كتب نيك تشيسمان، أستاذ الديمقراطية في جامعة برمنجهام، مقالًا يستعرض فيه تداعيات وقوع الانقلابات العسكرية في أفريقيا. ويتناول الكاتب في مقاله الذي نشره موقع ذي أفريكان ريبورت، المتخصص في تغطية الشؤون الأفريقية، الحديث عن حقيقة «الانقلاب العسكري الجيد»، مشيرًا إلى أن تحقيق الاستقرار، وتوفير الوظائف، وتحديد مقدار نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ونوعية الديمقراطية من بين أهم معايير تقييم الانقلاب الجيد. وخلُص الكاتب إلى أن الانقلابات لا تُقدِّم أي شيءٍ يريده المواطنون، ولا تُولِّد سوى المزيد من الانقلابات، فضلًا عن أنها تتسبَّب في إضعاف المؤسسات السياسية القائمة، وتُشجِّع ممارسة العنف السياسي، بل ربما تأذن أيضًا ببداية دوَّامة من الانقلابات المضادة، والصراعات التي من الممكن أن تزيد من احتمالية اندلاع حرب أهلية.

هل يوجد شيء يُدعى «انقلاب عسكري جيد»؟

يؤكد الكاتب في بداية مقاله أن هذا السؤال كان سؤالًا أكاديميًّا إلى حدٍ ما قبل مرور 10 سنوات؛ إذ انخفض متوسط عدد الانقلابات التي تقع سنويًّا في أفريقيا بمقدار النصف بعد عودة تطبيق سياسات التعددية الحزبية في أوائل تسعينات القرن الماضي؛ ما أثار تفاؤلًا بأن معيارًا دوليًّا جديدًا «مناهضًا لشنِّ الانقلابات» سيضع حدًا للأنظمة العسكرية.

وتمثَّل الأمل في هذه الأيام العصيبة في أن يرفض إعلان لومي الصادر عام 2000 (وهو إعلان صدر بعد اجتماع الدول والحكومات الأعضاء في منظمة الوحدة الأفريقية من أجل مناقشة التطورات السياسية، لا سيما توطيد دعائم الديمقراطية، في القارة الأفريقية)، والوعد الذي قطعه الاتحاد الأفريقي والهيئات الإقليمية، مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التغييرات غير الدستورية للحكومات؛ ما يعني أن الحكم المدني سيظل قائمًا.

ويشير المقال إلى أن خسائر شنُّ الانقلابات وفوائدها في أفريقيا لم تعُد مسألة أكاديمية. وبعد سيل من التدخُّلات العسكرية، بداية من التدخُّل العسكري في زيمبابوي في عام 2017، ثم التدخُّل العسكري في تشاد ومالي وغينيا في هذا العام – تمكَّنت النيجر من تفادي وقوع انقلاب على أرضها في مارس (آذار) بشِقِّ الأنفُس – هناك مجموعة كبيرة من النماذج الحديثة التي تستدعي إمعان النظر.

Embed from Getty Images

وأثار هذا الاتجاه مناقشات ملحة بشأن طبيعة الانقلابات التي وقعت في السياق الأفريقي، إذ ركَّزت المناقشات على مسألتين رئيستين: أولها، لماذا عادت الانقلابات مرةً أخرى وهل ستشجع الانقلابات الثلاثة التي وقعت في هذا العام (في تشاد، ومالي، وغينيا) على مزيد من التدخُّل العسكري؟ أما الثانية فهي: هل تؤدي الانقلابات بالفعل إلى تحسين أوضاع الحكومات؟

ويجيب كاتب المقال: هناك كتابات كثيرة تناولت الحديث عن المسألة الأولى، بما في ذلك عدد من المُدوَّنات التي جادلت بأنه إذا أدرك القادة العسكريون أنهم يمكنهم الاستيلاء على السلطة من دون إحداث تداعيات تُذكَر، فسوف «ستشهد القارة مزيدًا من شنِّ الانقلابات قبل انتهاء هذا العَقْد». فيما حذَّر متابعون آخرون للأوضاع في القارة من أن هذا الاتجاه من المُرجَّح أن يقتصر على تلك البلدان التي لديها تاريخ حافل بالتدخُّلات العسكرية. ولا تُمثِّل البلدان التي شهدت وقوع انقلابات مؤخرًا سوى أقل من 10% من جميع الدول الأفريقية، وقد عانت هذه البلدان من وقوع انقلابات سابقة، مع استثناء ملحوظ لزيمبابوي. ولم تخضع عِدَّة دول أخرى للحكم العسكري على الإطلاق، بما في ذلك بوتسوانا، وكينيا، ومالاوي، وتنزانيا، وزامبيا، ولا يوجد سبب يبرِّر أن عمليات الاستيلاء العسكري على مئات الآلاف من الأميال ينبغي أن تغيِّر ذلك الوضع تغييرًا جذريًّا.

ويرى كاتب المقال أنه لا توجد تفسيرات كثيرة توضِّح مدى «نجاح» وقوع الانقلابات بالفعل. ولعلَّ أفضل طريقة للإجابة عن هذا السؤال تتمثَّل في استعراض الأثر الناشئ عن وقوع الانقلابات على مدى الثمانين عامًا الماضية.

ومن المُحزِن أنه إذا نظرنا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية أو نيجيريا، أو غينيا ومالي وزيمبابوي نفسها، فثمَّة قليل من الأدلة التي تفيد أن الانقلابات تُقدِّم أي شيءٍ يريده المواطنون بالفعل. وعلى الرغم من أن الانقلابات غالبًا ما تحظى بشعبية كبيرة في البداية، فإنها لا تُولِّد سوى مزيد من الانقلابات، وليس النمو الاقتصادي والديمقراطية.

ما هو الانقلاب الجيد؟

يجيب كاتب المقال: هناك طُرُق عديدة يمكننا من خلالها تعريف الانقلاب الجيد. وفي ظل مجموعة الخيارات المتاحة، ربما يُعد تحقيق الاستقرار وتوفير الوظائف وتحديد مقدار نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ونوعية الديمقراطية، أفضل المعايير المتعلقة بتقييم قادة الانقلاب وفقًا لطريقتهم الخاصة.

ويضيف الكاتب: عندما كنتُ أتصفح موقع الديمقراطية في أفريقيا (Democracy in Africa)، قرأتُ عددًا لا بأس به من البيانات التي أدلى بها قادة الانقلاب بعد استيلائهم على السلطة مباشرة. وبرَّر معظم هؤلاء القادة الإجراءات التي اتخذوها بِحُجَّة الحاجة إلى حماية البلاد من شكل ما من أشكال التهديد، وغالبًا ما يقال إن هذا التهديد يتمثَّل في الحكومة المدنية السابقة نفسها، التي أضحت فاسدة ومثيرة للانقسام بعد أن فشلت في تحقيق التنمية والاستقرار. وأشار قادة الانقلاب في بعض الحالات صراحةً إلى أنهم قد تدخَّلوا لإنقاذ الديمقراطية من نفسها.

دولي

منذ شهرين
إحداها قادها روائي مشهور.. هل تشهد البلدان المتقدمة محاولات انقلابات عسكرية؟

ومع أنه كان هناك تفاوت شديد في أسلوب هذه البيانات وأولوياتها، إلا أنها تضمَّنت أيضًا بعض الموضوعات المُشتركَة، ومن أبرزها:

  • استعادة سيادة القانون و«الانضباط».
  • استعادة الكبرياء والوحدة الوطنية.
  • تعزيز البنية التحتية والاقتصاد على صعيد وطني.
  • وفي معظم الحالات، التعهُّد باستعادة الديمقراطية في وقت قصير (على الرغم من أن هذا الوقت عادةً ما يكون غير مُحدَّد).

ولذلك، إذا أجرينا تقييمًا لوقوع الانقلابات استنادًا إلى هذه الوعود، فهل شهدت أفريقيا وقوع «انقلابات جيدة»؟

البحث عن الانقلاب الجيد

يعرِّج كاتب المقال قائلًا: دعونا نبدأ بالنقطة الأكثر وضوحًا، وهي البلدان التي نادرًا ما تشهد وقوع انقلاب واحد.

ولننظر إلى دولة بنين، حيث شهدت البلاد بعد وقوع الانقلاب الأول في عام 1963، أي بعد مرور وقت قصير من نَيْل الاستقلال، نجاح أربعة انقلابات أخرى قبل عام 1972، ويبدو بعد ذلك أن بورتو نوفو (عاصمة بنين) شهدت ما لا يقل عن إجراء خمس محاولات فاشلة لشنِّ انقلابات. وتجدر الإشارة إلى أن بوركينا فاسو لديها قصة مماثلة؛ إذ نجح شنُّ أول انقلاب داخل البلاد في عام 1966، ثم اندلاع انقلابات أخرى في أعوام 1980 و1982 و1983 و1987.

Embed from Getty Images

ووفقًا للمقال تتضمَّن قائمة البلدان الأخرى التي شهدت وقوع انقلابات متعددة: بوروندي، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد، وجُزُر القُمُر، وغانا، وغينيا بيساو، وليسوتو، وموريتانيا، ونيجيريا، والنيجر، وسيراليون، والسودان، وتوغو.

وربما تظنَّ أن هذه مجرد سِمَة من سمات الماضي الأكثر سلطوية والأقل استقرارًا، بيد أنَّ هذا النمط ينطبق أيضًا على البلدان التي شهدت وقوع انقلابات في هذا العام، ولعلَّ أحدث الانقلابات هو الانقلاب الذي وقع في غينيا بعد أن أطاح الرئيس ألفا كوندي.

ويؤكد المقال أن ما أغفله كثير من الأشخاص الذين كتبوا منشورات عبر الإنترنت للاحتفال بالانقلاب بأريحية هو أن كوندي تولَّى مقاليد السلطة بعد إجراء انتخابات في عام 2010، والتي نظَّمها النقيب موسى داديس كامارا، الذي استولى على السلطة بنفسه بعد أن شنَّ انقلابًا في عام 2008. وبالمثل أسهم الانقلاب الأخير الذي وقع في مالي في إعادة السلطة إلى العقيد أسيمي جويتا، وهو الشخص ذاته الذي أطاح الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في انقلاب شنَّه قبل عام واحد فقط.

وبعبارة أخرى لا تضع معظم الانقلابات حدًّا لوقوع انقلابات أخرى، ولا تأذن ببزوغ فجر جديد من الاستقرار والازدهار. ولم تستَعِد الانقلابات التي وقعت في أي بلد من البلدان سالفة الذكر تقريبًا سيادة القانون وتعزيز البنية التحتية وإرساء دعائم الديمقراطية بالفعل، على الأقل في أية حقبة زمنية طويلة. وبدلًا عن ذلك أثبت قادة الانقلاب في كثير من الأحيان أنهم لا يهتمون سوى بتحقيق مصالحهم الذاتية، فضلًا عن اتِّسامهم بالاستهتار والفساد على غرار الأنظمة التي أزاحوها وأخذوا مكانها.

أفضل السيناريوهات

ولا تعني هذه التداعيات أن الانقلابات لم تهيئ فرصًا للوصول إلى حكومات أكثر فعالية، وآية ذلك أن بعض قادة الانقلابات، مثل النقيب كامارا، أطاحوا برؤساء معتدين وأوفوا بما عاهدوا الشعوب عليه.

وينوِّه الكاتب إلى أنه سيستعرض، في مقال العمود القادم، بعض أفضل الانقلابات المُرشَّحة لأن توصَف بأنها «انقلابات جيدة»، بما في ذلك الإطاحة بالرئيس هيلا ليمان على أيدي الملازم طيار جيري راولينجز في غانا عام 1981 وإطاحة الرئيس المستبد موسى تراوري، الذي حكم مالي منذ أمدٍ بعيد، على أيدي المُقدِّم أمادو توماني توري عام 1991.

Embed from Getty Images

غير أنه في بعض هذه الحالات من الواضح أن الانقلابات تسببَّت في ظهور عدد من المشكلات كما وجدت حلولًا لغيرها. على سبيل المثال أسفرت مرحلة انتقالية قصيرة بعد وقوع الانقلاب المالي عام 1991 عن إجراء انتخابات متعددة الأحزاب وظهور نظام سياسي وصل إلى بعض أعلى مستويات الحريات المدنية في القارة.

ويوضح المقال أن هذا الأمر له فائدة في توطيد الديمقراطية. بيد أن حقيقة أن الجيش، وليس احتجاجًا شعبيًا يخضع لقيادة مدنية، أطاح بالنظام الاستبدادي تعني أنه لا توجد علاقة وطيدة بين الأحزاب السياسية والمواطنين. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن الديمقراطية في مالي استندت إلى أضعف المؤسسات، وهو ما أسهم في تسهيل انهيارها بعد ذلك.

ولذلك فمن المهم ألا نُقلِّل من حجم الضرر طويل الأمد الذي يمكن أن تتسبَّب الانقلابات في وقوعه، حتى في الأماكن التي قد يُنظر إليها باعتبارها حقَّقت نجاحًا. وإذا قوَّضنا الدستور، وأظهرنا مدى سهولة الاستيلاء على السلطة من خلال فوَّهة البنادق، فسوف تتسبَّب الانقلابات في إضعاف المؤسسات السياسية القائمة وتشجيع ممارسة العنف السياسي. وربما تأذن أيضًا ببداية دوامة من الانقلابات المضادة والصراعات التي يمكن أن تزيد من احتمالية اندلاع حرب أهلية، على غرار ما حدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا.

وهذا بدوره يُسهِّل عسكرة الدولة، ويقوِّض العمليات الأساسية الرامية إلى إحلال الديمقراطية، فضلًا عن أنه يُمكِّن القادة العسكريين السابقين من الاستمرار في الهيمنة على المشهد السياسي على مدى عقود من خلال خلع ملابسهم العسكرية وارتداء ملابس مدنية.

ويؤكد الكاتب في نهاية مقاله أن هذا الأمر لا ينطبق فقط على الانقلابات، بل ينطبق أيضًا على الإستراتيجيات غير الدستورية بصورة أعم. وإذا كان هدفك الحقيقي يتمثَّل في تعزيز سيادة القانون، فالاستيلاء على السلطة من خلال تحطيمها يعني أنك بدأت طريقك بهزيمة ذاتية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد