نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا لفراس مقصد، أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، علَّق فيه على الحكومة اللبنانية الجديدة التي تشكلت مؤخرًا برئاسة حسان دياب وسط أسوأ أزمة سياسية واقتصادية تشهدها البلاد منذ عقود، والمواجهات بين قوات الأمن ومئات المحتجين، الذين يرى الكاتب أنهم محقون في مطالبهم؛ لأن تشكيلة الحكومة الجديدة تعني أن البلاد ستقترب أكثر من إيران، وهو أمر مخيف، على حد قوله.

في بداية مقاله، ذكر الكاتب أنه: «في يوم الثلاثاء، وبعد ثلاثة أشهر من الاحتجاجات في خضم أزمة اقتصادية طويلة الأمد، أعلنت بيروت أخيرًا عن تشكيل حكومة جديدة، كانت تركيبتها غير مسبوقة من نواحٍ عديدة. وتُعد حكومة رئيس الوزراء الجديد حسن دياب أول حكومة تتشكل بالكامل من التكنوقراط منذ ترسيخ نظام ما بعد الحرب الأهلية في لبنان قبل حوالي 30 عامًا. وتضم الحكومة ​​عددًا قياسيًّا من الوزيرات، لا سيما أول نائبة لرئيس الوزراء ووزيرة الدفاع، ولكن الأخبار السارة تنتهي عند هذا الحد.

وأضاف الكاتب: ستكون حكومة دياب هي الحكومة الأولى من نوعها في تاريخ لبنان بانتمائها حصريًّا إلى التحالف البرلماني بقيادة حزب الله؛ حليف إيران في لبنان. وفي الواقع، يرتبط معظم الوزراء التكنوقراط المزعومين بالمؤسسة السياسية التي أقحمت البلاد في حالتها الحرجة الحالية، والتي تحاول الاحتجاجات الجماهيرية يائسةً انتشال البلاد منها. وبالفعل استخدم المتظاهرون مصطلح «حكومة الهالوين» لوصف العلاقات المُقنَّعة بين الوزراء الجدد وزعماء لبنان السياسيين الفاسدين. ويشير المصطلح أيضًا إلى المعاناة الإنسانية التي تنتظر بلدًا يواجه أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه منذ مائة عام.

 

علوم الثورة

منذ 3 شهور
«فاينانشال تايمز»: ماذا يمكن أن يتعلم ثوار 2019 من الثورة الرومانية 1989؟

حكومة دياب بعيدة عن المطالب الشعبية

وأوضح الكاتب أن تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة يأتي في أعقاب مشاحنات سياسية امتدت لعدة أسابيع على الغنائم بين الحلفاء السياسيين لحزب الله، وهي منظمة تتمتع بنفوذ لا يضاهى في البلاد، بسبب وضعها بوصفها قوة عسكرية بارزة في لبنان. وشركاؤها عبارة عن كوكبة عنيدة من زعماء الطوائف المرتبطة بإيران وسوريا المجاورة عبر ارتباطات متنوعة. ومن بين الوزارات التي رغبوا بشدة في السيطرة عليها وزارات تتيح استخدام موارد الدولة – أو ما تبقى منها – لتوزيع الرعاية السياسية مثل: المالية، والصحة، والخدمات الاجتماعية. ولإنهاء هذا المأزق، تدخلت قيادة حزب الله مرارًا وتكرارًا وهددت في النهاية بإنهاء جميع جهود الوساطة، قبل أن تنبثق أخيرًا حكومة التكنوقراط المزعومة هذه.

والنتيجة هي: إدارة بعيدة عن مطالب الاحتجاجات الشعبية.

Embed from Getty Images

ويقول الكاتب إن «ادعاء هذه الحكومة الجديدة بالاستقلالية عن مؤسسة سياسية فاسدة فسادًا مزمنًا أمر مشكوك فيه في أحسن الأحوال، ومن غير المرجح أن تلبي المطالب الأساسية للاحتجاجات، وأهمها إصدار قوانين انتخابية عادلة وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة. كما أنه من المستبعد أن تنجح في تنفيذ الإصلاحات الأكثر إلحاحًا، لا سيما إنهاء الكسب غير المشروع بملايين الدولارات في قطاع الكهرباء المملوك للدولة، خاصةً وأن الأغلبية البرلمانية التي تعتمد عليها الحكومة الجديدة هي نفسها متهمة بالاختلاس».

خطأ استراتيجي فادح من حزب الله

وأشار الكاتب إلى أن قرار حزب الله بقبول مثل هذه الحكومة التي لا تحظى بشعبية قد يثبت أنه أعظم خطأ استراتيجي يقع فيه. وعلى الصعيد التاريخي، فضَّلت الجماعة الشيعية المسلحة عدم تحمُّل أعباء الحكم الفعلي لبلاد تشتهر سياساته الطائفية بالضعف. وبدلًا من ذلك، ركزت جهودها خارج حدود لبنان، إذ قاتلت إسرائيل المجاورة في بادئ الأمر، ثم قاتلت العديد من خصوم إيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وكان من الضروري إدارة السياسة في بيروت من مسافة آمنة عبر إشراك الحلفاء في الحكم والتوصل إلى حلول وسط مع الخصوم التقليديين أمثال رئيس الوزراء السني المنتهية ولايته سعد الحريري وزعيم الدروز وليد جنبلاط والزعيم المسيحي سمير جعجع.

ومع ذلك، لم تكن هذه المرة الأولى التي بدا فيها أن حزب الله راودته الظنون (مخطئًا على الأرجح) بأنه من الأفضل أن يتحمل عبء الحكم حصريًّا تقريبًا من خلال حلفاء موثوق بهم، وخاصة الزعيم المسيحي ووزير الخارجية السابق جبران باسيل، بدلًا من الموافقة على إصرار الحريري على تشكيل حكومة تكنوقراط تحت رئاسته شخصيًا. وارتأى حزب الله أن الحريري، الذي يتحمل أيضًا بعض المسؤولية عن المستنقع الذي وقعت فيه البلاد ولكنه يتمتع بعلاقات قوية مع الغرب، لا يمكن الوثوق به لأن لبنان يتهاوى وتواجه إيران حملة «الضغط الأقصى» التي تواصل الولايات المتحدة فرضها.

لكن يبدو أن حزب الله لا يقدر تمامًا الصعوبات الهائلة التي تنتظر البلاد. وأي حكومة لبنانية ستكافح من أجل الاستمرار بسبب وطأة الديون التي تبلغ نحو 90 مليار دولار، مما يقلل من الاحتياطيات الأجنبية، وهي العملة التي فقدت أكثر من 30 في المئة من قيمتها منذ أن اشتدت الأزمات في أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وليست هناك بارقة أمل في نجاح الإصلاحات الاقتصادية، نظرًا لعدم وجود أي دعم تقريبًا من جانب المجتمعات السنية والدرزية في البلاد، والدعم المرتبك وسط مجتمع المسيحيين، لتتجاوز خطواتها الأولى، ناهيك عن استعادة النظام الاجتماعي.

قطر قد تنافس السعودية على النفوذ في بيروت

وأوضح الكاتب أنه خلافًا لما حدث في الماضي، عندما فاز حزب الله ببعض التأييد الشعبي على الأقل بعدما امتنع إلى حد كبير عن المشاركة في فساد الحكومة، أصبح الآن معروفًا على نطاق واسع باعتباره صاحب المصلحة الرئيسي.

وفي ظل وجود حزب الله وحلفائه على رأس السلطة، سيكون من الصعب الحصول على المساعدات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها من الداعمين الماليين التقليديين للبنان في أوروبا ودول الخليج العربي، بحسب الكاتب. وتبعًا لذلك، سيتطلب الحصول على حزمة إنقاذ من صندوق النقد الدولي إعادة هيكلة جذرية للأوضاع في البلاد، وهو ما سيؤدي حتما إلى زيادة غضب الشعب، ويسهم في مزيد من الاضطرابات.

Embed from Getty Images

يتساءل الكاتب: «إذًا، إلى من تتجه الحكومة اللبنانية القادمة طلبًا للمساعدة عندما تتعقد الأمور؟».

ويجيب: يأمل بعض اللبنانيين، بمن فيهم رياض سلام محافظ البنك المركزي، في أن تنقذهم قطر، التي يستطيع قادتها بانتظام خوض غمار المياه المضطربة بين إيران والغرب. وساعدت قطر حزب الله في الماضي، وزار أميرها ووزير خارجيتها إيران منذ مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، في 3 يناير (كانون الثاني).

وبالنسبة لقطر، يمكن للمساعدات أن تؤمن لها موطئ قدم في بيروت – المعروفة تاريخيًّا بأنها منطقة نفوذ منافستها؛ المملكة العربية السعودية – فيما تخفف أيضًا من الرد الإيراني المخيف الذي قد يستهدف المصالح القطرية أو المقر الرئيسي للقيادة المركزية الأمريكية في قاعدة العديد الجوية في قطر.

وألمح الكاتب إلى أنه «ربما تعتقد بعض الحكومات الغربية، وخاصة في أوروبا، أن مساعداتها (أو تبرعاتها الخاصة) يمكن أن تعيد الهدوء إلى البلاد وتمنع موجات اللاجئين المستقبلية من الوصول إلى شواطئها. لكن الحكومة المعلنة غير قادرة بطبيعتها على توفير الاستقرار بحكم تكوينها، مما يصرف القوى الشعبية والاجتماعية المهمة عن تقديم مثل هذه المساعدات في حين تشتد الحاجة إلى حكم موثوق وذي قاعدة عريضة».

ماذا عن دور واشنطن؟

وأردف الكاتب أنه بالنسبة للمستقبل المنظور، يجب أن يتمثل هدف واشنطن الرئيسي في محاولة الحفاظ على نفوذها المحدود في بيروت، ومن ذلك نفوذها داخل القوات المسلحة اللبنانية والبنك المركزي، وفي أوساط فلول التحالف المناهض لإيران ذي الميول الغربية. وفي الواقع، يجب على واشنطن أن تحذر الحكومة من تغيير المسؤولين الرئيسيين مثل قائد القوات المسلحة اللبنانية ورئيس البنك المركزي والاستعانة ببدائل أكثر مرونة.

وبتعبير أكثر وضوحًا، يتمثل مسار العمل الأكثر حكمة بالنسبة لإدارة ترامب، المنقسمة حتى الآن بشأن سياسة لبنان والاستمرار في تقديم المساعدة العسكرية للجيش اللبناني، في: الصبر الاستراتيجي.

وفي ختام مقاله، شدد الكاتب على أنه: «يجب على واشنطن أن توفر الوقت لهذه الحكومة التي لا تحظى بشعبية كبيرة، والقوى الإقليمية والمحلية الكامنة وراءها، حتى تنهار تحت وطأة الضغوط العامة. اتركوا الأمر للبنانيين كي يكشفوا الأقنعة عن أولئك الذين وصلوا إلى السلطة على أنهم تكنوقراط مستقلين. والهالوين، والأهوال المرتبطة به، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد».

الربيع العربي

منذ شهرين
ظن البعض أنها خمدت بعد موت سليماني.. ما الذي أشعل مظاهرات لبنان من جديد؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد