وضعت فرنسا خطةً لإنقاذ مستعمرتها السابقة. لكن الأمور سارت في الاتجاه الخطأ منذ البداية.

بعد مرور ما يقرب من عامٍ على زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبيروت، وإطلاقه مبادرة فرنسية لتخفيف أزمات هذا البلد الذي كان مستعمرةً سابقةً لبلاده، لم يتحقق أي شيء؛ حسبما يخلُص مقالٌ كتبته أنشال فوهرا في مجلة «فورين بوليسي».

تواصل أسعار المواد الغذائية الارتفاع باطِّرادٍ، وتمتد طوابير الراغبين في التزود بالوقود لأميالٍ، حتى الجيش اللبناني – الذي يحرس حدودًا من بين أكثر الحدود حساسيةً في العالم، ليس هذا فقط؛ بل يحافظ أيضًا على السلام الداخلي في مجتمع عميق الانقسامات – يقرع أجراس الإنذار محذرًا من أنه قد يكون على وشك الانهيار بسبب الضغط المالي الذي يثقل كاهل الجنود.

لماذا فشلت خطة ماكرون في إنقاذ لبنان؟

ساهم التدخل الإيراني والخلافات مع الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع حزب الله – الذي يرتدي ثوب الميليشيا المسلحة والحزب السياسي في آنٍ واحد – في تقويض المبادرة الفرنسية مبكرًا.

دولي

منذ 5 شهور
«واشنطن بوست»: ماذا يعني إعلان ماكرون إنهاء العمليات العسكرية في غرب أفريقيا؟

لكن جوهر المشكلة – في رأي الكاتبة المقيمة في بيروت – كان اعتماد نجاح الخطة الفرنسية على الطبقة السياسية نفسها، التي كانت في المقام الأول متهمةً بالتسبب في الكوارث التي ابتلي بها لبنان.

ترى الكاتبة أن رفض النخبة السياسية اللبنانية الشروع في الإصلاحات هو بلا شك أكبر سبب لانهيار الخطة الفرنسية. وكان إحجام فرنسا عن فرض عقوبات قاسية وتكبيد النخبة السياسية ثمنًا باهظًا، بدلًا من الاكتفاء بمناشدته لفعل ما ينبغي فعله، أمرًا ساذجًا للغاية، وكانت له آثار مدمرة في نهاية المطاف، على حد وصف المقال.

في البدء كانت بارقة أمل

في البداية كان هناك أمل. ولا غروَ، فماكرون كان أول زعيم أجنبي يزور لبنان في أغسطس (آب) 2020، بعد الانفجار الهائل الذي دمر مرفأ بيروت، وأدَّى إلى مقتل 200 شخص وإصابة الآلاف وتشريد مئات الآلاف بين عشية وضحاها. بينما كان ماكرون يتفقد الجميزة ومار مخايل، وهما من أكثر الأحياء اللبنانية القريبة من المرفأ تضررًا من الانفجار، كان اللبنانيون يحيطون به، وحزنهم يخيم على الأجواء.

عبر الكثيرون الطوق الأمني، ​​وساروا بين الأنقاض، ليزرفوا الدمع على كتفيه، فيما أراد آخرون فقط أن يحتضنوه أو يشدُّوا على يده، بينما كان سياسيوهم يخبِّئون أذيالهم فَرَقًا من الغضب العام. غذَّت زيارة ماكرون آمال اللبنانيين في أن تمد لهم فرنسا يد العون، وتضع حدًّا لمتاعبهم.

Embed from Getty Images

توضح الكاتبة أن الجميزة ومار مخايل من الأحياء التي يسيطر عليها المسيحيون، وتصطفُّ على جانبي شوارعها الحانات والمقاهي والمباني التراثية، ويرى كثير من سكانها أنهم متحالفون ثقافيًّا مع فرنسا.

من المؤكد أن آخرين، في الخارج، انتقدوا ماكرون ووصفوه بأنه مستعمر جديد. فحتى عام 1943، كان لبنان تحت الانتداب الفرنسي، وكان الفرنسيون يدافعون عن المسيحيين الموارنة، دون المسلمين. ومنذ نهاية الحرب الأهلية في لبنان، اضطلعت فرنسا تحديدًا بدور الوسيط الغربي بين لبنان والمجتمع الدولي لجمع الأموال من أجل الانتعاش الاقتصادي للبنان.

النخبة السياسية اللبنانية تجهض المحاولة

حذرت الحركة الاحتجاجية، التي انطلقت في لبنان خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2019، المجتمع الدولي من ضخِّ أموالٍ تساعد في إنقاذ سياسييهم، وطالبوا بتطبيق إصلاحات سياسية واقتصادية.

عندما عاد ماكرون في زيارته الثانية بعد شهر، في سبتمبر (أيلول) 2020، استدعى السياسيين، ووضع خريطة الطريق الفرنسية للاستفادة من المساعدات الدولية، لكنه جعلها مشروطةً بالإصلاحات، وقال: «لا توجد شيكات على بياض».

دعت خارطة الطريق الفرنسية إلى تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة في غضون 15 يومًا، وإجراء انتخابات مبكرة، وتطبيق إصلاحات على الأقل في قطاع الكهرباء، الذي كان يستهلك من 1.6 إلى ملياري دولار من الأموال العامة سنويًّا، لكنه فشل في توفير مصدر طاقة يفي باحتياجات المواطنين.

يتابع الكاتب: انسوا آليات المساءلة والانتخابات المبكرة، بل أوقف السياسيون اللبنانيون حتى تشكيل حكومة مؤقتة، وهي الخطوة التي كان لبنان في حاجةٍ ماسةٍ إليها من أجل التفاوض مع صندوق النقد الدولي على حزمة الإنقاذ. كانوا يتجادلون بشأن المناصب الوزارية، التي ستُمنح لوكلائهم، حتى يتمكنوا من الاستمرار في اتخاذ القرارات من خارج الحكومة.

دائرة مغلقة أفشلت جميع الوساطات

استقال رئيس الوزراء اللبناني آنذاك حسان دياب بعد أسبوع من الانفجار، لكنه لا يزال رئيس وزراء تصريف الأعمال. وعُيِّن سعد الحريري رئيسًا للوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، لكنه لم يتمكن من تشكيل الحكومة. في البداية، كان على الحريري الاستسلام لحزب الله وحليفته حركة أمل، والتنازل عن وزارة المالية المهمة لمرشحٍ شيعيٍّ. لكن خلال الأشهر القليلة الماضية، كان الحريري يتوجه إلى قصر بعبدا الرئاسي في جبل لبنان، مقر إقامة رئيس الدولة، للحصول على موافقته على التشكيلة الوزارية، وهو إجراءٌ شكليٌّ يتطلبه الدستور.

Embed from Getty Images

وراء تكتيكات المماطلة التي يتبعها الرئيس اللبناني ميشال عون، يتحدث المقال عن ضغوطٍ يمارسها صهره ووزير الخارجية اللبناني السابق، جبران باسيل، الذي يريد حق النقض (الفيتو) في الحكومة، ويصر على منح مساعديه نسبة الثلث زائد واحد في الحكومة.

كان باسيل أحد أكثر السياسيين الذين نالوا ازدراء المحتجين اللبنانيين، وعاقبته الولايات المتحدة بموجب قانون ماجنيتسكي لمعاقبة المتورطين في قضايا الفساد. يقول محللون لبنانيون: إن باسيل ليس لديه ما يخسره من جراء تجاهل الفرنسيين، وإنه يائس من إعادة تأهيله سياسيًّا. وقال العديد من المحللين والمواطنين اللبنانيين الغاضبين إنه يرغب في أن يحل مكان عون المسن رئيسًا، ومن الواضح أن بقاءه السياسي أهم بالنسبة له من بقاء بلاده.

حتى زملاؤه السياسيون يجدون صعوبة في ابتلاع مثل هذا التدليل. يرى النائب اللبناني ياسين جابر أن محبة الرئيس لوريثه يكلف البلاد غاليًا. وقال: «يصر الرئيس على أن يضطلع صهره بدورٍ رئيسي في الحكومة. لكن لن يوافق أي رئيس وزراء، بكامل قواه العقلية، على حكومة يتمتع فيها حزب واحد بسلطة معطلة. ظلت هذه المشكلة تدور في دوائر، وفشلت جميع الوساطات».

قال نزار غانم، مدير الأبحاث والمؤسس المشارك لمركز أبحاث اسمه «Triangle Consulting»: من المفارقات أن المجتمع الذي قام الفرنسيون بحمايته تاريخيًّا، وله صولات وجولات هائلة، هو الذي يخرب مبادرة فرنسا. وأضاف: «كان بإمكان الفرنسيين استخدام علاقاتهم مع البطريرك الماروني لممارسة الضغط على الرئيس الماروني عون، لكنهم لم يفعلوا. وبدلًا من ذلك، منح التدخل الفرنسي الوقت للنخبة السياسية لقتل الزخم الذي اكتسبته حركة الاحتجاج بعد الانفجار.

الآن، لا يزال الناس يعانون، والفرنسيون يريدون المساعدة، لذلك سوف ينثرون بعض المال فوق المشكلة، لكن تلك الأموال ستساعد السياسيين أنفسهم. نحن في حلقة مفرغة».

أي حصان تراهن عليه فرنسا الآن في لبنان؟

تتابع الكاتبة: إنها معركة عض الأصابع بين السياسيين اللبنانيين والفرنسيين، مع إصرار السياسيين اللبنانيين على الانتظار حتى تسوء الأوضاع لدرجة يشعر الغرب معها بأنه ملزم أخلاقيًّا بتقديم المساعدة.

يعترف مصدر دبلوماسي فرنسي، تحدث شريطةَ عدم الكشف عن هويته، بأن سياسة فرنسا لها حدود، ملقيًا مسؤولية تغيير الحكومة على عاتق اللبنانيين. وقال: «يريد اللبنانيون منَّا أن نحل كل مشاكلهم، لكن يتعين عليهم أيضًا أن يدافعوا عن أنفسهم».

يرى غانم أنه لو تضافرت جهود نشطاء المجتمع المدني والمرشحين السياسيين المستقلين، لوجدت فرنسا حليفًا محليًّا، لكن الحركة الاحتجاجية بلا قيادة ومنقسمة. ويضيف: «فرنسا ليس لديها حصان لتدعمه. وهذه مشكلة أيضًا».

Embed from Getty Images

يقول مكرم رباح، وهو محاضر في التاريخ في «الجامعة الأمريكية» في بيروت: إن حزب الله يشجع حليفه باسيل على عدم الاستسلام. وأضاف: لبنان هو ورقة المساومة الإيرانية في المفاوضات الجارية بشأن استئناف الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، وإذا كان حزب الله يريد تشكيل حكومة فلا يقدر باسيل على المقاومة.

زعم محللون لبنانيون آخرون أن فرنسا متساهلة مع حزب الله، وتسمح للتوسع الإيراني بحماية مصالحه التجارية. وقالوا إن انسحاب الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي أضرَّ بصفقات قطع غيار طائرات وسيارات وقعتها فرنسا مع إيران تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات. سخر المصدر الدبلوماسي الفرنسي سالف الذكر من تلك الاتهامات؛ لكنه اعترف بأن خطة الولايات المتحدة الموازية لتحقيق أهدافها الخاصة من خلال العقوبات أحبطت جهودهم.

دولي

منذ 6 شهور
«فورين بوليسي»: كيف تستمر فرنسا في تدمير الديمقراطية في تشاد؟

قبل شهرين، فرضت فرنسا أخيرًا عقوباتها الخاصة على بعض اللبنانيين المتورطين في الفساد، أو عرقلوا تشكيل الحكومة. لكنها لم تُعلِن عن الأسماء المستهدفة، بل اكتفت بتوقيع أخف أنواع العقوبات: مجرد حظر السفر إلى فرنسا.

يتساءل المحلل السياسي اللبناني سامي نادر: «لماذا لم تعلن فرنسا أسماء الأشخاص المستهدفين بالعقوبات؟ هل يحاول الفرنسيون معاقبة النخبة السياسية، أم أنهم لا يزالون يضعون أيديهم في أيديهم؟ نصف هذه التدابير لا ترقى إلى مستوى التدابير أصلًا».

يعتقد معظم الخبراء والناشطين اللبنانيين – الذين استشهدت الكاتبة بآرائهم في ختام مقالها – أن الطبقة السياسية إذا لم تُطبَّق عليها عقوبات قاسية؛ فلن يتغير شيء. أما فرنسا فلا تزال حتى الآن تناقش نظام العقوبات المحتمل مع الاتحاد الأوروبي في بروكسل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد