهي قليلة– في لبنان والعالم العربي إلى تقديم مثال معاكس للحفاظ على الأمل لدى الشباب المثاليين، الذين يُضربون الآن ويحتلون ساحات المدن للحفاظ على أحلامهم في غد أفضل على قيد الحياة.

نحن لسنا جزءًا من هذه الانتفاضة – يؤكد خوري– ولكن يجب على أساتذة الجامعات مساعدة الطلاب على إكمال دراساتهم في أثناء مشاركتهم في المظاهرات. ويجب أن يفهموا أن مصير القائد حسن النية ليس الشهادة بالضرورة، وأنه ليس مقدرًا للوحوش الفاسدة تحقيق النصر والمجد والنجاح في نهاية المطاف. بغض النظر عن نتيجة الاحتجاجات الحالية في لبنان، فإن هذا لا يمكن أن يكون الدرس النهائي الذي يتعلمه الشباب المحتج.

يضيف خوري أنه يجب على الجامعة الأمريكية في بيروت، أقدم وأرقى مؤسسات التعليم العالي في هذا الجزء من العالم، الدفاع عن مبادئ كثيرة في هذه الأوقات، وألا تتخلى عن مهمتها الأساسية، وهي توفير تعليم ذي جودة للشباب يعينهم على تحديات المستقبل.

ويرى أن دور الجامعة ليس توفير زعماء، وإنما القيام بما أنشئت من أجله؛ التعليم. إن طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت يتغلبون على الخوف من الآخر، من خلال بناء صداقات جديدة في مجتمع دولي متنوع، وإثراء معارفهم في العلوم الإنسانية والفنون والعلوم، واغتنام فرص التعلم التجريبية من خلال المشاركة المدنية. هذا يكرس فكرة خدمة المجتمع عنصرًا دراسيًّا، وليس خارج المنهج، لتعليم الفنون الليبرالية.

القادة يولدون ويصنعون، والجامعة هي حاضنة أساسية لنوع أفضل من القادة في العالم العربي، وهذا يعني أنه يجب على هيئات التدريس في لبنان تحديد كيفية استئناف الدراسة، التي توقفت منذ 18 أكتوبر، إلى جانب دعم وحماية حرية التعبير للطلاب والحق في الاحتجاج.

يختم خوري بالقول: «لا بد من الحوار والتكيف، لتوفير التعليم لألمع الشباب في المنطقة. وقد تكون هناك حاجة إلى بعض التأمل الجاد بغية التحسين، ومعرفة مكامن الخلل، وقبول المسؤولية عن حقيقة أن العديد من الفاسدين هم خريجو الجامعة. عندها فقط يمكن تنشيط مهمتنا لأن فرصة التغيير الحقيقي تقدم نفسها لشعوب لبنان، والسودان، والجزائر، ودول عربية أخرى. يستحق هؤلاء الشباب الشجعان، المتعلمون، وذوو العزم حياة أفضل من المثال الذي وضعه لهم مجموعة صغيرة من الفاسدين».

حتى لا ننسى.. كيف ساهم البنك والنقد الدوليان في إفقار العراق ولبنان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد