تصاعدت الاحتجاجات والتظاهرات إثر صفقة الغاز الأخيرة التي وقعها الأردن مع إسرائيل. ويستعرض الصحافي الأردني محمد عرسان في تقريره على موقع «ميدل إيست آي» شروط تلك الصفقة وما قد يترتب على إلغائها. فضلًا عن سردٍ بسيط لتاريخ التعاون الأردني الإسرائيلي في ما يخص استيراد الغاز.

وإليكم نص المقال:

أدت مجموعةٌ كبيرةٌ من الطعون القانونية، المقدمة في جميع أنحاء الأردن، إلى تعريض آخر صفقات الغاز – المثيرة للجدل – مع إسرائيل للخطر، وفرضت المزيد من الشكوك والضغوط على حكومة رئيس الوزراء عمر الرزاز.

وبعد اندلاع التظاهرات إثر عقد صفقةٍ سابقة، وقَّع الأردن في سرية على صفقةٍ أخرى عام 2016 لشراء المزيد من غاز جيرانها الطبيعي، غير أن هذه الصفقة الأخيرة تسببت الآن في ضجة كبيرة بعد انكشاف تفاصيلها.

وبموجب الصفقة، تقوم شركة «نوبل إنيرجي» الأمريكية وشركة «ديليك» الإسرائيلية بتوفير غازٍ طبيعي، بقيمة 10 مليارات دولار من حقل «ليفياثان» البحري الهائل، لشركة الكهرباء الوطنية (نيبكو) الأردنية التابعة للدولة على مدار 15 عامًا.

Embed from Getty Images

ولكن في مطلع هذا الشهر، قال صالح العرموطي، عضو البرلمان الأردني الذي حصل على نسخةٍ من الاتفاقية وشاركها مع وسائل الإعلام: إنَّ الحكومة ضلَّلت الرأي العام في ما يتعلق بالصفقة، وإن هناك طرقًا عدة تسمح لعمان بالخروج من الاتفاقية، رغم إصرار الحكومة على أن الاتفاق المبرم لا يمكن إلغاؤه.

وأدى تشديد العرموطي على أن الاتفاقية تشتمل على ثغرات قانونية، إلى حشد النشطاء في جماعة «الحملة الوطنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني» الاحتجاجية، وهي عبارةٌ عن ائتلاف من النقابات المهنية وأحزاب المعارضة والمحامين الذين يتابعون القضية منذ عام 2016.

وفي محاكم في مدن إربد ومادبا وعمان والزرقاء والكرك، رفع المحامون حوالي 220 دعوى قضائية نيابةً عن الأردنيين بدون مقابل، في محاولةٍ منهم لوضع حدٍ لشراء الأردن للغاز الإسرائيلي. وبدأ رفع الدعاوى القضائية في يوم الأحد الماضي، واستمرت حتى يوم الخميس.

ووفقًا لهشام البستاني، منسق الحملة، تطالب الجماعة في هذه الدعاوى القضائية بأربعة أشياء:

أولًا: وقف أي معاملات قانونية وتجارية ذات صلة بالصفقة، بما في ذلك أعمال مثل إرساء أنابيب الغاز.

ثانيًا: إلغاء جميع عمليات حيازة الأراضي التي جرت لتنفيذ المشروع، وأن تسلم الأراضي التي صودرت بالفعل إلى ملاكها الأصليين.

ثالثًا: أن تمتثل الحكومة إلى المطالب الشعبية بإلغاء الصفقة، وأن تفعل ذلك دون دفع رسوم الإلغاء المقدرة بـ1.5 مليار دولار، والتي تقول الحكومة إنها ستواجهها.

رابعًا: تطالب الدعوى القضائية بمحاسبة المتورطين في الصفقة.

ووصف البستاني الصفقة بأنها «منافية للعقل» و«كارثية من الناحية السياسية والاستراتيجية والأخلاقية. إذ تدعم الصهاينة وإرهابهم من جانبنا، وتنتقص من سيادة بلدنا واستقلاله في ذات الوقت».

Embed from Getty Images

تفاصيل مسربة

وحسبما كشفت الصحافة الإسرائيلية عام 2016، تنص الصفقة على أن الأردن سيشتري الغاز الذي مصدره «ليفياثان»، أضخم حقول الغاز البحرية في إسرائيل.

وتصل التكلفة الكلية بالنسبة للأردن إلى 10 مليارات دولار، تتسلم منها إسرائيل ثمانية مليارات دولار نظير تزويدا الأردن بـ300 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا لمدة 15 عامًا. كانت الصفقة لتمثل أهميةً خاصة بالنسبة لشركتي «نوبل» و«ديليك»، اللتين لم تُنتجا الغاز من  حقل «ليفياثان» منذ اكتشافه عام 2010. وتشترط الشركات عادةً أن تعقد الصفقات في وقت يسبق إنتاج الغاز من الحقول، إذ إن إنتاجه باهظ التكلفة، لذا فمن المرجح أن الصفقة الأردنية كانت لتفضي عن مزيد من الصفقات في حقل الغاز.

ومنذ أن اكتشفت إسرائيل الغاز قبالة سواحلها قبل ما يزيد قليلًا عن العشر سنوات، كان «تمار» هو الحقل الوحيد الذي يُنتج غازًا للأغراض التجارية. وهو يمد إسرائيل حاليًا بكل ما تستهلكه من غاز تقريبًا. وتعد شركة «البوتاس العربية» الأردنية المملوكة للدولة، وشركة «برومين» المنتسبة إليها، المستهلكين غير المحليين الوحيدين لذلك الحقل.

وأفادت التقارير في السابق بأن أحدث الصفقات قد وقعت بواسطة «شركة الكهرباء الوطنية»، في حين اضطلعت شركة «نوبل إينرجي» الأمريكية بدور الضامن لهذه الصفقة. بيد أن وثيقة الاتفاقية المسربة التي اطلع عليها موقع «ميدل إيست آي»، كشفت أن حكومتي الأردن والولايات المتحدة الأمريكية تضطلعان أيضًا بدور الضامن.

أفضى هذا إلى مخاوف لا تتعلق فقط بإلزام عمان بسداد نفقات الصفقة، بل يعني ذلك أيضًا أنه في حالة عدم قدرتها على سداد هذه التكاليف؛ فستتوقف واشنطن عن تقديم المعونة إلى الأردن في حالة التخلف عن الدفع. وتكشف الوثيقة أيضًا أنه في حال اكتشاف الأردن لمخزونه الخاص من الغاز، ستظل عمان عاجزة عن تخفيض نسبة الغاز التي تحصل عليها بنسبة تزيد عن 20%.

وتنص إحدى التفاصيل التي قال عضو البرلمان إن الرأي العام قد ضُلِّل بشأنها على أن الصفقة لم توقع فقط من قبل شركتي «نوبل إينرجي» و«ديليك»، وإنما وُقعت مع «إن بي إل» الذي يعتبر اتحاد شركات مؤلف من أربع شركات ويضُم الشركتين المذكورتين في عضويته. وتساءل العرموطي عن هوية العضوين الآخرين في اتحاد «إن بي إل».

وفي ما يتعلق بالنفقات، يجب على الأردن دفع 1.5 مليار دولار في السنوات الخمس الأولى، إضافةً إلى 800 مليون دولار مستحقة الدفع بعد مرور 10 سنوات. وفي حال رغب الأردن في إلغاء الصفقة بعد 10 سنوات، يجب عليه دفع غرامة قدرها 400 مليون دولار.

ولم تعلق الحكومة الأردنية على ما كشفه العرموطي مؤخرًا، ولم تستجب إلى طلبات «ميدل إيست آي» للإدلاء بتعليقات. وهدد العرموطي بتقديم اقتراحٍ بسحب الثقة من الحكومة في حال عدم إلغاء الصفقة.

Embed from Getty Images

«أُرهِبَ سياسيًا»

لجأ الأردن، الذي يعاني في ظل اقتصاد معتل، إلى الغاز الإسرائيلي في محاولةٍ منه لفصل نفسه عن اعتماده على الإمدادات التي تصله من مصر. ففي عام 2011، عطلت الهجمات المتكررة على خط الأنابيب بين مصر والأردن إمداد البلاد بالغاز.

وفي مواجهة إمدادات الغاز المتعثرة، أُجبر الأردن على اللجوء إلى الوقود النفطي باهظ التكلفة تلبيةً لاحتياجات الطاقة الخاصة به؛ مما نتج عنه زيادة عجز ميزانيته بنسبة 30%.

وإجمالًا، تكبَّد الأردن خسائر تصل إلى خمسة مليارات دولار نتيجة الهجمات على خط أنابيب الغاز، وجرى تحميل 3 مليارات دولار من هذه التكلفة للمستهلكين من خلال إضافة نفقة إضافية على فواتير الطاقة الخاصة بالجمهور.

وخلال حديثه مع «ميدل إيست آي»، قال العرموطي إن الحكومة الأردنية «أُرهِبَت سياسيًا» باتفاقية عام 2016، وأضاف أنها تعرضت لضغوط من السفارة الأمريكية في عمان للتوقيع. ولكن العرموطي قال: «إن هناك طرقًا للخروج من هذه الاتفاقية، دون الاضطرار لتسديد نفقة الغرامة».

وأردف قائلًا: «تشمل الثغرات القانونية حقيقة أن الاتفاقية لم تعرض على البرلمان قط للموافقة عليها. ويعد هذا انتهاكًا للفقرة الثانية من المادة رقم 33 في الدستور الأردني، التي تنص على أن كل الاتفاقات والمعاهدات الدولية، التي تشكل عبئًا ماليًا على خزانة الدولة وتؤثر على حقوق الأردنيين، تعد باطلة إن لم يوافق عليها. ومن الممكن أيضًا إلغاء الاتفاقية  لأن خط أنابيب الغاز لم يجر الانتهاء منه بسبب رفض النقابات المهنية وملاك الأراضي التي من المفترض أن يمر عبرها خط الأنابيب. وهناك العديد من الدعاوى القانونية المعلقة على هذا الصعيد».

ووفقًا لعضو البرلمان، تنص بنود الصفقة على أنه في حال تمكنت «شركة الكهرباء الوطنية» من إثبات أنها تعاني من مشاكل مادية، فقد تتعرض للتصفية بموجب قانون الشركات الأردني، مما سيؤدي إلى إلغاء الصفقة. عقب انعقاد جلسةٍ عاصفة في البرلمان في مارس (آذار) الماضي، وافقت الحكومة على إحالة صفقة الغاز إلى المحكمة الدستورية للبت في شرعيتها، بيد أن الحكومة لم تفعل ذلك بعد.

وهذه ليست صفقة الغاز الأولى التي يوقعها الأردن مع إسرائيل. ففي عام 2014، وقعت شركة «البوتاس العربية» صفقةً مع شركتي «نوبل إينرجي» ومجموعة شركات «ديليك» أيضًا لاستيراد غاز إسرائيلي قيمته 500 مليون دولار لمدة 15 عام. وبدأ الغاز الذي مصدره حقل «تمار» البحري الإسرائيلي في التدفق إلى الأردن في مارس عام 2017. ووُقِّعت صفقةٌ ثانية لشراء الغاز من «تمار» العام الماضي مقابل 200 مليون دولار.

وبالرغم من معرفة الجميع بوجود صفقات الغاز، إلا أن التكلفة الفعلية التي يتحملها الأردن نظير الوحدة الواحدة من الغاز المشترى من إسرائيل تظل سرًا من أسرار الدولة. ويؤمن البعض أن الأردن يدفع ما يزيد عن سعر السوق العالمي نظير الغاز الذي يأتي من إسرائيل.

«الغاز الإسرائيلي».. الحقائق والأرقام التي لا نعرفها عن حقل غاز «ليفياتان»!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد