نشرت مجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية تقريرًا حول الدروس التي يجب على لبنان أن يتعلمها من جيرانه قبل أن يأخذ قرضًا من البنك الدولي، متسائلةً حول الأسباب التي أدَّت إلى استمرار أزمات الدول العربية التي ذهبت إلى صندوق النقد الدولي طلبًا للمساعدة.

وفي البداية تقول المجلة: «ربما تكون هذه هي المرة الأولى منذ سنوات التي يسعى فيها لبنان للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي. ومع تدهور الاقتصاد اتجهت الحكومة الجديدة في البلاد، التي باشرت مهام عملها في يناير (كانون الثاني) بعد أشهر من المساومات، على مضض إلى صندوق النقد الدولي للحصول على المساعدة.

عربي

منذ 8 شهور
حتى لا ننسى.. كيف ساهم البنك والنقد الدوليان في إفقار العراق ولبنان؟

وعُقدَت أول جولة من المحادثات في يوم 20 فبراير (شباط). وإلى الآن يطلب لبنان النصائح الفنية فقط بشأن كيفية إدارة الدين العام الذي يتجاوز 150% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. ويرفض السياسيون اقتراض الأموال من الصندوق، نظرًا للقيود المُصاحِبة لهذه القروض. ولكن قد يكون الاقتراض ضروريًّا. ويساور القلق الاقتصاديين بشأن نفاد العملة الصعبة من لبنان بحلول نهاية العام، مما يترك البلاد عاجزة عن دفع ثمن الواردات اللازمة».

ومع ذلك وقبل الشروع في التفاوض على أي اتفاقية، يمكن لقادة لبنان إلقاء نظرة على جيرانهم؛ حيث كانت الأزمة الاقتصادية بمثابة المقياس في العديد من الدول العربية خلال العقد المنصرم. وحصلت ثلاث دول عربية على قروض من صندوق النقد الدولي. إذ وقَّعت مصر على صفقة بقيمة 12 مليار دولار في عام 2016، وتناقش التوقيع على برنامج متابعة بالرغم من أنه يحتمل أن يكون برنامجًا غير مالي.

كما حصل كل من الأردن وتونس على قرضين. (مُنِح المغرب العديد من خطوط الائتمان الاحترازية، لكنه لم يلجأ إليها). ولكن من ناحية أخرى، وبالنسبة للدول العربية التي لا تتمتع بإيرادات كبيرة من النفط والغاز، احتاج أكثر من نصف هذه الدول إلى دعم من صندوق النقد الدولي منذ 2010».

إجراءات لترويض العجز

ولفت التقرير إلى أن هذه الدول نالت عبارات الثناء والمديح لتنفيذها إصلاحات مالية ونقدية صعبة. وللوفاء بمتطلبات القرض الذي حصلت عليه، اتخذت مصر قرار تعويم عملتها، التي فقدت نصف قيمتها بسرعة، وفرضت ضريبة القيمة المضافة بنسبة 13% (زادت لاحقًا إلى 14%)، وخفَّضت دعم الوقود.

Embed from Getty Images

وقلل الأردن من جانبه دعم الوقود في عام 2012 للتأهل للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي؛ مما تسبب في ارتفاع بعض الأسعار بنسبة 50% بين عشية وضحاها. كما رفعت تونس الضرائب وسمحت بانخفاض الدينار. وساعدت هذه التغييرات، التي تأخر كثير منها، على ترويض العجز في الميزانية.

ومع ذلك لم يخرج أي من هذه الدول من الأزمة على ما يبدو. ووتيرة الفقر في ازدياد، ولا تزال معدلات البطالة مرتفعة. ويتمثل الهدف من الإصلاحات في انطلاق فيضان من الاستثمارات الجديدة، لكن ذلك لم يتحقق بعد.

وفي عام 2011 عندما انتفضت الشعوب العربية ضد قادتها، أقر مسعود أحمد، مدير إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد آنذاك، بأن المنطقة في حاجة إلى «نمو أكثر شمولية». لكن الدول الحاصلة على قروض صندوق النقد الدولي واصلت التركيز على التخفيضات بدلًا عن الإصلاحات الهيكلية».

آلام متوقعة

وأشار التقرير إلى أنه من المتوقع أن تكون هناك آلام على المدى القصير؛ إذ تؤدي الضرائب المرتفعة والدعم المنخفض إلى انخفاض القوة الشرائية بالنسبة للمستهلكين. ووجد تقرير حكومي، أُخفِي لفترة طويلة وصدر أخيرًا في يوليو (تمّوز)، أن معدل الفقر في مصر ارتفع خمس نقاط مئوية منذ عام 2015، حتى وصلت نسبته إلى 33%. وبالرغم من تسجيل أكثر من 9 ملايين شخص في برنامجين جديدين لتحويل الأموال النقدية من الصندوق إلى البلاد، فإن هذين البرنامجين يغطيان أقل من ثلث الفقراء في مصر.

وتوقف الأردن عن نشر معدلات الفقر في عام 2010. ويُعتقَد أن معدلات الفقر ارتفعت ست نقاط منذ ذلك الحين، حتى وصلت نسبته إلى 20%. ويقِّدر البنك الدولي أن 15% من التونسيين يعيشون تحت خط الفقر الوطني.

ولا غَرو إذًا أن تشق الشركات طريقها بصعوبة؛ إذ أظهر مؤشر مديري المشتريات – وهو مقياس للنشاط الاقتصادي – لشهر يناير أن القطاع الخاص غير النفطي في مصر يتقلص بأسرع معدل له منذ نحو ثلاث سنوات.

وأظهر المؤشر أيضًا حدوث توسع في نشاط الشركات خلال ستة أشهر فقط من الـ54 شهرًا الماضية. وتُلقي الشركات باللائمة على ضعف المبيعات. والانخفاض العاجل في الدعم يمكن أن يحول دون بدء المشاريع أو الأعمال.

وبعد سنوات من التقشف غيَّرت الحكومة الأردنية المسيرة فجأة في ديسمبر (كانون الأول)، وأعلنت عن حزمة لتنشيط الاقتصاد وتحفيز الاستثمار. وخفَّضت رسوم الكهرباء الخاصة بالصناعة وخفَّضت الضرائب على الشركات الصغيرة.

تدابير التقشف

وأوضح التقرير أنه عندما وقعت مصر اتفاقيتها مع صندوق النقد الدولي، توقع الصندوق أن يتجاوز الاستثمار الأجنبي المباشر 9 مليارات دولار سنويًّا بحلول يونيو (حزيران) 2017. وهبطت التدفقات الداخلة بالفعل منذ ذلك الحين، حتى وصلت إلى 6.8 مليار دولار في عام 2018، بنسبة انخفاض بلغت 16% عن عامين قبل ذلك. وحقق الأردن 950 مليون دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2018. ويجتذب كلا البلدين اهتمامًا أقل من جانب المستثمرين في الوقت الحالي مقارنةً بما كان عليه الحال منذ عَقْدٍ مضى.

Embed from Getty Images

إن تدابير التقشف مؤلمة، ولكن من السهل تنفيذها. ومن الصعب للغاية إصلاح البيروقراطية المُحطَّمة أو الأنظمة القانونية التي لا يمكن التنبؤ بها. وهناك بعض الدلالات الإيجابية، بدءًا من قوانين الإفلاس الجديدة وانتهاءً باللوائح الأكثر بساطة. لكن لا يزال من الصعب بدء مشاريع تجارية في العديد من الدول العربية.

ويُصنِّف البنك الدولي مصر في المرتبة 171 من حيث سهولة التجارة عبر الحدود: إذ يتطلب الحصول على شحنة من البلاد 136 ساعة عمل، مقارنة بـ32 في المغرب، التي دشنت صناعة سيارات قابلة للنمو والاستمرار. ويحتاج بدء مشروع تجاري في مصر أو الأردن إلى أكثر من أسبوعين، والقيام بزيارات إلى ست جهات حكومية. فيما يمكن بدء المشاريع في الإمارات العربية المتحدة في غضون أربعة أيام.

الحكومات العربية تعرقل بعضها البعض

وألمح التقرير إلى أن نقص الاستثمار لعقود يعني أن العمال يكافحون من أجل المنافسة. ويُصنِّف المنتدى الاقتصادي العالمي تونس في المرتبة 96 من بين 141 اقتصادًا من حيث جودة القوى العاملة. وتحتل مصر المرتبة 99. وبسبب الميزانيات المضغوطة، لا تفعل الحكومات الكثير لحل المشكلة. ويتطلب الدستور المصري من الدولة أن تنفق 4% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم. لكن عادةً ما تتجاهل الدولة هذا الأمر. والآن، يقل الإنفاق على التعليم بالنسبة لكل فرد مما كان عليه في عام 2011.

وتعرقل الحكومات العربية بعضها البعض أيضًا؛ إذ تُصدِّر دول المنطقة 16% فقط من بضائعها إلى بعضها البعض، مقارنة بـ52% بين الدول الآسيوية و63% في الاتحاد الأوروبي. وراهن تقرير صدر مؤخرًا عن المنتدى الاقتصادي العالمي ومجموعة ماجد الفطيم، عملاق تجارة التجزئة في دبي، أن تخفيض التعريفات الجمركية وغيرها من العوائق التجارية من شأنه أن يفتح الباب أمام 130 مليار دولار في أعمال جديدة للشركات. ويقول آلان بجاني، المدير التنفيذي للشركة: «هناك فرص هائلة للنمو في المنطقة، لكنها تتطلب تكاملًا مناسبًا.

وإذا أبرم لبنان صفقته مع صندوق النقد الدولي، فسيكون هناك الكثير من النفقات التي يجب عليه تقليلها؛ إذ تهدر الدولة مليارات الدولارات على دعم الكهرباء وتوفير الوظائف. ونظام سعر الصرف الثابت، المعمول به منذ التسعينات، باهظ التكاليف ويُزيد من تكلفة الصادرات على نحو غير طبيعي.

واختتمت المجلة تقريرها مؤكدة أن «التقشف سيسبب ضررًا بالغًا لبلدٍ ثلث سكانه فقراء. ولن يحل المشاكل الأساسية التي أضعفت لبنان في المقام الأول».

اقتصاد الناس

منذ 8 شهور
بحث في الجذور.. متى توحش الفقر في لبنان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد