كتب ريتشارد هول، مراسل الشرق الأوسط في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، مقالًا تحدث فيه عن الاحتجاجات في لبنان وموقف المرأة منها والدور الذي يمكن أن تلعبه في «نظام سياسي تُمثَّل فيه المرأة تمثيلًا سيئًا منذ زمن، إلا أن النساء جأرن بأصواتهن في الشوارع حتى سُمعت أصواتهن».

من العاصمة بيروت، يستهل الكاتب مقاله بملاحظة مهمة، فيقول: «كان من الملحوظ في الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اجتاحت لبنان خلال الأسابيع الأخيرة افتقارها للزعماء، لكنها لم تكن بلا قيادة؛ فقد كانت النساء في مقدمة المسيرات وشاركن في مجموعات النقاش والاعتصامات وحواجز الطرق، وكُنَّ قوة دافعة رئيسية للحراك».

ويورد المقال ما قالته ماريانا وهبي، مستشارة علاقات عامة، والتي كانت تشارك يوميًّا في الاحتجاجات: «لقد كانت النساء جزءًا مهمًا من هذه الثورة»، وأضافت: «كنَّا في الخطوط الأمامية وكنَّا نؤازر بعضنا البعض وحافظنا على السلام».

«يورو نيوز»: من بين 18 طائفة.. دليلك لفهم تشكيل السلطة في لبنان

لحظات ملهمة

وأضاف الكاتب: «في مساء الأربعاء نظمت ماريانا وهبي مظاهرة للنساء على ضوء الشموع حضرها الآلاف في الساحة الرئيسة بالمدينة. وكانت لحظة مؤثرة، لكن دور النساء في هذه الاحتجاجات كان أكثر من رمزي؛ لقد غيرت الثورة شخصياتهن وتوجهاتهن تغييرًا كبيرًا. وقد التقطت واحدة من أكثر الصور الدائمة للاحتجاجات في الليلة الأولى، وذلك خلال مشاجرة بين حراس رئيس الحكومة والمحتجين. عندما قام أحد الحراس بالتلويح بمسدس كان في يده، فسددت امرأة تدعى ملك عليوة حرز ركلة سريعة إلى فخذه».

Embed from Getty Images

وأضاف الكاتب: «لقد أصبحت صورة المرأة التي تنتقد هذا التمثيل للطبقة السياسية الفاسدة والأبوية في البلاد عاملًا دافعًا للسخرية منهم بطريقة منظمة وواضحة، وسرعان ما أصبح ذلك حافزًا رئيسًا لجذب المزيد من الناس للخروج إلى الشوارع».

الخط الأمامي في الاحتجاجات

واستدرك الكاتب قائلًا: «لكن التأثير الأكبر الذي أحدثته النساء على الاحتجاجات تَمثَّل في جعل الحراك أكثر سلمية. إذ اتسمت أول ليلتين من المظاهرات بصدامات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين واستمرت حتى وقت متأخر من الليل. ولكن في الليلة الثالثة، قررت مجموعة من النساء تشكيل درع بشري لفصل الجانبين».

تقول ديانا عاش، وهي ناشطة كانت ضمن المشاركات في المظاهرات: «كان الهدف من وجود النساء هو السيطرة على كيفية تطور الاحتجاجات». وأضافت: «لقد أرَدْنها سلمية، ولهذا انطلقن إلى الخطوط الأمامية لوقف العنف». وأطلقن عليه الخط الأمامي للمرأة. وتوقفت الصدامات على الفور، واستمرت الاحتجاجات في ازدياد خلال الأيام المقبلة.

يلفت مراسل «الإندبندنت» إلى أن الحد من العنف الذي أعقب هذا الإجراء المباشر أوضح أن كثيرًا من الأشخاص شعروا بالراحة الكافية للانضمام إلى الاحتجاجات، التي كانت الأكبر حجمًا منذ أكثر من عقد مضى.

تقول ماريانا وهبي: «لقد تحدثت إليَّ نساء بشأن عدم تمكنهن من ​​التعبير عن حقوهن». وأضافت: «لقد كوَّنا قبيلة الحماية هذه لهن لمشاركة أفكارهم والتعبير عن أنفسهن».

العودة إلى خط المواجهة

وتابع الكاتب قائلًا: «بعد أسبوع، وعندما بدأت الشرطة في إزالة الحواجز التي أقامها المتظاهرون حول العاصمة بيروت، حدث نفس الشيء مرة أخرى؛ حين ذهبت مجموعات من النساء بأنفسهن إلى خط المواجهة وتراجعت الشرطة. وكانت المظاهرات مختلفة عن أي شيء حدث سابقًا في لبنان، وبأكثر من طريقة. فبدلًا عن استهداف الحكومة أو أي قائد سياسي بمفرده، ندد المحتجون بالطبقة السياسية الفاسدة في البلاد برمتها».

وأوضح الكاتب: «لقد نشبت الاحتجاجات بسبب محاولة الحكومة فرض حزمة جديدة من الضرائب، ولكن جذور الحراك أعمق من هذا بكثير؛ إنه مزيج من الأزمة الاقتصادية الحادة وعقود من الفساد المتفشي الذي دفع البلاد إلى حافة الهاوية. ووصف المتظاهرون مطالبهم مرارًا وتكرارًا بأنها ليست أكثر من حقوق المواطنين الأساسية، ولكن بالنسبة للنساء في لبنان، لا تزال هذه الحقوق أقل من المستحق».

حقوق المرأة اللبنانية.. مسكنات لا تفضي إلى تغيير

وأردف الكاتب: «على الرغم من بعض الإصلاحات الأخيرة، إلا أن النظام القانوني في البلاد يموج بالقوانين المتحيزة ضد المرأة؛ حيث لا يمكن للأمهات اللبنانيات نقل جنسيتهن إلى أطفالهن. وفي قضايا مثل الطلاق، حقوق الملكية وحضانة الأطفال يقررها القانون الديني، الذي يتسم بالتمييز الشديد ضد المرأة – حسبما ورد في المقال – كما أن القانون اللبناني لا يجرِّم على وجه التحديد الاغتصاب في إطار الزواج، وتقدم البلاد أقل بدلات في العالم للمرأة عندما تكون في إجازة الوَضْع».

Embed from Getty Images

من ناحية أخرى، تحدث الكاتب عن تمثيل المرأة في البرلمان اللبناني قائلًا: «يوجد في لبنان ست نائبات فقط في برلمانها المؤلف من 128 عضوًا، كما أن تمثيل المرأة سيئ في المجالات الرئيسة للقوة العاملة مثل العلوم والتكنولوجيا والهندسة. وربما ليس من المستغرب إذًا أن تحتل البلاد المرتبة 140 من بين 149 دولة في التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين لعام 2018 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يقيس المساواة بين الجنسين في الاقتصاد والتعليم والصحة والسياسة».

وبالنظر إلى حقوق المرأة اللبنانية، أوضح الكاتب أن: «حقوق المرأة في لبنان عوملت مثلها مثل أي قضية مُلِّحة أخرى تواجهها البلاد: إصلاحات مجزأة لتسكين المشكلات مؤقتًا دون إجراء أي تغيير ذي مغزى».

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: «إن سنوات من هذه المظالم التي لم تُعالج كانت سببًا في أكبر خروج للنساء إلى الشوارع. ونقل عن ديانا قولها: «أعتقد أن النساء من جميع الأعمار والخلفيات والفصول الدراسية قد أدركن أن لهن دور كبير في كل ما يجري، وأنهن يُشكِّلن نصف السكان ويواجهن اضطهاداتٍ مضاعفة».

وتقول ماريانا: إن ابنتها البالغة من العمر 15 عامًا شاركت في الاحتجاجات مع زملائها في المدرسة أيضًا. «لن تترعرع ابنتي في لبنان نفسه الذي نشأتُ أنا فيه. لقد نشأنا وسط الخوف، ولم يعد هناك شيء من هذا الآن. إذا كانت لدينا مشكلة فإننا سنصرخ ونلعن عنها، فقد أصبح لنا صوت الآن. لقد كانت هذه الطاقة كامنة دائمًا ووجدنا الطريقة لإطلاقها وإظهار من نكون حقًا».

بين الحياد والتدخل.. كل ما تريد معرفته عن الجيش اللبناني ودوره الآن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد