نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تقريرًا أعده مراسلها في الشرق الأوسط، مارتن تشولوف، تناول فيه معاناة صناعة الإعلام اللبناني في ظل حالة الركود الناتجة عن الأزمات المالية التي تواجهها البلاد في أعقاب المظاهرات التي انطلقت منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي احتجاجًا على الأوضاع السياسية والاقتصادية، مؤكدًا أن الصحف والمحطات التلفزيونية تصارع في الوقت الراهن من أجل البقاء وسط الاختلال الوظيفي الذي تعاني منه الدولة اللبنانية.

أُغلقت محطات إذاعية لبنانية شهيرة، وتوقفت الصحف عن دفع رواتب موظفيها أو خفَّضت تلك الرواتب، وباتت شبكات تلفزيونية كانت يومًا ما ذات نفوذ غير محدود تبحث عن دعم خارجي

وفي البداية، ذكر المراسل أنه: «منذ استقلاله بعد الحرب، قبل ما يقرب من 80 عامًا، كان لبنان ملاذًا لوسائل الإعلام الإقليمية، إذ وفّر منابر للصحافة والإعلام الترفيهي، بينما لم تجرؤ سوى قلة من دول الشرق الأوسط الأخرى على مجاراته في ذلك. 

ورسمت الصحف في لبنان خارطة القضايا الجديرة بالنقاش، ولم تقف المحطات التلفزيونية عند الحدود المرسومة لها بل أقدمت على تجاوزها، وتحدى ملاك هذه المنافذ الإعلامية الحرب والركود، وأنتجوا محتوى يتحدى الروايات الرسمية التي تقدمها الدولة للأحداث.  

ثم جاء الانهيار الذي يمكن أن يأتي على كل شيء؛ ففي الأشهر الثلاثة الماضية، أدى الانهيار المالي الذي كان متوقعًا منذ فترة طويلة إلى إفناء العائدات التي كانت تدعم بقاء الكثير من وسائل الإعلام اللبنانية واستمراريتها. ومنذ ذلك الحين، أُغلقت محطات إذاعية شهيرة، وتوقفت الصحف عن دفع رواتب موظفيها أو خفَّضت تلك الرواتب، وباتت شبكات تلفزيونية كانت يومًا ما ذات نفوذ غير محدود تبحث عن دعم خارجي».

اقتصاد الناس

منذ 7 شهور
«بلومبرج»: مع تفاقم أزمة الاحتياطي.. هذا ما ينتظر اقتصاد لبنان

صراع من أجل البقاء

وأشار المراسل قائلًا: «حتى الآن، في شهر فبراير (شبّاط) وحده، توقفت الصحيفة المحلية اليومية، ديلي ستار، الوحيدة التي تصدر باللغة الإنجليزية، عن إصدار نسخها المطبوعة. وأُغلقت محطة إذاعية كانت تعمل منذ أمد طويل، لفترة تقارب 40 عامًا، وبدأت مجموعة كبيرة من العاملين في البحث عن وظائف أخرى، بينما تكافح المحطات لسداد المستحقات. 

وأدى الانهيار إلى ركود كبير في هذه الصناعة، ودفع موجة جديدة من اللبنانيين إلى البحث عن فرص عمل في الخارج. وبعد أن كان هذا القطاع بمثابة نقطة الانطلاق لمئات من أفضل العاملين في وسائل الإعلام الإقليمية – وبعض من أكثر الصحف تأثيرًا – بدأ يصارع من أجل البقاء والاستمرار. وعانت وسائل الإعلام اللبناني إلى حد ما من الضغوط ذاتها التي دفعت وسائل الإعلام في بلدان أخرى إلى حافة الهاوية، وهي: انهيار الإعلانات التقليدية، والتخلي عن المنصات القديمة، والهجرة الجماعية إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تدفع رواتب».

Embed from Getty Images

غرفة صناعة الأخبار في تلفزيون المستقبل اللبنانية 

واستدرك الكاتب قائلًا: «لكن العوامل الأخرى الناجمة عن الخلل الوظيفي الواسع في الدولة تعني أن لبنان كان بطيئًا في التكيُّف مع النماذج الإعلامية الجديدة. يقول بيار الضاهر، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للمؤسسة اللبنانية للإرسال (إل بي سي): «فعلت لبنان كما يفعل النعام، دفنا رأسنا في الرمال ولم نرغب في رؤية ما يجري حولنا. وأعني بالطبع أن الحكومة لم تتعامل مع الأمر بالأهمية اللازمة. كما أنه لم يكن لديها متخصص يبحث في الأمر».

وأضاف: «كان الأمر يقتضي وضع خطة وطنية لتحويل وسائل الإعلام العادية إلى وسائل إعلام جديدة؛ وذلك لأن الإنترنت كان سببًا أساسيًّا في ذلك. لقد كنا بحاجة للمضي قدمًا بخطًى أسرع بكثير عندما يتعلق الأمر بالألياف الضوئية، الجيل الخامس للأنظمة اللاسلكية (5g)، وكان يجب علينا تخفيض الأسعار. إن تكلفة الإنترنت باهظة هنا، ويجب علينا وضع خطة لتلك الصناعة، وكيفية تحويلها».

وتُعد المنابر الإعلامية البديلة طرقًا شائعة جدًّا لتسجيل الأحداث التي تجري في الشوارع الهادرة، بفضل ما تمتلكه من أصول منقولة عبر الإنترنت، وبدائل منخفضة التكلفة قدمت محتوى للأجيال الشابة من اللبنانيين، وللشبكات الأجنبية التي استخدمت هذه المشاهد المصوَّرة في تعزيز تغطيتها.

تهديد وجودي

ولفت التقرير إلى أن شبكة «إل بي سي» التي يرأسها الضاهر كانت من بين أكثر الشبكات نفوذًا في البلاد، واستأثرت منذ فترة طويلة بحوالي 40% من سوق الإرسال المرئي. ولكنها، ولا حتى منافسيها، لم تكن مرسى لسفينة الشباب اللبناني. بل أصبحت تواجه تهديدًا وجوديًّا، ولم تعد تدفع الرواتب كاملةً للعاملين فيها. ولا غروَ، فعائداتها تنبع إلى حد كبير من الإعلان أو الرعاية التي تقدمها الشركات المحلية، التي توقفت جميعها تقريبًا منذ أن تسببت الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) في فشل الاقتصاد ومعاناته من أجل البقاء.

يقول الضاهر: «أدركنا أن عام 2019 لا يمكن أن ينتهي بصورة إيجابية. ولمسنا بالفعل في الربع الأول والثاني انخفاضًا في الإيرادات بنسبة 35% تقريبًا. وبلغت نسبة الانخفاض الذي حدث في الأشهر الثلاثة الماضية حوالي 80%». ويضيف: «من ناحية أخرى، ما تزال وسائل الإعلام في لبنان، سواء كانت مقروءة أو مرئية، تعتقد أن هناك أوقاتًا جيدة قادمة، مثلما كانت هناك أوقات جيدة في الماضي. ولا يرون أن الانهيار قادم، أو لا يريدون أن يرونه قادمًا».

الأمر مختلف هذه المرة

ويشدد المراسل على أن: «الانتفاضة اللبنانية كانت ذات أهمية كبيرة للشعب اللبناني، الذي يعاني الآن في ظل القيود المفروضة على إمكانية الاستفادة من مدخراته، وتسريح العمال على نطاق واسع، ومعدلات التضخم المرتفعة.

Embed from Getty Images

يقول نبيل بو منصف، نائب رئيس تحرير صحيفة النهار: «نحن نواجه أزمة إعلامية غير مسبوقة في لبنان. لطالما كانت بيروت ملاذًا للصحافيين الأجانب والإقليميين المقيمين في موقعها الاستراتيجي وينعمون بحرية التعبير المتأصلة في ثقافتنا. إن الأزمة المالية التي نشهدها أثرت فينا تأثيرًا شديدًا. ونتيجةً لذلك، شهدنا ارتفاعًا في التحول إلى الصحافة الإلكترونية. ومن غير المقبول أن تسحق هذه الأزمة المالية ما يقرب من 85 عامًا من الصحافة».

وأضاف: «حدثت نكسات كبيرة لوسائل الإعلام؛ نكسات تمكنا من التغلب عليها حتى خلال الحرب الأهلية، لكن الأمر مختلف هذه المرة».

واختتم المراسل تقريره قائلًا: «والآن يُعد حال المراسلين اللبنانيين وعملهم بمثابة السؤال الذي يلح على الضاهر والمالكين الآخرين لوسائل الإعلام. يقول الضاهر: «أستطيع أن أقول لك: إننا ما زلنا متقدمين للغاية عندما يتعلق الأمر بالمواطنين العرب الآخرين، عندما يتعلق الأمر بتقديم نوع المحتوى الذي سيسود في العقد القادم». 

وأضاف: «لكن هذا لا يعني أن الآخرين لا يفعلون شيئًا. إنهم يتحركون، ويتحركون بسرعة كبيرة. وما يزال أمامنا بضع سنوات في موضع القيادة، ويتعين علينا بعد ذلك أن نتكيف مع حقيقة أننا لن نظل القادة أو الملوك في هذا المضمار، بل علينا أن نتقبل حقيقة أن الآخرين سيزاحموننا على هذه المكانة».

عربي

منذ 4 شهور
رئيس الحكومة اللبنانية الجديد.. مرشح حزب الله «الأخف ضررًا» حتى عودة الحريري

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد