«النزعات المعادية للعقلانية تجلي الطريق أمام انتشار الديماغوجيين الشعبويين عبر الديمقراطيات الغربية»

هكذا  صاغها «جيمس تروب»، الصحفي، وزميل مركز التعاون  الدولي بنيويورك، والعضو بمجلس العلاقات الخارجية، في مقاله المنشور في مجلة «فورين بوليسي» عن أثر القادة الشعبويين في أزمة الديمقراطية الليبرالية، وانتشار الديمقراطية غير الليبرالية.

 

يبدأ مقالته بعرضٍ سريعٍ لتجربته، أثناء تواجده في بولندا،  مطلع العام الحالي، فيقول إنه لم ينفك يسأل الجميع: كيف لأمةٍ ـ يُضرب بها المثل في التزامها بالديمقراطية الليبرالية ـ أن تنتخب حزب «القانون والعادلة»؛ الذي يدعم ـ بوضوح ـ القومية، والتقاليد الدينية، وكراهية الأجانب؟

وما أثار دهشته، هو: العدد القليل الذي تمكن من إعطائه رد، أو الذي قابل تساؤله بسؤاله «وماذا عن (دونالد ترامب)؟ أليست الولايات المتحدة نفسها تسير في نفس الاتجاه؟»

 

ولدى عودته إلى أمريكا، حيث مبادئ الليبرالية متأصلة داخل الناخب الأمريكي والمؤسسات الأمريكية، ظن أن« ترامب» لن يفوز، إلا أنه لم يلبث أن راجع نفسه «أليس ذلك تحديدًا ما اقتنع به (ديفيد كاميرون)، وكل المؤيدين لعدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بشأن الناخب البريطاني!»

فتؤدي به تلك المقدمات إلى تساؤل آخر: هل يسير الغرب على غير هدى  في اتجاه الديمقراطية، غير الليبرالية؟

انهيار الليبرالية في الغرب!

 

الديمقراطية غير الليبرالية ـ باختصار ـ هي ديمقراطية تترجم مؤسساتها وجهات النظر السائدة في المجتمع إلى سياسات، لكنها غير ليبرالية؛ إذ لا تضمن حقوق الأفراد والأقليات، ولذلك أطلق عليها «ديمقراطية الأغلبية». وهي الأيديولوجية نفسها التي دافع عنها المجري «فيكتور أوربان»، والتي احتذى بها حزب «القانون والعدالة» البولندي، وهي نفسها الأيديولوجية التي يتبعها «دونالد ترامب»، فضلًا عن الرئيس  التركي «رجب طيب أردوغان» الذي وصفه بـ«المستبد».

 

جميعهم قادة شعبويون فازوا في الانتخابات عن طريق حشد المواطنين (أو بعبارة أخرى الأغلبية) ضد قيم الليبرالية، كالترويج لعداء العلمانية للقيم الدنية للأغلبية، أو تحقير طائفة من الدعاة للفردية للجماعية، أو قلق من المهاجرين يفوق الاكتراث للمواطنين أنفسهم، أو الاحتفاء بالسوق الحرة الذي يقوض سيطرة الدولة.

فكل تلك الأساليب الملتوية التي يتبعها الشعبويون يمكن تطبيقها في ظل الديمقراطيات المتطورة في أوروبا الغربية، على سبيل المثال: النمسا ـ ربما ـ تنتخب بحلول نهاية العام «نوربرت هزفر» المعادي للإسلام المدافع بشدة عن انتشار حيازة السلاح الشخصي لمواجهة «تهديد المهاجرين» المزعوم.

تطور الديمقراطية إلى الديمقراطية الليبرالية

يقول الكاتب إن التصدي لسياسات الكراهية ـ لا استغلالها – هو واجب أخلاقي على النخبة، ولا يقصد في ذلك أن ينصاع المعارضون لقوى العولمة ـ سواء في اليمين أو اليسار- لتلك النخب أو كهنة العالم «المعولم». فكلمة «النخبة» ـ ربما ـ بادرت إلى الأذهان سلطوية «اللجنة الثلاثية» أو «المعبد الماسوني»، وهي في حد ذاتها فكرة بشعة.

يستدرك قائلًا إن «الديمقراطية غير الليبرالية»، والتي تبناها «الشعبويون»، هي استراتيجية سياسية فعالة للغاية؛ فالعديد من المبادئ التأسيسية لليبرالية هي حصون ضد سيطرة الأغلبية.

071616_0927_1.png

يصف الكاتب «جيمس ماديسون» (الرئيس الرابع للولايات المتحدة الأمريكية، وأحد مؤسسي الديمقراطية في أمريكا) بأنه ـ على الأرجح ـ الليبرالي الأول؛ إذ نبه على معضلة الديمقراطية، وأنها بطبيعتها تمثل خطرًا على الحقوق السياسية للأقليات، فسعى لخلق مؤسسات تحمي تلك الحقوق.

 

خلال القرن 19، تطورت الليبرالية لتشمل الدفاع عن الحريات المدنية، والأسواق الحرة، والحكومات الناشطة، ووصلت ذروتها في منتصف القرن العشرين، عندما كان العالم مهددًا؛ بسبب كوابيس «الشمولية» للاشتراكية، والنازية، التي تتمثل في سيطرة الدولة، وتحكمها في جميع أوجه الحياة، الشخصية والعامة، وهي في ذلك أشد  قسوة من «السلطوية»، والليبرالية في أصلها هي مناهضة «الشمولية».

كيف طورت الليبرالية الأفكار غير الليبرالية؟

ومنذ ذلك الحين سارت الديمقراطية الليبرالية في طريق تطورها الطبيعي، دون محاولات توجيه أو تدخل. ومع مرور الوقت بدأت معانيها تبدو أقل إلحاحًا، بل، طورت معاني تنافسية أعمق؛ فالليبرالية باعتبارها التسامح مع الآخر، ليست فعالة للفرنسيين، أو البلجيكيين، الذين يرون المهاجرين من شمال إفريقيا فرص محتملة للإرهاب. والليبرالية ـ باعتبارها التجارة الحرة ـ ليست في صالح العمال الأمريكيين، الذين اضطرت المصانع التي يعملون بها للانتقال من أمريكا، وتأسيسها في المكسيك. ولاسيما المعانِ المعاصرة لليبرالية، كالترحيب العالمي «الكوزموبوليتي» بالتنوع والاختلاف، أصبح يسير بعمق في الاتجاه المعاكس لحياة أغلب الناس، وسيكون عرضة للاتهام من قبل الداعمين للنخبوية  (أن تتركز السلطة في يد النخبة).

صرح «روس دوزات» للنيويورك تايمز مؤخرًا بأن «الكوزموبوليتية» (اللاقومية أو الانفتاحية) «ليست إلا ذوق نخبوي متنكر في هيئة مبدأ عالمي».

لماذا الليبرالية في أزمة؟

 

ويؤكد الكاتب أن أسباب تصاعد أزمة الليبرالية منطقية، وإذا كان القادة السياسيون معنيون حقًا بالحفاظ على مبادئ الليبرالية العالمية، ربما يتوجب عليهم إيجاد وسيلة فعالة للتعامل مع انهيار النظام الليبرالي.

ولعل أبرز الأمثلة في ذلك ما قامت به المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» من فتح الحدود أمام اللاجئين في حين غضت الطرف عن رد فعل شعبها، فانتهى بها الحال لعقد اتفاق مع تركيا لوقف سيل اللاجئين المتدفق عبر حدودها.

وبالمثل صارت التجارة الحرة مصدر تهديد سياسي، ما لم تبذل الجهود، بحيث ينعكس أثرها على عمال المصانع، وغيرهم، ممن لا يحصلون أي قيمة مما تقدمه العولمة.

ففي حين أن الواقع يحتم إحداث تغيرات سياسية سليمة تعكس أثر العولمة والليبرالية على الشعوب، لا توجد أي تغيرات في السياسات من شأنها تهدئة الناس الذين لا يطيقون النظام الليبرالي العالمي، ويأملون العودة إلى «العصر الذهبي»، حينما لم تربك المطالب الفئوية للأقليات من النساء أو الملاحدة أو الشواذ الحياة العامة.

علاوة على الرسائل التي يوجهها القادة الشعبويون بأن الليبرالية بمبادئها «هي مؤامرة لقمع الأغلبيات»؛ فالتسامح الاجتماعي يقتل الثقافة والتقاليد، والإعلام المستقل ينشر أكاذيب تخدم مصالحة الشخصية، والحقوق الموسعة «للإرهابيين المتهمين» تقوض الأمن العام.

الديماغوجية وارتباطها باللاعقلانية

 

فالقادة الشعبويين أمثال «أردوغان» يرددون ـ بلا كلل ـ أن أولئك الذين لا يشاركون الأغلبية وجهة نظرهم، يجب تهميشهم أو «سحقهم». لذلك يؤكد الكاتب أن في ظل هذا السياق فإن العقلانية نفسها (التي تحتكم للمنطق في المعرفة والاستنتاج) على المحك، فكل تهكمات الداعمين للديمقراطية غير الليبرالية ـ بطبيعتها ـ تغذي السرد المناهض للعقلانية.

 

ففي بريطانيا على سبيل المثال، بعد أن اتضحت حقيقة النتائج الكارثية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كما توقع بعض الخبراء سابقًا، علق «مايكل غوف» (أحد المنافسين على منصب رئيس الوزراء البريطاني)  قائلًا إن « بريطانيا أخذت كفايتها من الخبراء»؛ إذ يجب أن يكون الناس  أحرار في بناء «أوهام مُرضِيَة» لأنفسهم تخلو من الحقائق غير السارة.

 

وبالمثل في  أمريكا، أمضى «الحزب الجمهوري» سنوات في التمهيد لما جاء به «دونالد ترامب». فنجح ترامب في إقناع الناخب الأمريكي بأن الحدود الأمريكية تنتهك، وأن الاحتباس الحراري ليس إلا خدعة، وهلم جرا. لم يكن ترامب وحده في ذلك، بل هو و«تيد كروز»، وغيرهما، ممن أسسوا حملاتهم على حاجة الشعب الأمريكي المتزايدة لتأمين  الحدود، على الرغم من أن الأرقام الرسمية لصافي المهاجرين غير الشرعيين عبر الحدود قد تخالف هذا الخطاب.

 

«السياسات الوجيهة هي المنوطة بإنهاء السياسات السيئة، وظهور الشعبويين الصالحين هو ما يحجم الشعبويين الطالحين»

071616_0927_2.png

يقول « كارل بوبر» في كتابه « The Open Society and Its Enemies »، عن المجتمع المفتوح وأعدائه،  إن الحصن الأكبر ضد «الشمولية» يكمن في «الاعتقاد المشترك في حيادية مبادئ العلم»، فالعقلانية هي «لغة في متناول الجميع». أما الديماغوجيون الشعبويون فهم يستغلوا مخاوف وآمال الناخبين في ظل غياب الإيمان الجمعي بالعقل، وغياب أية محاولات للمعالجة «أوهامهم المُشبِعَة» وكوابيسهم المرعبة.

 

ويختتم الكاتب مقالته بالتأكيد على عدة نقاط، أهمها أنه لا يرى أن الانصياع لما يقوله الخبراء أو ذوو المعرفة «التكنوقراطية» قد يؤدي إلى هزيمة «الديموقراطية غير الليبرالية»، إنما السياسات الوجيهة هي المنوطة بإنهاء السياسات السيئة، وظهور الشعبويين الصالحين هو ما يحجم الشعبويين الطالحين.

فعلى الرغم من أن أوباما قد يكون  مثالًا للشعبوي الصالح الذي اهتم بالعامل الأمريكي على العكس من اتجاه ترامب، إلا أن تمادي أوباما في طريقته العقلية بعيدة المدى شحذ شهية المجتمع الأمريكي، ليقبلوا بدجال محتال، مثل «ترامب».

 

كما يؤكد أننا سنجد دائما أمثال هؤلاء «الأوغاد الساحرون» بيننا، لكن الأمر يختلف مع «الشعبويين المتهورين»، فوجودهم الآن صار أكثر ضررًا مما كان عليه الوضع في العقود القليلة الماضية، وليس السبب أن أمثال «ترامب» أسوأ من أسلافهم الشعبويين، إنما بسبب شعور العديد من الناس في الغرب بالغش والخيانة؛ بسبب القوى المجهولة المتجردة للعولمة التي لم يلمسوا أثرها الإيجابي. ويختتم الكاتب مقاله بتأكيده على  أن خطر أولئك الشعبويين المتشائمين من «الديمقراطية الليبرالية» والناقدين لها – الذين يواسون توهمات  الناس عن الديمقراطية غير الليبرالية – هو نفسه خطر المتطرفين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد