في ظل تصاعُد التوتر بين واشنطن وطهران، يرى كثيرون أوجُه تشابُه بين الفترة التي سبقت حرب العراق في عام 2003 وسلوك إدارة الرئيس دونالد ترامب العدائي تِجاه إيران، بما في ذلك الخُطب القارِعة لطبول الحرب. لكنَّ بول بيلار، الزميل الأقدم غير المقيم بمركز الدراسات الأمنية بجامعة جورج تاون الأمريكية، يشير في مقالٍ نشرته مدونة «لوب لوج» إلى أنَّه حتى وإن بدت تلك الخُطب مأخوذةً من السيناريو ذاته، فإنَّ الوضع اليوم يشبه أكثر ما وقع منذ نصف قرن، مما يتجاوز الذاكرة الحية لمُعظم الأمريكيين، تحديدًا في مياه خليج تونكين في شهر أغسطس (آب) عام 1964.

أرادت الإدارة الأمريكية وقتذاك إظهار بعض الصرامة تِجاه دولةٍ آسيوية كانت تُعتبر خِصمًا لها، وهي فيتنام الشمالية.

مترجم: هل تبدأ الحرب؟ ما يخبرنا به التاريخ عن استعراض أمريكا لقوتها العسكرية

أوضح بيلار أنَّ ليندون جونسون، الذي أصبح رئيسًا للولايات المتحدة بعد تسعة أشهر من اغتيال جون كينيدي، كان يواجه باري جولد ووتر في الانتخابات الرئاسية، وكان عليه أن يوازن بين صورته على أنه مُرشّح يحب السلام ويملك الجرأة الكافية لاستخدام القوة عند الضرورة.

حاول جونسون تفسير المناخ السياسي بهذه الطريقة في محادثةٍ هاتفية مع وزير دفاعه روبرت ماكنمارا، عندما بدأت حادثة تونكين تتكشّف: «كل الأشخاص الذين يُهاتفونني يشعرون جميعًا بأنَّ البحرية الأمريكية استجابت بشكل رائع … لكنَّهم يريدون أن يتأكّدوا من أنني لن أسحبهم للخارج وأهرب. هذا ما تريده البلاد بأكملها في الوقت الذي يتحدّث فيه جولد ووتر عن الطريقة التي سيُفجرهم بها».

في ذلك الوقت، وكما هو الحال الآن، كانت الولايات المتحدة تنشر قواتها العسكرية بحزم للانقضاض على خصمٍ مُحتمل، موصلةً الوضع لحافة الهاوية. وكانت القوات البحرية الأمريكية والفيتنامية الجنوبية تجري عمليتين في ذلك الوقت في خليج تونكين.

تمثَّلت العملية الأولى في جمع معلوماتٍ استخباراتية باستخدام سفنٍ حربية أمريكية، بما في ذلك المدمرتان المُشاركتان في الحادث وهما «مادوكس» و«تيرنر جوي». أما الأخرى فكانت سلسلة من الغارات الفيتنامية الجنوبية وعمليات تسلّل على طول الساحل الفيتنامي الشمالي. ورغم أنَّ العمليتين كانتا منفصلتين، فمن غير المرجح أن يكون الفيتناميون الشماليون قد نظروا إليهما بهذه الطريقة.

بعد ذلك، وكما هو الوضع الآن، استخدم صُناع السياسة في الإدارة الأمريكية حادث خليج تونكين عمدًا ذريعةً لشن غاراتٍ جوية ضد الخصم الفيتنامي، رغم أنَّ فيتنام الشمالية لم تكن تهدد المصالح الأمريكية بأي تحركاتٍ أخرى عدا الحادث المزعوم.

سبب حادثة تونكين.. هجومٌ ربما لم يحدث

يروي بيلار أنَّه لم يكن هناك أدنى شك فيما حدث يوم 2 أغسطس (آب) 1964، حين أطلقت زوارق دورية فيتنامية شمالية النار على المدمّرة «مادوكس»، والتي كانت متمركزة بالقرب من ساحل فيتنام الشمالية، فتقهقرت بسرعة بعيدًا إلى مياه الخليج.

وتابع موضحًا أنَّه بعد ذلك بيومين، أفادت أطقُم المُدمّرتين «مادوكس» و«تيرنر جوي» بتعرّضهما لهجومٍ مرةً أخرى، مُستشهدين بإشارات الرادار والسونار وجهود البحّارة على سطح السفينة لفهم بريق الضوء الذي ظهر على المياه المُظلمة التي اجتاحتها الرياح. وإذا كان قد وقع بالفِعل هجومٌ يوم 4 أغسطس (آب)، يُشير بيلار إلى أنَّه كان سيحظى بأهميةٍ أكبر من سابقه، لأنَّه كان سيدل على أن فيتنام الشمالية لديها نوايا عدوانية تمتد إلى ما وراء حماية ساحلها.

Embed from Getty Images

لكن بحسب الباحث، فإنَّ دراسةً وافية حول هذا الشأن أُجريت لاحقًا، وأظهرت أنَّه لم يقع هجومٌ ثانٍ، إذ يبدو أنَّ إدارة جونسون قفزت إلى استنتاجها المُفضّل دون انتظار الأدلة. فالصحافة سرّبت تقارير بشأن الهجوم الثاني، وهو ما صعَّب على إدارة جونسون إمكانية التراجُع عن حُكمها إزاء الحادث المُبلّغ عنه أو الضربة العسكرية الانتقامية، دون أن تُتّهم بالتستُّر بجبن على هجومٍ ضد القوات الأمريكية، وأصدر البنتاجون بيانًا أكد خلاله بشكلٍ قاطع أنَّ فيتنام الشمالية هاجمت حاملتي «مادوكس» و«تيرنر جوي» في المياه المفتوحة لخليج تونكين.

ووصف بيلار عملية البحث عن دليلٍ لدعم هذا الادعاء بأنَّها كانت «ذات نيتةٍ مبيتة دون خجل»، إذ بدا ذلك جليَّا في رسالةٍ أصدرتها هيئة الأركان المشتركة في 6 أغسطس (آب)، جاء فيها: «هناك حاجة مُلحة لإثباتاتٍ وأدلة على شن القوات البحرية لفيتنام الشمالية لهجومٍ ثانٍ … يجب أن تكون المواد المُستخدمة في الهجوم من النوع الذي من شأنه أن يُقنِع منظمة الأمم المتحدة بأنَّ الهجوم قد حدث فعلًا».

وبحسب المقال، توصَّل خبراء الاستخبارات إلى قناعةٍ بأنَّ الإدارة الأمريكية كانت تسعى إلى تحويل عدوان فيتنام الشمالية المزعوم إلى «قضية»، دون التركيز على أي قصورٍ في الأدلة.

ويتذكَّر ضابط بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية كان قد حضر اجتماعاتٍ ذات صلة في وقتٍ لاحق: «علمنا أن ما نحصل عليه من معلوماتٍ من الأسطول السابع لم يكُن إلا معلوماتٍ غير صحيحة، لكن قيل لنا أن نُقدّم حقائق فقط دون تفاصيل حول طبيعة الأدلة … كان الجميع يعرف كم كان الرئيس ليندون جونسون مُتقلّبًا. لم يكن يرغب في التعامل مع الأشياء الغامضة المشكوك فيها».

ولفت الباحث إلى أنَّ مُحلِّلي وكالة الأمن القومي المُكلَّفين بتفسير مواد غامضة مُعترضة من اتصالات فيتنام الشمالية عَمِلوا في البيئة نفسها. ففي دراسةٍ لاحِقة أجراها مؤرخ داخل وكالة الأمن القومي، انتقد المؤرخ عملهم بسبب إساءة تفسير الإشارات القليلة المُعترضة، التي أصبحت جزءًا من قضية إدارة جونسون، وعدم توفير كمية كبيرة من الأدلة التي تتعارض مع القضية. وقال المؤرخ: «على الأرجح تعرَّض موظّفو الأمن القومي لقدرٍ كبير من الضغط من أجل تقديم دليل».

ويشير بيلار بناءً على هذا إلى أنَّ التسييس كان كافيًا لحسم الموقف. فمرَّر مجلس الشيوخ الأمريكي قرار خليج تونكين، الذي أصبح تفويضًا من الكونجرس ليس فقط لتوجيه غاراتٍ جوية ضد المُنشآت البحرية لفيتنام الشمالية، لكن أيضًا لشنّ حربٍ برية قُتِل فيها 58 ألف أمريكي.

مُفاجأة مُحتملة في الخليج العربي

يوضح بيلار أنَّ اختلاق حادثة مُماثلة اليوم وتحويلها إلى أسبابٍ منطقية لتبرير شن هجومٍ عسكري لا ينطوي فقط على ما إذا كانت الحادثة قد وقعت بالفِعل، بل أيضًا هوية المسؤول عمَّا حدث. وما انتشر بشأن تخريب ناقلات نفط قُبالة ساحل دولة الإمارات العربية المُتحدة هو مُجرد مثال لنوع الحادث الذي يُمكن استخدامه بهذه الطريقة.

Embed from Getty Images

وكما حدث مع فيتنام عام 1964، فإنَّ الساسة مُعرّضون للانجراف في دوامةٍ من الانتقام والعداء. وبالنسبة للصراع الحالي، فإنَّ التحيّز الحزبي من شأنه أن يُبرز هذه النزعة بين أعضاء حزب الرئيس دونالد ترامب في رأي الباحث.

والتفسير المُسيَّس وانتقاء المعلومات المُتناثرة والغامضة على الأرجح سيكون جزءًا من تلك العملية في الوقت الحالي، كما كان جزءًا من حرب العراق في عاميّ 2002 و2003، التي شهدت زياراتٍ متكررة لنائب الرئيس ريتشارد تشيني (ديك تشيني) إلى مقر وكالة المخابرات المركزية، من أجل الضغط على مُحللي الوكالة لاختلاق أي شيءٍ من شأنه أن يدعم «التحالف» المزعوم بين العراق وتنظيم القاعدة الذي روجت له الإدارة الأمريكية.

فالآن يعقد مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون لقاءاتٍ في مقرات وكالة المخابرات المركزية لبحث الملف الإيراني. ولم يُكشف عن الموضوعات الرئيسية محل النقاش، لكن بالنظر إلى تاريخ بولتون الشخصي الحافِل بمحاولاته لتسييس جهاز الاستخبارات بشكل سافِر، يُحتمل تكرار شيءٍ مُماثل لحيلة ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي الأسبق.

ويخلص بيلار في النهاية إلى أنَّ المسؤولية الرئيسية لمواجهة مثل هذه المناورات المُدمّرة تقع على عاتق الكونجرس، الذي بخِلاف العامة يُمكنه الوصول إلى المعلومات السرية. وأشار إلى أنَّه بينما يبلغ مُتوسط عُمر أعضاء الكونجرس الحالي 58 عامًا في مجلس النواب و62 عامًا في مجلس الشيوخ، مما يعني أنَّ أغلبهم كان طفلًا صغيرًا وقت حادث خليج تونكين، ورُبما لا يتذكر شيئًا عن تلك المرحلة، بخلافه لكبر سنه وكونه قد خدم في الجيش خلال حرب فيتنام، لكنَّ تسليط الضوء على هذا الجزء المؤسف من تاريخ الولايات المتحدة رُبما يُساعد في تجنّب إضافة فصل مؤلّم مروع جديد إلى ذلك التاريخ.

«ناشيونال إنترست»: مع من سيقف الأكراد في حال الحرب بين أمريكا وإيران؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد