نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعدَّه كلٌ من سبنسر إس هسو، مراسل استقصائي يغطي شؤون الأمن الداخلي والهجرة والكونجرس الأمريكي، وكريم فهيم، مدير مكتب الصحيفة في إسطنبول، بشأن إمكانية موافقة السلطة التنفيذية الأمريكية الحالية على طلب المملكة العربية السعودية لمنح ولي عهدها محمد بن سلمان الحصانة القانونية لحمايته من الملاحقة القضائية في عدد من الدعاوي المُقدَّمة ضده في الولايات المتحدة، من بينها اغتيال الصحافي المعارض جمال خاشقجي ومحاولة تصفية سعد الجبري، المسؤول الأمني السابق.

هل يمنح ترامب محمد بن سلمان الحصانة قبل رحيله؟

وفي مستهل التقرير، نقل الكاتبان عن وثائق قانونية متعلقة بالقضية أن الحكومة الأمريكية تدرس طلبًا لمنح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الحصانة القانونية من الملاحقة القضائية الفيدرالية بشأن قضية منظورة أمام المحاكم الأمريكية تتهمه بمحاولة اغتيال مسؤول استخبارات سعودي سابق لأنه قد يُفشي أسرارًا تتعلق بصعود ولي العهد السعودي إلى السلطة.

مواقع أخرى

منذ 5 شهور
ديفيد هيرست: هل يتمكن سعد الجبري من إسقاط ابن سلمان؟

وذكر التقرير أن الحكومة السعودية طلبت من الولايات المتحدة حماية ولي عهد المملكة من الملاحقة والمساءلة ردًا على الدعوى القضائية المُقدَّمة من سعد الجبري، المسؤول السعودي السابق في مجال مكافحة الإرهاب، والحليف القديم للمخابرات، الأمريكية والذي يعيش حاليًا في منفاه بكندا. 

ويرجح التقرير أن تُفضِي توصية وزارة الخارجية الأمريكية بمنح الأمير السعودي الحصانة إلى رفع اسمه من قائمة المتهمين في دعاوى قضائية أخرى قُدِّمت مؤخرًا في الولايات المتحدة، ومن بين هذه القضايا اتهامه باغتيال الصحافي المعارض جمال خاشقجي، وتقطيع جثمانه في عام 2018، وقضية قرصنة بيانات وتسريبها بهدف تشويه سمعة غادة عويس، المذيعة في قناة الجزيرة الإخبارية القطرية، انتقامًا من تقاريرها اللاذعة ضد محمد بن سلمان وولي عهد الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد.

حائط الصد لمنع محاسبة النظام السعودي

واستعرض التقرير ما قاله شخص مقرَّب من عائلة الجبري، تحدث شريطة عدم الإفصاح عن هويته لمناقشة الدعوى القضائية المعلقة والوثيقة، والذي قال: «في الشهر الماضي، وجَّهت وزارة الخارجية الأمريكية استفسارًا إلى محامي الجبري لكي تطلع على رأيه القانوني وتقييماته بشأن ما إذا كان ينبغي عليها الموافقة على الطلب السعودي». وبشأن الدعوى القضائية المعلقة، رفض محامي الجبري وابن سلمان والمتحدث باسم وزارة الخارجية التعليق على الأمر.

وجديرٌ بالذكر أن الطلب السعودي المُقدَّم إلى إدارة ترامب يتزامن مع إدانة وزارة الخارجية الأمريكية وعائلة الجبري والنواب الأمريكيين للرياض بسبب احتجازها اثنين من أبناء سعد الجبري في محاولة لإسكاته. ومع ذلك، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أشد المؤيدين لولي العهد محمد بن سلمان. واختار ترامب السعودية لتكون محَطَّ رحاله في أول زيارة رسمية له إلى خارج البلاد، ويُنظَر إلى السعودية باعتبارها دولة مركزية في جهود الولايات المتحدة لعزل إيران، بالإضافة إلى أنها أحد عملاء الولايات المتحدة المُهمِّين في شراء الأسلحة الأمريكية.

Embed from Getty Images

ويضيف التقرير أن ترامب سعى لمنع جهود الكونجرس في فرض رقابة على الحكومة السعودية، أو انتقادها بسبب انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة. وقد أعرب ترامب، بعد مقتل خاشقجي قبل عامين على يد عملاء سعوديين في إسطنبول، عن شكوكه في أن يكون لابن سلمان دورٌ في عملية اغتيال المعارض السعودي، وهو ما يتناقض مع النتائج التي توصَّلت إليها المخابرات الأمريكية.

إعادة تقييم العلاقات الأمريكية – السعودية

ويشير التقرير إلى أن إقناع الولايات المتحدة بمنح الحصانة القانوني لولي العهد السعودي قد يكون أصعب على السعودية بعد مغادرة ترامب لمنصبه ووصول جو بايدن إلى رئاسة الولايات المتحدة. إذ قال الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن إنه سوف «يُعيد تقييم» علاقة الولايات المتحدة بالسعودية وندَّد بعملية اغتيال خاشقجي. 

وفي بيان بمناسبة ذكرى وفاة الصحافي جمال خاشقجي في أكتوبر (تشرين الأول)، قال بايدن: «إن من حق خاشقجي وأحبائِه أن تُشفَى صدورهم بمحاسبة المتورطين». وأضاف أن إدارته الأمريكية ستوقف الدعم الأمريكي للتدخل العسكري السعودي في اليمن، وتابع قائلًا: «تيقنوا أن أمريكا لن تضَع قِيمَها موضع الشك والريبة من أجل بيع الأسلحة أو شراء النفط». 

حصانة ابن سلمان.. رخصة بالقتل

ولفت التقرير إلى بيان خالد الجبري، وهو الابن الأكبر لسعد الجبري، وطبيب قلب في تورنتو بكندا، بصفته المتحدث باسم العائلة، والذي يرى فيه أن دعم الولايات المتحدة لطلب السعودية بمنح الحصانة لابن سلمان قد يؤدي إلى إعطاء الضوء الأخضر لمزيد من جرائم الاغتيال. وقال خالد: «إذا مُنِحت السعودية ما تريد، فإن الولايات المتحدة تمنح بذلك محمد بن سلمان حصانة للتصرفات التي نجح من خلالها في قتل جمال خاشقجي وفشل في اغتيال والدي. وإن كان عدم المساءلة قضية في حد ذاته، إلا أن إتاحة الفرصة للإفلات من العقاب بمنحه الحصانة يُعد بمثابة إصدار رخصة له بالقتل».

حقوق إنسان

منذ 7 شهور
«ن. تايمز»: سعد الجابري.. صندوق السعودية الأسود الذي لم يستطع ابن سلمان استعادته

وردًا على خطاب كتبه أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي نيابةً عن سعد الجبري وأرسلوه إلى الخارجية الأمريكية، وصفت وزارة الخارجية الأمريكية الجبري، في الوقت الذي قدم فيه الجبري دعواه القضائية، بأنه «شريك مهم» للحكومة الأمريكية، وأوضحت أنها ستعمل مع البيت الأبيض لحل الموقف «بطريقة تُراعِي بعين التقدير ما قدَّمه الدكتور سعد الجبري لبلادنا من خدمات». وكتب رايان كالدال، القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية، قائلًا: إن «أي اضطهاد لأفراد عائلة الدكتور الجبري غير مقبول».

طلب رفض دعوى سعد الجبري

ونوَّه التقرير إلى أن هذه المداولات تأتي بعدما طلب فريق ابن سلمان القانوني وغيره من المتهمين في وقت سابق من هذا الشهر من قاضٍ أمريكي فيدرالي رفض دعوى الجبري القضائية، ووجهوا له وأطفاله ومرافقيه تهمة إساءة الإنفاق، أو سرقة مبلغ مذهل يصل إلى 11 مليار دولار خصصتها الحكومة السعودية لصندوق مكافحة الإرهاب خلال إدارته للصندوق في المدة من عام 2001 حتى 2015.

Embed from Getty Images

وأضاف التقرير أن محاميي ابن سلمان قدَّموا ملفًا مكوَّنًا من 87 صفحة لإحدى المحاكم الفيدرالية في واشنطن، قالوا فيه «إن الخلل والعيوب في هذه الدعوى القضائية واضحة تمامًا وعوارها عميق بشدة لدرجة أنه لا يمكن اعتبارها سوى محاولة لصرف الانتباه عن حجم السرقة الهائل التي ارتكبها المدَّعِي. وبمقدور المدَّعِي أن يقول ما يريد للصحف، لكن هذه القضية لا تخص المحاكم الفيدرالية».

وكان سعد الجبري قد زعم في أغسطس (آب) أن ولي العهد السعودي دبر مؤامرة تنطوي على إرسال عملاء سريين تابعين له إلى الولايات المتحدة لمراقبته (أي الجبري) وعائلته وملاحقتهم، وأن ابن سلمان أصدر أمرًا لفريق الموت المسمى بــ«فرقة النمر» بتصفيته في كندا بعد 13 يومًا من اغتيال خاشقجي في عام 2018، لكن عناصر الحدود كشفوا الخطة وأعاقوا تنفيذها. وزعمت دعوى سعد الجبري أن خطة تصفيته تتشابه مع مخطط اغتيال خاشقجي، الكاتب السعودي المنشق وكاتب العمود في صحيفة «واشنطن بوست».

وألمح التقرير إلى أن الفريق القانوني لابن سلمان لم يتطرق في ردِّه إلى استحقاقات مزاعم الجبري، وهو أمر غير ملزم لكي يُقرر القاضي مقترح رفض الدعوى. لكنهم مع ذلك أكَّدوا من الناحية القانونية على ضرورة رفض القضية، قائلين: «إن الجرائم المزعومة لم تقع داخل الولايات المتحدة، وأن ولي العهد والحكومة السعودية – من بين أمور أخرى – يتمتعان بحصانة سيادية من الادعاءات المدنية في هذه البلاد مثل الحكومات الأجنبية الأخرى».

وفي هذا الصدد كتب مايكل كيلوج، محامي ولي العهد السعودي، قائلًا: «إن حصانة المسؤولين الأجانب من الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة يحكمها مبدأ القانون العام للحصانة السيادية الأجنبية». وأضاف كيلوج أن ابن سلمان «يتمتع بحصانة لا تستند إلى علاقته العائلية المباشرة بملك السعودية فحسب، ولكن أيضًا بسبب منصبه الرفيع المستوى بوصفه ولي عهد المملكة». 

وأبرز التقرير أن المذكرة التي قدَّمها الفريق القانوني المدافع عن ابن سلمان أشارت إلى أن سفارة السعودية قدَّمت طلبًا للحصول على الحصانة في أكتوبر الماضي، وردَّت عليها وزارة الخارجية «بأن الأمر لم يزل قيد النظر». وانتقدت المذكرة دعوى الجبري واصفًا إيَّاها بأنها «غارقة في الدراما، بما في ذلك مقدمتها التي شبهت ولي العهد بأحد أكثر أشرار روايات الكاتب وليام شكسبير. ولكن بغض النظر عن طابعها الأدبي المتميز، فشلت الدعوى في أن تبدو وكأنها مرافعة قانونية».

ابن سلمان ليس ملكًا بعد

ومن المقرر أن يرد الفريق القانوني للجبري على استفسار وزارة الخارجية الأمريكية بعد أعياد رأس السنة الجديدة، ويُتوقَع أن يقولوا إن ولي العهد لم يصبح ملكًا بعد وقد خطَّط لجرائمه بصفته الشخصية، لذا لا ينبغي منحه الحصانة، كما أكَّد الجبري في دعواه الأولية. وتستشهد دعوى الجبري بقانونين أمريكيين أساسيين، وهما قانون حماية الضحايا من التعذيب، الذي يحظر القتل خارج نطاق القانون، وقانون دعاوى الجرائم المرتكبة بحق الأجانب، الذي يسمح للضحايا في مثل هذه العمليات غير القانونية برفع دعوى في المحاكم الأمريكية، وقد سبق للجبري أن نفى مزاعم السعودية بارتكابه للسرقة.

Embed from Getty Images

وأبرز التقرير أن وزارة الخارجية الأمريكية تتشاور في العادة مع غيرها من الوكالات الحكومية الأمريكية قبل إصدار توصية بمنح الحصانة إلى وزارة العدل، والتي يكون طلبها الرسمي عادةً مُلزِمًا للمحكمة الفيدرالية. 

واستشهد التقرير في ختامه بما قاله محللون قانونيون: إن «القرار يُمكن أن يُتخذ بسرعة إذا ما كان يخص رئيس دولة، على سبيل المثال، أو ربما يستغرق شهورًا أو سنوات وفقًا لظروف القضية وتعقيدها. وأن القرار التفضيلي المعروف باسم «مقترح منح الحصانة» ليس سوى خيار واحد. وقد تُصدِر السلطة التنفيذية الأمريكية أيضًا بيانًا إلى المحكمة لمراعاة المصالح، والذي لا يصل إلى مستوى الإعلان الصريح، حيث يقترح حصول المحكمة على مزيد من الاستفسارات أو الإجراءات. أو قد لا تفعل السلطة التنفيذية أي شيء، وترفض الطلب السعودي من الأساس».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد