724

وصف الكاتب الصحافي البريطاني روبرت فيسك في مقال له في صحيفة «الإندبندنت» زيارته إلى مكتب الزعيم الألماني أدولف هتلر في مدينة ميونيخ الألمانية.

وأوضح أن السيدة المسئولة عن المكان قابلته هو ومرافقه بابتسامة كبيرة وأعطتهما مفتاح غرفة هتلر النحاسي القديم. وعندما دخلا الغرفة، شاهدا الألواح والأرضيات الخشبية، وكان هناك الموقد الرخامي الذي كان قد رآه مرات عديدة في الصحف.

لم يكن هذا مجرد مكتب هتلر – يؤكد فيسك. ففي هذه الغرفة، وُقعت معاهدة ميونيخ في عام 1938، وهو المكان الذي وقع فيه الإنجليز ممثلين في رئيس الوزراء نيفيل تشامبرلين، ووزير الخارجية هاليفاكس،  والفرنسيون ممثلين في رئيس الوزراء إدوارد دالادييه، والإيطاليون ممثلين في موسليني -بالطبع- وكونت جالياتزو تشانو، اتفاقية التنازل عن تشيكسلوفاكيا.

تظهر الأفلام هتلر يجلس في مكتبه أمام الموقد الرخامي، حيث سيظفر بتشيكوسلوفاكيا في العام التالي. ويشير فيسك إلى أن صديقه العجوز – وهو من الأقلية الألمانية التي تعيش في تشيكوسلوفاكيا – كان قد اضطر إلى الفرار من منزله في نهاية الحرب وهو طفل. يقول صديقه «هذا هو المكان الذي بدأت فيه الحرب العالمية الثانية وتخلوا عن وطني».

ويشير فيسك إلى أن صديقه ما يزال يتردد على مسقط رأسه في كارلسباد – المعروفة اليوم باسم كارلوفي فاري – ويدفع لشخص ما لرعاية قبور الأسرة. لم يشعر أحد في نهاية الحرب بتعاطف كبير مع الألمان في سوديتن. كان هتلر قد حض السوديين النازيين على المطالبة بالاستقلال عن التشيك، وتمت هذه الصفقة في ميونيخ، وعُرفت باسم «الترضية». لكنها في الواقع غرفة مثيرة للسخرية، ومظلمة، وتعج بالألواح، ومملة، وذات نوافذ طويلة، وتقع في مبنى ضخم يعود إلى الثلاثينيات، وتفتقر إلى الخيال.

وينوه فيسك إلى أن الغرفة باتت الآن جزءًا من مدرسة للموسيقى والمسرح، بعد أن ظلت لعدة سنوات مركزًا ثقافيًا أمريكيًا. وليس هناك ذكر للرجل الذي كان مقر حزبه يقع هنا. يقول إنه سأل بعض الألمان عما إذا كانوا يعرفون من كان يعمل هنا، فأجابوا بنعم. وأكد أنه زار الشرفة التي أطل منها هتلر على جموع المحتشدين، لكنه لم يجد النسر الذي يظهر في الصور. وبجانب المبنى، كانت تقع أضرحة النازيين «الشهداء» ولكن جرى تفجيرها بعد الحرب؛ وما تزال الشجيرات البرية التي تنمو في الموقع شاهدة على جرائم الحرب المرتكبة من قبل هتلر. ولكن السلالم الرخامية الكبيرة التي تقود إلى غرفة هتلر لا تزال سليمة.

يقول فيسك إن الإنجليز شاركوا في خيانة التشيك وضمان أن اليهود هناك سيذهبون إلى معسكرات الإبادة. وحقيقة أن القنصلية الإسرائيلية قد شيدت خلف المكاتب النازية القديمة تبدو مناسبة نوعًا ما. وهناك المتحف الحديث حيث يمكنك مشاهدة النشرات الإخبارية الأصلية لاتفاق ميونيخ.

ثمة صور لتشامبرلين وهو يصل إلى مطار ميونيخ – يشير فيسك – وهناك لحظة غريبة في نهاية هذه اللقطات عندما يرفع قبعته تحية للجنود الألمان حوله، وقد بدا سعيدًا. وقال إنه يعلن السلام في عصرنا. وبعد ذلك يظهر وهو يسير على الدرج برفقة دالادير وهاليفاكس وموسوليني. بينما رفرفت الأعلام البريطانية والفرنسية العملاقة أمام مقر الفوهرر.

يضم هذا المتحف المتواضع أشياء مثيرة للصدمة – يواصل فيسك حديثه – فهناك صور لفوج ميونخ وهو يقوم بإعدام الرهائن. وهناك صورة رهيبة لخمس شابات أعدمتهم فرقة مونيتش لإطلاق النار في سلوفينيا بعد احتلال يوجوسلافيا، وهن تتمددن على الأرض مثل الدمى. تركت الفرقة الجثث ملقاة بلا مبالاة. وهناك بالطبع صور مألوفة للقضاء على يهود أوروبا.

يجدر تذكر هذا المتحف – وهذه الغرفة – بعد أن عاد اليمينيون إلى الحياة السياسية في ألمانيا. في مقابلة معهم بعد انتصارهم، وصف قادة حزب البديل من أجل ألمانيا المهاجرين – ويعني المسلمين بالطبع – بأنهم «أناس غرباء ذوو قيم غريبة وأتوا من دول غريبة». ويؤكد فيسك أنه تذكر مقولة تشامبرلين عن تشيكوسلوفاكيا بأنها «بلد بعيد لا نعرف عنه شيئًا». لا يمكن الافتراض أن تشامبرلين كان يكره التشيك، لكنه بالتأكيد كان يزدريهم. فلم يُدعوا إلى مؤتمر ميونيخ. وهناك فجوة ضيقة بين الكراهية والازدراء.

وُقع الاتفاق في الساعات الأولى من صباح يوم 30 سبتمبر (أيلول) من عام 1938. وقد وصف إي جي تايلور هتلر بأنه «انتهازي» في ميونيخ. لكن إيان كيرشو يقول إن هتلر شعر بالخداع؛ إذ أنه أراد الحرب. وما لبث أن انتهك هتلر الاتفاق واحتل البلد كله، ووقف خصومه متفرجين. كان هناك بعض التذبذب الخفيف في ميونيخ. وقد لاحظ الوفد التشيكي المنتظر في الخارج أن تشامبرلين يتثاءب.

خفتت المعارضة لهتلر داخل الفيرماخت، لأن الديمقراطيات الغربية ستعطي هتلر ما يريد دون حرب. وكان تشرشل على حق عندما حث الغرب على ضم ستالين إلى جانبهم. لكن تشامبرلين لم يكن مهتمًا بالتحالف مع السوفييت. على أية حال، لم تتم دعوتهم إلى ميونيخ. وسيتفق ستالين مع هتلر قبل الغزو الألماني لبولندا، وحينها بدأت الحرب الحقيقية. ولكن في عام 1945، سيصل الجيش السوفييتي قبل برلين أمام البريطانيين والفرنسيين.

يعتقد فيسك أن تشامبرلين شخصية وضيعة. فهو يبدو متغطرسًا في الفيلم، ومعتدًا بنفسه، ولا بد أنه شعر بالراحة عند تجوله في المكان. يقول صديقه الألماني إنه لا يستطيع أن يفهم لماذا سمحت الديمقراطيات لهتلر بالإفلات بجريمته. ويلاحظ فيسك أن «الترضية» هي الطريقة التي يجري التعامل بها مع أي شخص يعارض الحرب، الحرب في أفغانستان، والحرب في العراق، والحرب في ليبيا. لا تسكن الأشباح مقر حزب هتلر السابق الآن. كما أن إرث تشامبرلين في تلك القاعة يبقى معنا، باعتبارها أداة لإثبات أن الحرب ضرورية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك