لقد كان تحرير الرمادي انتصارًا للعراق والولايات المتحدة، لكنه انتصار متواضع. هاتان حقيقتان مهمتان لفهم سقوط الرمادي، وكيف سيؤثر على مستقبل العراق، ومسار الحملة الأمريكية هناك.

استغرق التخطيط لتحرير الرمادي سبعة أشهر، على الرغم من التقدّمات الهائلة للقوات الأمنية العراقية. لأشهر عدة، بقيت مدينة الرمادي رهينة لحوالي ألف مقاتل داعشي فقط، وربما تقلص عددهم إلى بضع مئات خلال الأشهر الأخيرة. في مواجهتهم، كدّست قوات الأمن العراقية 10 آلاف مقاتل، مسلّحين بالمدرّعات والمدفعية الثقيلة. مثل هذه النسبة ينبغي أن تنتج عن انتصار حاسم لصالح قوات الأمن العراقية، حتى ضد عدو محصّن يدافع عن منطقة حضرية مليئة بالركام.

لم تظهر القوات الداعشية أنها متحمسة للقتال فقط، ولكنها أثبتت أن كفاءتها القتالية تتغلب، ولو بقدر متواضع، على الخصوم العرب والأكراد. أيضًا فإن القوات الأمنية العراقية دعمها سلاح الطيران الأمريكي، واستخبارات الولايات المتحدة ومستشاريها. وبالتأكيد حظى عدد من الكتائب المشاركة في العملية (أو كتائب الموصل، كما يسمونها) على تدريب وتسليح من التحالف، وقد أدّت هذه الكتائب بالفعل أفضل من نظيراتها في الجيش العراقي، التي كان أداؤها القتالي سيئًا.

في النهاية، فإن الحصار الذي دام سبعة أشهر كان نتاجًا عن الخلل في إدارة الجيش العراقي وأنظمة قيادته، والسياسات العراقية بشكل عام. وعلى الرغم من أن نوري المالكي لم يعد في منصبه منذ زمن طويل، إلا أن تسييسه لأمور الجيش لا يزال باقيًا. بعض من عينهم المالكي من غير الأكفاء تمّ إقصاؤهم من المناصب القيادية بالجيش، لكن آخرين بقوا. أيضًا فإن العلاقات المعقدة التي أسسها المالكي في الدولة العراقية (محاكيًا صدام وعددًا من الدكتاتوريين العرب) لإبقاء مكتبه المركز الأوحد لصناعة القرار العراقي، ما زالت مستمرّة. خلال حصار الرمادي، توقفت عمليات قوات الأمن العراقية عدة مرات، استمرت كل منها لأسابيع، بسبب رفض قيادات الكتائب التعاون مع بعضها البعض، أو حتى تحريك قواتها تحت قيادة كتيبة أخرى.

صداقات معقّدة

ثم جاءت المشكلة مع السنّة. فعلى الرغم من التعاون الشديد لمحافظ مقاطعة أنبار، إلا أن تدريب المئات من رجال القبائل السنيين، الذين شاركوا في العملية، استغرق وقتًا طويلًا.

لقد كان أمرًا أساسيًا أن تضيف بعض الوجوه السنية عندما تتوجه لاستعادة مدينة أغلب سكانها من السنيين، وأن تضم إلى جهازك الأمني أفرادًا من السنيين يمكن للسكان أن يتقبلوهم وثقوا بهم. لم ينس العراقيين انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الميليشيات الشيعية بعد سقوط تكريت. هو حدث تعرف تفاصيله (وتزيد عليها) الأوساط السنية جيدًا، وقد خلق احتكاكات وصدامات حقيقية لتحديد من يجب أن يستعيد الرمادي ويتولى عملية تأمينها. هذه التأخيرات يمكن إرجاعها بالشكل أساسي إلى الغياب شبه الكامل لأية عملية ذات قيمة للمصالحة الوطنية بين قادة السنة والشيعة، على الرغم من الرغبة الواسعة في تحقيق هذا والموجودة عند القيادات الأساسية في الجانبين.

أمّا القطعة الأخيرة من تلك الأحجية المتجمدة، فهي إيران، أو بالأحرى، قادة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. فكلًا من القيادات السنية والولايات المتحدة أخبروا الحكومة العراقية بوضوح أنّ المشاركة في استعادة الرمادي متوقفة على مشاركة التشكيلات العسكرية المدعومة من إيران في العملية، من عدمه. هذا لأن مشاركة هذه الميليشيات تزيد احتمال وقوع المجازر والانتهاكات الأخرى، وهو ما سيزيد من إقصاء واغتراب المجتمع السني عن الحكومة المركزية.  وليست بمفاجأة أن هذا الرفض لم يرق لقادة (الحشد الشعبي)، خاصة أولئك الأكثر ارتباطًا بإيران، مثل هادي العامري، قيس الغزالي وأبي مهدي المهندس. أيضًا فإن هذا أزعج طهران، على الرغم من أن الاهتمامات الإيرانية هي بالفعل أكثر تعقيدًا من رغبات حلفائها في العراق.

الوسيط الأمريكي

كيف إذن تحررت الرمادي، برغم كل هذه العقبات؟ الولايات المتحدة.

لأشهر، استمرت الولايات المتحدة في الضغط على العراقيين محاولةً جعلهم يستعيدون المدينة. وعندما لم يكن العراقيون يفعلون شيئًا، تطالبهم مجددًا وبصوت أعلى من المرة السابقة. وبالطبع، لم يفلح هذا.

إن العراق تحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من الخطابة الأمريكية. لو استمرت الولايات المتحدة في تنبيه العراقيين للأبد إلى ما هو في مصلحتهم (كما تراها الولايات المتحدة)، فإن ذلك بلا طائل. لقد خلقت الولايات المتحدة فراغًا سلطويًا عام 2003، وأعادت خلقه في 2011. هذا، مع الوضع في الاعتبار الثقافة السياسية العراقية الخبيثة، يعني أن العراقيين لن يتوحدوا خلف فعل – مهما كان ذلك الفعل مفيدًا لهم – إلا إذا تأكد كل فرد من أمنه ومنافعه الشخصية من ورائه.

لهذا السبب بالتحديد، فإن دور الولايات المتحدة مهم للغاية. يمكن لها لعب دور الوسيط، الموقف للنزاعات، والموزع للغنائم على الفصائل العراقية المتناحرة، كما فعلت بين عامي 2007 و2009، وجزئيًا في 2014. هذا هو الترس الذي ينقص الآلة السياسية العراقية ويمنعها عن العمل. إنه دور صعب، ومستهلك للوقت، وليس جميلًا على الإطلاق – حتى عند نجاحه – لكنه ينجح.

لذا، فإن ما تغير في الشهرين أو الثلاثة أشهر الأخيرة، أن الولايات المتحدة لم تكتف بالضغط على العراق لاستعادة الرمادي، ولكنها أيضًا وفرت الموارد اللازمة. زادت الولايات المتحدة من مساعداتها الجوية والاستخباراتية، ووفرت تدريبًا ومعداتٍ جديدة (خاصة لعمليات الإقتحام القتالي). شكّل هذا كل الفارق، فتأثيره لم يقتصر على إعطاء القوات العراقية ثقة أكبر للقيام بأفعال أكثر أهمية بكثير، وإنما تكريس الموارد الأمريكية أعطى الثقة أيضًا للقيادات السياسية والعسكرية لاتخاذ قرارات أكثر جرأة في مواجهة العقبات التي خلقتها السياسات العراقية الملتوية، والتعطيل المتعمد من قبل حلفاء إيران.

ما يريه لنا تحرير الرمادي مرة أخرى أن العراقيين قادرون على القيام بما نريده ونحتاج إليه، وما يريدونه هم أيضًا، أو أغلبهم على الأقل. ولكن لا يمكنهم فعل ذلك بدون المساعدة الأمريكية، التي لا تقتصر على التذمر، وإنما تشمل بذل الجهد وتوفير الموارد.

كيف رأت إيران تحرير الرمادي

وكما كانت الرمادي انتصارًا “متواضعًا” للولايات المتحدة، فهي هزيمة لمتواضعة لإيران.

لا أريد، بقول هذا، أن أرسّخ التصور القائم على أن الصراع في العراق هو صراع صفري بين واشنطن وطهران. هناك نزاع على مناطق النفوذ بين الاثنين. لكن هذا لا يعني أن أي أمر جيد للولايات المتحدة هو سيئ بالنسبة لإيران، والعكس. حتى وإن كان الأمرهكذا في أغلب الأحيان. إن للدولتين اهتمامات مشتركة، واهتمامات أخرى بينها بعد المشرقين. وهذا يجعل الأمر شديد التعقيد، لكنه أيضًأ يخلق المساحة لإحراز التقدم، بل ربما إيجاد حل للحرب الأهلية في العراق.

في حالة الرمادي، فإن إبقاء الحشد الشعبي بشكل كبير بعيدًا عن عملية التحرير كان انتصارًا متواضعًا للولايات المتحدة، وهزيمة متواضعة إيران، وهذا يرجع لأسباب ثلاثة.

السبب الأكبر هو التأكيد على صحة المزاعم، التي بدأت تتصاعد عقب أحداث تكريت، بأن الجيش العراقي مدعومًا بالولايات المتحدة كان كافيًا لتحرير المدن السنية وحده. لقد أظهر تنظيم الحشد الشعبي قدرة على “تحرير” المدن المختلطة عرقيًا من قبضة داعش، وأبرزها جرف الشخور، جنوب غرب بغداد، ومقاطعة ديالا. (لم يتم “تحريرهما” إلا من خلال حملات وحشية من التطهير العرقي لإبادة السكان السنيين). أيضًا أظهر التنظيم قدرة على الدفاع عن مناطق سيطرته ضد الهجمات الداعشية (مع سقوط الرمادي، تصاعدت الشكوك حول قدرة القوات العراقية على فعل نفس الشيء).

دعم تحرير الرمادي التعاون بين قادة الجيش العراقي الموالين لأمريكا والحكومة العراقية، أبرزهم حيدر العبادي، رئيس الوزراء.

على الجانب الآخر، فإن تحرير الرمادي أضعف قليلًا من موقف حلفاء إيران من الميليشيات المسلحة المخلصة لها، تحت قيادة رجال مثل العامري، والمهندس والغزالي.

لكن تحرير الرمادي لا يجب أن يُتّخذ كمؤشر على أن العراق في حاجة إلى أن تهزم الولايات المتحدة إيران تمامًا على ساحتها، وكأن هذا شيئًا ممكنًا من الأصل.

لقد كان لإيران دومًا مجموعة واسعة من الاهتمامات العميقة في العراق. بينما لا تتفق إيران مع أمريكا في جميع أهدافها في العراق، فهي تتشارك معها “بعض” هذه الأهداف. طهران لديها أحلام وطموحات تضعها في كفّة، واحتياجات أساسية في الكفّة الأخرى. مع الوقت، رأينا الإيرانيين يتنقلون بين أولوياتهم بناءً على سياسة الممكن، وحسابات الإمكانات والظروف في العراق. في نقاط مختلفة، رأينا الإيرانيين يفعلون أشياءً تدخل ضمن نطاق اهتماماتنا نحن الأمريكيين، لأنها كانت ضمن اهتماماتهم أيضًا، كل من إيران والولايات المتحدة، شجع الإيرانيون الشيعيين على المشاركة في العملية الديمقراطية التي نظمتها الولايات المتحدة في العراق بين 2003 و2005. كلاهما المالكي على التوقف عن استفزاز وإقصاء السنيين في 2012 و2013 خوفًا من أن يقود البلاد إلى حرب أهلية. اليوم، يريد كلاهما أن يرى العراق (أو على الأقل العراق العربية) تبقى متحدة تحت حكومة ديمقراطية مركزها بغداد (وأغلبيتها من الشيعة)، وكلاهما يريد القضاء على داعش.

الأمر يسري أيضًا على المواقف التي تختلف فيها اهتمامات إيران عن اهتمامات حلفائها الأقرب في العراق. إيران تريد، في الأساس، عراقًا مستقرة، متحدة، يسيطر الشيعة على حكومتها. أما حلفاؤها يريدون السيطرة على العراق كلها تمامًا، وهذا سيكون صعبًا ما لم تفقد العراق استقلاليتها ووحدتها. الأغلبية الكاسحة من العراقيين، ومن ضمنهم قادة كبار من الشيعة، يكرهون هؤلاء الرجال، وقد يحاولون التخلص منهم ما إن يختفي المبرر الأمني لوجودهم. حتى المالكي رئيس الوزراء السابق، الذي يعتبر حليفًا لإيران بغض النظر عن تحديه لها في عهده، يتبنى موقفًا مشابهًا: إنه لن يتمكن من استعادة الحكم في العراق إن انتهت الحرب الأهلية، وتم إجلاء داعش، وعاد السنيون إلى الحكومة. على الأقل، فإن السنيين لن يتقبلوه كرئيس للوزراء مجددًا. الشاهد أن إيران تستخدم العراقيين في خدمة مصالحها: تتقوّى بهم في أوقات قوتهم، وتجعلهم خطتها الثانوية حين الشدائد.

ألعاب لا تنتهي

يعيدنا هذا إلى الرمادي. الرمادي كانت بلا نزاع هزيمة لأمثال العامري والغزالي، وحتى المالكي نفسه. وكان هزيمة لإيران، ولكن ليس بالقدر نفسه، وبطريقة مختلفة تمامًا. بالنسبة لحلفاء إيران في العراق، الرمادي تمثل طريقًا بديلًا للعراق، طريقًا لا تحتاج فيه إلى خدمات الميليشيات الشيعية كمدافعين عن السكان الشيعيين في مواجهة خطر المد السنّي. ذلك لأن قوات الأمن العراقية بدعمها الأمريكي ستفعل هذا بكفاءة. بالنسبة لإيران، ربما يلذعها انتصار الرمادي على المدى القصير، ولكن على المدى الطويل هو أمر مقبول تمامًا.

إن تمكن الجيش العراقي والأمريكيون من توحيد العراق مرة أخرى، وإدخال السنيين في العملية السياسية، واستعادة الاستقرار وطرد داعش، فإن هذا ليس شيئًا سيئًا لإيران بالضرورة. بل ربما كان جيدًا. نعم، سيعني هذا تزايد النفوذ الأمريكي في العراق كثيرًا عما كان عليه في 2014، لكن إيران ستظل محتفظة بثقلها الهائل هناك. وإيران لن تذهب في أي مكان، بينما الولايات المتحدة ربما تنسحب من العراق مجددًا. ستربح إيران نهاية الحرب الأهلية في العراق التي كانت تسبب مشاكل كبيرة جدًا للشعب الإيراني، وأيضًا إعادة إحياء حكومة متحدة، يسيطر عليها الشيعة، وتحتفظ بعلاقات طيبة مع إيران.

وهذا سيناريو يجب أن يكون مقبولًا بالنسبة للولايات المتحدة، أيضًا. فهو يلبي كل احتياجاتها ويخدم مصالحها. بنظرة مثالية، ربما تنحاز الحكومة العراقية تجاه الولايات المتحدة أكثر من إيران، لكن هذا صراع على النفوذ السياسي في العراق يستحق خوضه، وهو صراع أفضل بكثير من الصراع الدموي الدائر حاليًا.

لكن الرمادي تعلمنا أن المستقبل لن تأتي بشائره بلا مساعدة أمريكية. واللازمة التي يرددها الرئيس أوباما عن أن “أمريكا لا يجب أن تقوم عن العراقيين بما يجب أن يقوموا به بأنفسهم”، هي غالبًأ مجرد حشو كلامي لا أكثر، وبالتالي غير مؤثرة في السير السياسي الحقيقي. الحقيقة أنه، كما أظهر تحرير الرمادي، هناك أشياء نحتاج من العراقيين يفعلوها، وهم راغبون فيها، ولكن لن يقدروا على فعلها، من دون مساعدتنا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد