نشر موقع «ميدل إيست آي» الإخباري تقريرًا عن الأحوال الاقتصادية المتردية في لبنان، وخصوصًا في القطاع المصرفي، في أعقاب تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد. وأشار معد التقرير، الصحافي كريم شهيب، إلى أنه على الرغم من الحظر الجزئي المفروض على حركة المواطنين في البلاد، يطلق اللبنانيون العنان لغضبهم في الشوارع مع استمرار الاقتصاد في دوامة الهبوط.

متظاهرون غاضبون في شوارع رئيسية

يبدأ الكاتب تقريره على لسان رجل يقف على حاجز مشتعل على طريق بيروت – صيدا السريع، حاملًا قنينة من الكيروسين في يده، صائحًا: «إذا حاول الجيش فتح هذا الطريق بالقوة، سأحرق نفسي!».

عادت مشاهد مألوفة من الغضب الشعبي إلى شوارع لبنان، خرق فيها الناس الحظر المفروض بسبب فيروس كورونا المُستجد، احتجاجًا على الظروف الاقتصادية التي تزداد سوءًا مع هبوط العملة المحلية إلى مستوى غير مسبوق، فقدت فيه أكثر من 50% من قيمتها في الأسابيع الأخيرة.

الحمرا

واستغرب الرجل «هل يُعقل أن تصل قيمة الدولار الواحد إلى 4 آلاف ليرة لبنانية!»، في صرخة تنم عن حالة من عدم تصديق يشاركه فيها اللبنانيون في جميع أنحاء البلاد الذين يعانون بالفعل ليفوا بالكاد بنفقات متطلباتهم المعيشية. وسجلت قيمة العملة اللبنانية المتهاوية أكبر انخفاض لها في يوم واحد، إذ اقتربت من 4 آلاف ليرة مقابل الدولار الأمريكي، على عكس السعر الرسمي المربوط عند 1507 ليرة لبنانية، والذي بدأ في الانخفاض منذ سبتمبر (أيلول).

ويرى الكاتب أن الانخفاض الحالي يمكن وصفه بأي شيء إلا أن يكون تدريجيًا، إذ بلغت قيمة الدولار الأمريكي 3 آلاف ليرة منذ أقل من أسبوعين، ووصل إلى 3800 ليرة لبنانية يوم الخميس الماضي. ووفقًا لمسح أجرته شركة «إنفوبرو» في شهر فبراير (شباط)، فقد أكثر من 220 ألف شخص وظائفهم في القطاع الخاص منذ منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) عندما اندلعت الاحتجاجات ضد النخبة السياسية.

لم تتمكن خلود فواز في بيروت من العثور على عمل منذ ما يقرب من ستة أشهر حتى الآن. ولكن مع دخول العملة اللبنانية في دوامة هبوط، تقول إن الشعور بالخدَر الذي كانت تشعر به أثناء حظر فيروس كورونا المُستجد تحول إلى غضب متجدد. وقالت خلود فواز لـ«ميدل إيست آي»: «بينما كانت العملة تنخفض، كانت قيمة الحد الأدنى لأجر أمي تنخفض أيضًا». وأضافت «بعد ساعة كانت هناك دعوة للاحتجاج».

وانضمت خلود إلى بضع مئات من المتظاهرين الذين تجمعوا أمام مقر البنك المركزي قبالة شارع الحمرا في بيروت. وتخلى المحتجون عن التباعد الاجتماعي وغيرها من التدابير الخاصة بمكافحة فيروس كورونا المُستجد أثناء رشهم بالألوان، كتبوا شعارات ضد الحكومة والبنك المركزي على الجدران، في حين حطم البعض نوافذ البنك.

كانت شرطة مكافحة الشغب – التي ترتدي أقنعة طبية هذه المرة – حاضرة قبل أن ينضم إليها جنود الجيش اللبناني. وبحلول الليل، اندلعت احتجاجات في طرابلس وصيدا، وكذلك في تعلبايا وبلدات أخرى في محافظة البقاع الشرقية. واستمرت الاشتباكات مع قوات الأمن في صيدا، ومع الجيش عبر البقاع حتى الليل. وعادت حواجز الطرق (الكمائن) سيئة السمعة بكامل قوتها على الطرق السريعة الرئيسة، محصنة بحاويات النفايات والإطارات المشتعلة.

توزيع غير عادل للخسائر

ينقل التقرير عن عبيدة التكريتي في طرابلس، وهو عضو الحزب السياسي المستقل «مواطنون داخل دولة» ومؤسس مجموعة النقاش «ساحة ومساحة»، إن الأعباء المالية الإضافية الناجمة عن تفشي فيروس كورونا المُستجد فاقمت بؤس الفقراء في البلاد.

وقال تكريتي لـ«ميدل إيست آي» عبر الهاتف: لديك «انهيار اقتصادي وتوزيع غير عادل للخسائر»، موضحًا أن الظروف المعيشية ما زالت تزداد سوءًا بالنسبة للفقراء وما تبقى من الطبقة المتوسطة المتقلصة. حتى محلات الصرافة في لبنان أغلقت حتى يوم الاثنين احتجاجًا على «الفوضى المجنونة» لسعر الصرف.

وفي هذا الصدد، يمكن القول: إن لبنان على الأرجح يمر بالفعل بأسوأ أزمة مالية في تاريخه؛ الأمر الذي أدى إلى اندلاع انتفاضة شعبية على مستوى البلاد في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

فلبنان، الذي يعد واحدًا من أكثر البلدان مديونية في العالم، تخلف عن سداد ديونه الخارجية الباهظة الشهر الماضي. وعلاوة على ذلك، أدى نقص الدولار الأمريكي إلى تفاقم أزمة الاستيراد الحالية، الأمر الذي قيد حركة البلاد في جلب ما يكفي من الأدوية المنقذة للحياة والمواد الغذائية الأساسية مثل القمح، والوقود.

كان تفشي مرض فيروس كورونا المُستجد في لبنان – على الرغم من أن انتشاره حتى الآن أبعد من أن يوصف بالكارثة – بمثابة لكمة قوية أخرى لاقتصاد البلاد، التي كان في الرمق الأخير بالفعل. وصفت نقابة المطاعم الوضع في البلاد بأنه «ضربة قاضية»، بعد أن واجهت بالفعل عمليات إغلاق وحالات تسريح للعمال ضخمة قبل أزمة الفيروس. في الوقت نفسه دفع الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية المصحوب بإشراف حكومي غير فعال كثيرين للتساؤل عما إذا كانت أزمة الأمن الغذائي تقترب في لبنان.

الغضب العارم

خلافًا للاحتجاجات التي جرت في الخريف الماضي، فإن الجولة الأخيرة من الاحتجاجات في لبنان خلت من الاحتفال، حتى في طرابلس، ثاني أكبر مدينة في لبنان. كان يطلق على لبنان ذات يوم اسم «عروس الثورة» لساحاته المكتظة بالناس الذين يهتفون ضد الحكومة على أنغام موسيقية صاخبة، وكانت الاحتجاجات في طرابلس خلال الأسبوع الماضي يذكيها الغضب العارم.

وقال باسم بخاش، عضو المجلس البلدي في طرابلس، لموقع «ميدل إيست آي»، إن «معدلات البطالة والفقر لدينا وصلت إلى 60%». وأضاف: «وأنا أتحدث عن الوضع قبل الثورة». ويضيف الكاتب أن المتظاهرين في طرابلس تجاهلوا التعبئة العامة والقيود الاجتماعية وحظر التجول الليلي في لبنان، داعين على مدى الأسبوع الماضي الحكومة إلى تعويضهم وإعادة فتح أعمالهم.

يقول كاتب التقرير سوف يتجمع الكثيرون في ساحة النور، وهي نقطة الاحتجاج الرئيسة خلال انتفاضة أكتوبر، بينما يحتج آخرون بالقرب من مقر إقامة رجال الأعمال والقادة السياسيين في المدينة، وبعضهم من أغنى وأقوى الشخصيات في لبنان. كانت حجتهم بسيطة: إنهم يفضلون الموت بسبب فيروس كورونا المُستجد المميت عن الموت بسبب الجوع.

وقال باسم بخاش، عضو مجلس البلدي في طرابلس، لموقع «ميدل إيست آي»، قبل ساعات من اندلاع الاحتجاجات يوم الخميس: «أعتقد أنه لولا فيروس كورونا المُستجد، لتدفق الناس في الشوارع». ووصفت الباحثة المقيمة في طرابلس ماي تميموفا الوضع الاقتصادي بأنه «كابوس»، مضيفة أن العديد من العمال رفضوا الالتزام بعمليات الإغلاق التي تفرضها الدولة.

وقالت تميموفا لـ«موقع ميدل إيست آي»: «تواجه الأسواق، مثل سوق الخضار، والتي يمكن للمرء أن يقول إنها واحدة من أهم مراكز اقتصاد طرابلس، صعوبة في الإغلاق، حيث دخل العديد من البائعين في مناوشات مع قوات الأمن»، مضيفة أن المحلات أغلقت خلال العام الماضي، ولكن بمعدل أكثر إثارة للقلق في الآونة الأخيرة. وقالت في إشارة إلى الباعة الجائلين وعمال السوق: «يضطر الناس إلى النزول إلى الشوارع لكسب عيشهم».

وقال بخاش إنه في حين امتثل الكثير من الناس لعمليات الإغلاق – بعضهم بعد عمليات التفتيش التي قامت بها قوات الأمن ووكالات المخابرات – إلا أنهم سرعان ما تراجعوا عن الالتزام بالقيود المفروضة، في ظل الوضع المتدهور. وأقر قائلًا: «كان علينا أن نتركهم… ونعلم أن قوات الأمن والمخابرات (المديرية العامة للأمن) فعلت الشيء نفسه». و«لم يتمكن أيضًا رؤساء النقابات من إقناعهم» بالإغلاق.

قنبلة موقوتة قابلة للانفجار

سبق لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» أن أخبرت «ميدل إيست آي» بأن رد الحكومة اللبنانية على التأثير الاجتماعي والاقتصادي المروع لتفشي فيروس كورونا المُستجد كان «غير منسق وغير ملائم». ويكافح لبنان لتوزيع منحة مالية لمرة واحدة بقيمة 400 ألف ليرة لبنانية على العائلات المُهمشة المُستضعفة خلال الشهر الماضي. وانخفضت قيمة هذه الدفعة منذ ذلك الحين من 150 دولارًا تقريبًا إلى ما يزيد قليلًا عن 100 دولار.

لبنان

لكن التوزيع المخطط له منذ ذلك الحين تأجل إلى أجل غير مسمى بسبب «أخطاء» في قائمة العائلات، وأحيل الأمر إلى الجيش لفحصه. وقدم مجلس الوزراء خطة أكثر شمولًا تضمنت أيضًا قروضًا بدون فائدة للشركات الصغيرة وأصحاب الأعمال الخاصة، بالإضافة إلى خطة مساعدة نقدية سوف يصوت عليها في البرلمان يوم الأربعاء.

ومع ذلك، وفي ظل مغادرة العديد من النواب بالفعل قبل بدء التصويت على خطة المساعدة، ألغيت بقية الجلسة، لتعذر اكتمال النصاب القانوني. كما ألغيت أيضًا جلسة مجدولة في اليوم التالي. وفي طرابلس، قال بخاش إن البلدية تحاول تخفيف أثر الضربة، لكن هذا حتى لا يكفي.

وبالاتفاق مع «قائمة طويلة من محلات البقالة»، وزعوا  40 ألف قسيمة (كوبون) بقيمة 75 ألف ليرة لبنانية؛ أي أقل بقليل من 20 دولارًا. قال بخاش بحسرة: «لقد رأينا كثير من الناس يقاتلون من أجل الحصول على هذه القسائم». وأضاف: «ثم استثمرنا في توزيع 12 ألف قسيمة أخرى. ولكن هذا لا يزال غير كافٍ». ومما يثير السخرية، أن كل هذا حدث بينما سار المتظاهرون في قوافل السيارات من جميع أنحاء لبنان عبر بيروت، مطالبين بسن قوانين جديدة لتطبيق خطط الدعم الاجتماعي والاقتصادي، وآليات الشفافية، والمساءلة.

وقال محمد فاعور، زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في العلوم المالية والمصرفية في كلية دبلن الجامعية، جامعة الشرق الأوسط، لموقع «ميدل إيست آي»: إن جميع الأحداث التي لا تزال تتكشف أثارت حتمًا احتجاجات متجددة. وأضاف فاعور لـ«ميدل إيست آي»: «إن هذه الاحتجاجات تناشد البرلمان بصوت مرتفع، مصرة على ممارسة عملها كنهج معتاد دون أن تدرك خطورة الوضع هنا». أما «حقيقة عدم اكتمال النصاب القانوني لخطة المساعدة على الرغم من القنبلة الموقوتة القابلة للانفجار الخاصة بالآثار الاجتماعية والاقتصادية فيظهر أن أعضاء البرلمان غير مهتمين حقيقة بالأمر».

إجراءات البنك المركزي اللبناني تزيد الطين بلة

وعبر فاعور عن قلقه حيال تعميمات البنك المركزي الأخيرة التي تدفع لبنان عشوائيًا إلى «جعل كل التعاملات المالية بالليرة فقط» – أو الابتعاد عن العملة الأمريكية – في حين تستمر قيمة العملة المحلية في التدهور.

عربي

منذ شهر
دولة بلا أموال.. كيف ستواجه الحكومة اللبنانية كورونا؟

وقال البنك المركزي في تعميم لافت صدر في وقت سابق من هذا الأسبوع إن المودعين الذين لديهم حسابات بالدولار سيحصلون على النقد بالليرة اللبنانية «بسعر السوق» الذي تحدده البنوك يوميًا، ضمن حدود السحب النقدي لكل مصرف. وقال مصدر في البنك المركزي لوكالة «رويترز» يوم الجمعة إن البنك المركزي اللبناني حدد سعر صرف قدره 3.625 ليرة لكل دولار على أن تطبقه شركات تحويل الأموال (الصرافة)، وهو أقل بنسبة 58% من سعر الصرف الرسمي.

وعندما سُئل عما إذا كان التضخم المفرط يجب أن يكون مصدر قلق، قال فاعور ببساطة «بالطبع». في غضون ذلك يعتقد التكريتي أن الوضع أصبح خارجًا عن سيطرة الحكومة. وقال تكريتي لـ«ميدل إيست آي»: «أشعر بالقلق من هذه المرحلة الحالية: الانهيار». وأضاف: «هذه فرصة أمام لبنان لإيجاد نظام جديد سيسمح لنا ببناء مستقبل أفضل… ولكن هذا لا يعني أن المرحلة التالية لن تكون صعبة للغاية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد