نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية مقالًا للكاتب ديكلان والش، تناول فيه التطورات الأخيرة على الساحة الليبية بعد إعلان وقف إطلاق النار، الأمر الذي يمثل تطورًا إيجابيًّا نادرًا، رغم كثرة المتشككين، في الصراع الفوضوي الليبي الذي ابُتلِي بالتدخل الأجنبي.

وفي بداية مقاله، يقول مدير مكتب «نيويورك تايمز» بالقاهرة، إن زعماءً سياسيين متنافسين في ليبيا أعلنوا وقفًا فوريًّا لإطلاق النار يوم الجمعة، ودعوا إلى إجراء محادثات لنزع السلاح من سرت، المدينة الساحلية التي أصبحت محور الجهود الدولية لكسر حالة الجمود المتعلقة بالصراع الدائر في تلك الدولة الغنية بالنفط، والتي تقع في شمال أفريقيا وتعاني خللًا وظيفيًّا.

إعلان وقف إطلاق النار يلقى ترحيبًا دوليًّا واسعًا

وألمح الكاتب إلى أن الأمم المتحدة رحَّبت بالإعلان، بالإضافة إلى الولايات المتحدة ودول غربية أخرى تسعى جاهدةً لاحتواء النفوذ الروسي والتركي المتنامي في ليبيا، التي تعصف بها الصراعات منذ إطاحة رئيسها القوي، العقيد معمر القذافي، ومقتله منذ ما يقرب من عقد من الزمان في مسقط رأسه بمدينة سرت.

وأعلنت حكومة طرابلس المدعومة من الأمم المتحدة وعقيلة صالح، رئيس البرلمان المنافس في شرق ليبيا، وقف إطلاق النار في إعلانين (متزامنين) منسقين. وكان هذا تطورًا إيجابيًّا نادرًا في حرب فوضوية، اشتهرت بأنها ازدادت سوءًا هذا العام بسبب التدخل الأجنبي المكثف. لكن الشكوك سادت بكثرة بشأن إمكانية حدوث أي تقدم.

Embed from Getty Images

فايز السراج، رئيس حكومة طرابلس المدعومة من الأمم المتحدة 

وحذَّر محللون من أن احتمالات نجاح وقف إطلاق النار غير مؤكدة إلى حد كبير، على غرار ما جرى في المؤتمر الدولي الذي عُقد في برلين في يناير (كانون الثاني) الماضي بهدف إخراج ليبيا من مستنقعها السياسي والعسكري. وتجدر الإشارة إلى عدم ورود أي رد فعل فوري من جانب خليفة حفتر، القائد العسكري، الذي يُعد المحارب الرئيس في القتال الأخير، أو من جانب اثنين من أقوى داعميه الخارجيين، الإمارات العربية المتحدة، وروسيا.

وقال ولفرام لاتشر، الخبير في شؤون ليبيا في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية: «لست متأكدًا من أنني يمكن أن أطلق على هذا الإعلان تقدمًا سياسيًّا». وتابع: «في الوقت الحالي، إنها مجرد تصريحات تحفل بكثير من المحاذير والشروط والأماني».

لكن مبعوثة الأمم المتحدة بالإنابة، ستيفاني ويليامز، وصفت الإعلانات المنسقة (بين الطرفين المتحاربين) بأنها دلالة على «الشجاعة» السياسية، مضيفة أنها تأمل في أن يؤدي ذلك في النهاية إلى رحيل جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من أرض ليبيا. كما رحبت شركة النفط الوطنية بإعلانات وقف إطلاق النار في بيان لها، معربة عن أملها في إعادة فتح حقول النفط المعطلة منذ يناير، عندما أغلقتها قوات حفتر، في إطار محاولة للضغط على خصومه في طرابلس.

ليبيا فريسة للأطراف الخارجية

ويشير الكاتب، الذي غطى الحروب في ليبيا وسوريا والأزمة السياسية في الخليج والقمع في مصر، إلى أنه منذ أوائل شهر يوليو (تمُّوز)، انتقل المرتزقة من مجموعة فاجنر، وهي شركة مرتبطة بالكرملين، إلى مواقع حول بعض أكبر حقول النفط في البلاد، مما أثار انتقادات المسؤولين الأمريكيين الذين يخشون صراحةً أن تستغل روسيا نفوذها في ليبيا لإنشاء قواعد عسكرية هناك.

عربي

منذ شهرين
مترجم: كيف ستبدو الحروب في المستقبل؟ انظر إلى ليبيا

وتُعد المناورات (العسكرية الدائرة) أحدث الفصول الفوضوية في الصراع الذي بدأ منذ وفاة العقيد القذافي خلال ما يُعرف بالربيع العربي في عام 2011م. وفي غضون بضع سنوات قصيرة، أصبحت ليبيا ممزقة بين الفصائل المسلحة المتناحرة، التي نظمتها العشيرة أو المدينة أو الأيديولوجية، ومعظمها مدعوم من قِبل رعاة أجانب أقوياء.

وفي السنوات الأخيرة، كان السيد حفتر، أحد المتعاونين مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في وقت ما، والذي يلقى الدعم في مدينة بنغازي الشرقية، المحرك الرئيس للقتال. وتلقَّى حفتر مساعدات من مصر والأردن وفرنسا أيضًا، إلى جانب الإماراتيين والروس. ويقود فايز السراج الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في العاصمة طرابلس، وتعتمد في الغالب على تركيا مع بعض الدعم من قطر.

حروب القوى وتوازناتها

يضيف الكاتب: في شهر أبريل (نيسان) 2019م، أطلق السيد حفتر حملة منسقة للاستيلاء على طرابلس، مدعومًا بطائرات بدون طيار وأنظمة صواريخ مسلحة من الإمارات. لكن الهجوم توقف في يناير عندما نشرت تركيا طائراتها الخاصة بدون طيار، وكذلك مئات المرتزقة السوريين، لدعم حكومة طرابلس.

وفي شهر يونيو (حزيران)، أجبرت القوات المدعومة من تركيا مقاتلي حفتر وحلفاءهم الروس على التراجع مئات الأميال من طرابلس إلى سرت على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​شمال وسط ليبيا.

Embed from Getty Images

وفي الأسابيع الأخيرة، وبعد شهور من الجمود في سرت، مَارسَ دبلوماسيون ألمان وأمريكيون ضغوطًا على كلا الجانبين لقبول اقتراح الأمم المتحدة بإنشاء منطقة منزوعة السلاح حول المدينة، خطوةً أولى في محادثات سلام أوسع. وتحظى هذه المبادرة أيضًا بدعم كل من مصر وتركيا، وهما خصمان إقليميان لدودان.

ومع أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يقف بحزم في معسكر السيد حفتر، فإنه بدا وكأنه يتحوط في رهاناته منذ انهيار هجوم طرابلس في شهر يونيو من خلال دعمه الصريح للسيد صالح عقيلة، الذي يرأس البرلمان الليبي شرقًا.

ورغم أن السيد صالح ليس لديه قوات عسكرية، لكنه يتمتع بدعم قبليٍّ واسع في شرق ليبيا، حيث يتمتع بسمعة طيبة بصفته رجلًا سياسيًّا مرنًا. ومع ذلك، اتهم مسؤولون غربيون ومسؤولون في الأمم المتحدة السيد صالح بالانتهازية بسبب نكوثه وعودًا قُطِعت خلال جهود سلام سابقة.

تركيا لاعب أساسي في المعادلة

على الجانب الآخر من الحرب، أعرب إبراهيم كالين، المتحدث باسم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن دعمه المشروط لنزع السلاح في سرت. وقال طارق المجريسي، محلل شؤون ليبيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن اتفاق مصر وتركيا على أي حال يُعد «إنجازًا رائعًا».

وأضاف المجريسي أن وقف إطلاق النار الذي أُعلن يوم الجمعة سيكون له تأثير محدود في الأرض، لأن الخطوط الأمامية حول سرت هادئة منذ أسابيع. وقال إن آفاق النجاح الدبلوماسي ستعتمد إلى حد ما على السيد حفتر. وأضاف السيد مجريسي: «رغم أن هذه مفاجأة سارَّة، فإنها لم تغير شيئًا فعليًّا بعد». وتابع «وبدلًا من ذلك، تهيئ هذه الخطوة الأجواء للمفاوضات القادمة».

عربي

منذ شهرين
«المونيتور»: هل أصبحت خيارات تركيا العسكرية في ليبيا محدودة؟

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: ستكون هذه المفاوضات أيضًا مدفوعة بالمصالح المعقدة لرعاة الحرب الأجانب، فبينما تسعى مصر بشكل واضح إلى إيجاد طريقة لتهدئة الصراع، يُنظر إلى زعيم الإمارات، ولي العهد محمد بن زايد، على أنه شخصية تميل أكثر للحروب.

وسعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى النأي بنفسه عن الصراع، على الأقل في العلن، على الرغم من احتجاجات المسؤولين العسكريين الأمريكيين الذين اتهموه بنشر طائرات مقاتلة دعمًا للسيد حفتر. وبالنسبة لتركيا، تُعد الحرب أيضًا جزءًا من التدافع الواسع على الموارد الطبيعية.

وفي العام الماضي، وشرطًا لنشر القوات في ليبيا، وقَّع السيد أردوغان اتفاقية بحرية مع حكومة طرابلس تعزز من مطالبه بحقوق التنقيب في شرق البحر المتوسط. ومن ناحية أخرى، وافق البرلمان المصري هذا الأسبوع على اتفاقية بحرية منافسة مع اليونان، وهذه الاتفاقية تتداخل مع المنطقة البحرية التي تطالب بها تركيا وليبيا، وتحدد مجموعة من المطالبات التي تُعد محل تنازع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد