كان محمد أبو السَّعْر ميكانيكي في ورشة لإصلاح السيارات في حمص السورية، اعتقلته سلطات بلاده وعذبته في أحد أقبية زنازينها؛ مثلما فعلت في آلاف المتظاهرين الآخرين؛ ولكن الحال استقر بأبي السعر مقاتلًا في ليبيا اليوم.

في التقرير الذي أعدته الصحفية المقيمة في بيروت أنشال فوهرا، ونشرته مجلة «فورين بوليسي»، يحكي أبو السعر وسوريون آخرون قصة تجنيدهم من أجل القتال في ليبيا، على جبهتي الصراع.

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
«بيرقدار».. طائرة تركية قلبت موازين الحرب في سوريا وليبيا

في اليوم الذي أُطلِق فيه سراح أبو السعر، حمل سلاحًا ليحقق عدة أهداف؛ سعيًا للانتقام، ولحراسة مدينته، وليشق طريقه في خضم حقبة جديدة من الحرية السياسية. كان ذلك في شهر أبريل (نيسان) 2012، بعد عام واحدٍ فقط من انطلاق الثورة، حين كان لا يزال هناك أمل في تحقيق نتيجة إيجابية.

لكن بعد ثماني سنوات، انضم محمد إلى ركب المرتزقة، الذين يؤجِّرون أسلحتهم لخوض حربٍ على بُعدِ أكثر من 1200 ميل في ليبيا، وهي معارك ليس لهم فيها ناقة ولا جمل إلا ما يتقاضاونه من عرَّابيها. وعندما يجول ببصره في جنبات ساحة المعركة الليبية، فمن المحتمل جدًا أن يواجه سوريًّا مثله.

لهذا قد يتحوَّل الثوار إلى مرتزقة

محمد هو أحد المتمردين السوريين الذين تدفع لهم تركيا للقتال إلى جانب قوات حكومة الوفاق الوطني، أحد أطراف الصراع الليبيّ على السلطة، الذي بدأ بالانتفاضة ضد معمر القذافي في عام 2011، وتحوَّل الآن إلى معركةٍ حامية الوطيس للاستحواذ على الصفقات النفطية المربحة وامتلاك النفوذ الإقليمي، كما تقول أنشال فوهرا، الصحفية المتخصصة في تغطية شؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

تحظى حكومة الوفاق الوطني باعتراف الأمم المتحدة وبدعم جماعة الإخوان المسلمين، وهي جماعة عبر وطنية (أي تنشط في أكثر من بلد)، وتروِّج للإسلام السياسي بدعمٍ من حلفاء أقوياء مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. هذا الولاء المشترك مع الإخوان، دفع تركيا إلى تقديم المساعدة للحكومة المؤقتة، وفي الآونة الأخيرة حوّل دعمها العسكري المتزايد دفّة الحرب لصالح حكومة الوفاق الوطني.

محمد مجرد رجلٍ واحدٍ، في خِضَم هذا الصراع الأوسع، لا يمتلك سوى يديه اللتين يمسك بهما السلاح. وهو أب لأربعة أطفال، يبلغ من العمر 38 عامًا، تحوَّل من ثائرٍ إلى مرتزق تحت وطأة حالة العوَز الممتدة الذي صنعتها الحرب السورية التي لا نهاية لها.

«عندما وضعت زوجتي حملها، لم يكن لدي مال لأشتري حفاضات ولا حليبًا للطفل».

في مكالمة هاتفية من ليبيا، يقول محمد لمجلة فورين بوليسي: «تعيش زوجتي وأبنائي الأربعة في خيمة. لا أمتلك نقودًا لشراء الطوب الإسمنتي لبناء غرفة لأطفالي. وعندما وضعت زوجتي حملها، لم يكن لدي مال لأشتري حفاضات ولا حليبًا للطفل».

في عام 2014، سقطت حمص في قبضة قوات نظام بشار الأسد، وانتقل محمد مع عائلته إلى حلب التي يسيطر عليها المتمردون. وهناك انضم إلى فرقة «السلطان مراد»، وهي جماعة متمردة يتشكّل عمودها الفقري من التركمان السوريين الذين يتلقون التدريب والتمويل من تركيا. لكن أنقرة لم تكن تتحرك بدافعٍ من الإيثار المحض؛ صحيحٌ أنها قدمت الدعم للمتمردين، لكنها في المقابل استدعتهم للقتال من أجل تحقيق مصالحها الخاصة، على حد قول الصحفية أنشال فوهرا.

محمد عربيّ، وليس تركمانيّ، لكنه، رغم ذلك، اختار الانضمام إلى تلك المجموعة لكسب لقمة العيش. وفي عام 2018، كان من بين المتمردين الذين استأجرتهم تركيا للإطاحة بالمليشيات الكردية ومئات الآلاف من المدنيين في عفرين الواقعة شمال سوريا (تتهم تركيا المليشيات الكردية بشن هجمات إرهابية داخل تركيا والتحريض على الانفصال).

في عفرين، تقاضى محمد 450 ليرة تركية، وهو راتب زهيد يعادل 46 دولارًا في الشهر. أما في ليبيا، فمهمته مربحة أكثر. وهو نفسه يقول عن ذلك: «خلال الأشهر الأربعة التي قضيتها في ليبيا، كسبت أكثر مما جنيته طيلة سنوات القتال في سوريا». وأضاف موضحًا، فيما بدا على صوته ارتياحه بفضل تلك القفزة الضخمة في دخله: «أجني ألفَيْ دولار شهريًا».

Embed from Getty Images

إغراءات مضللة لخوض حرب بالوكالة في ليبيا

بالعودة إلى سوريا، يرصد التقرير إغراء المتمردين السابقين الآخرين، الذين يرزحون تحت نَيْرِ العَوَز نفسه، للانضمام إلى الحرب ذاتها، ولكن هذه المرة إلى جانب خليفة حفتر، المنافس الرئيسي لحكومة الوفاق الوطني، والمدعوم من روسيا والإمارات ومصر.

وبينما غمرت تركيا ليبيا بوكلائها السوريين، فإنها قدمت أيضًا طائرات بدون طيار وأنظمة دفاع جوي حديثة. وفي مارس (شباط)، اتجهت روسيا نحو سوريا للحصول على تعزيزات، وأقنعت حليفها السوري بشار الأسد بدعم أمير الحرب الليبي الذي تفضله، وبدأت في البحث عن رجال مستعدين لتقديم خدماتهم بخوض غمار صراع خارجي مقابل المال.

يقول المتمردون السوريون إن الرجل المكلف بقيادة هذه الحملة التجنيديّة هو العقيد ألكسندر زورين، الذي عمل في عام 2016 مبعوثًا لوزارة الدفاع الروسية في فرقة العمل التي تتخذ من جنيف مقرًا لها لوقف الأعمال العدائية في سوريا. ويُعرف زورين في سوريا بأنه «عرّاب» صفقات المصالحة بين النظام والمتمردين في الغوطة ودرعا والقنيطرة.

أكد مصدر روسي لمجلة فورين بوليسي أن زورين زار جنوب سوريا في أوائل أبريل، وهي منطقة يعتقد أنها أرض شديدة الخصوبة لأنشطة التجنيد الروسية، ليس فقط بسبب تفشي الفقر ولكن أيضًا بسبب غياب الدعم المقدم من أي قوة إقليمية أو عالمية أخرى. وكان العديد من المتمردين في المنطقة قد حولوا ولاءهم بالفعل لبشار الأسد في يوليو (حزيران) 2018 بعد أن رفضت الولايات المتحدة مساعدتهم.

«قدم لنا عرضًا سخيًا، قدره 5 آلاف دولار شهريًا للقائد، وألف دولار للمقاتل».

بالتعاون مع مسؤولي استخبارات الأسد، يُعتَقَد أن زورين شرع في مفاوضات مع عدد من الجماعات المتمردة لإرسالهم إلى ساحة القتال في ليبيا. ويقول زعيم جماعة متمردة خاضت قتالًا ضد تنظيم الدولة في القنيطرة الواقعة جنوب سوريا، يدعى أبو طارق (غيّرت المجلة اسمه في هذا التقرير) إنه التقى زورين، ووافق على الذهاب إلى ليبيا مع مقاتليه.

ويضيف أبو طارق: «التقينا به، وأخبرنا بأننا ذاهبون إلى ليبيا مع شركة الأمن (فاجنر). قدم لنا عرضًا سخيًا، قدره خمسة آلاف دولار شهريًا للقائد، وألف دولار للمقاتل».

ويتابع: «توصلنا إلى اتفاق بالطبع؛ لأن الوضع المالي مروِّع في منطقتنا»، موضحًا أن الإغراءات التي انهالت على المتمردين لم تكن فقط تتعلق بالمال، ولكن أيضًا بالعفو عن الفارين من التجنيد، وبالملفات التي يحتفظ بها النظام ضدهم انتظارًا لوقت الحساب لاحقًا.

أبو جعفر مامتينه، زعيم جماعة متمردة أخرى في جنوب سوريا، أثبتت أنه جدير بالثقة – بحسب التقرير – حين نقل أكثر من مائة شاب ليتلقوا تدريبًا على أيدي الروس داخل قاعدة تدريب في حمص منتصف أبريل.

شهادة طارق دعمها أحمد الخطيب، المقرب من الفصائل المتمردة في الجنوب. (غيرت المجلة الاسم مرة أخرى هنا بناء على طلبه لحماية هويته). وقال الخطيب: «كانت رسالة العقيد زورين مفادها أن المتمردين السابقين يستطيعون توسيع قوتهم، وزيادة عدد مقاتليهم؛ بشرط أن ترسل كل مجموعةٍ ألفًا من رجالها على الأقل إلى ليبيا».

لكن سرعان ما اكتشف أبو طارق وأبو جعفر، والرجال الذين يقاتلون تحت رايتهم، أنهم كانوا ضحية عملية تضليل. أغروهم حين طمأنوهم بأن دورهم سيقتصر على حراسة المنشآت النفطية في شرق ليبيا التي يسيطر عليها حفتر، ولكن عند وصولهم إلى مركز تدريبهم في حمص، اكتشفوا أن المهمة المتوقع أن يضطلعوا بها هي القتال من أجل حفتر، والموت في سبيله، بالإضافة إلى أن الراتب الشهري سيكون أقل بكثير، ولا يتجاوز 200 دولار.

يتحدث طارق من القنيطرة عن جنرال روسي آخر في قاعدة حمص، لم يكن يعرف اسمه، قرأ شروط العقد أمامهم جميعًا، وفوجئوا بأنها تختلف تمامًا عما وعدهم به زورين. ويقول: «لذلك، رفضنا المُضِيّ قُدُمًا، وطلبنا إعادتنا إلى الوطن».

Embed from Getty Images

حلم المقاتلين السوريين في ليبيا: «العودة إلى الوطن على قيد الحياة»

إجمالًا، واجهت روسيا صعوبة أكبر مما واجهته تركيا في تشكيل قوة سورية تقاتل بالنيابة عنها في ليبيا. بيدَ أن محللين ليبيين يؤكدون تواجد السوريين بالفعل في شرق ليبيا لتعزيز دفاعات حفتر.

ونقل التقرير عن مؤسس ومدير أول مركز أبحاث سياسي في طرابلس، أنس القماطي، قوله: «في حين قاد المرتزقة الروس من مجموعة «فاجنر» هجوم حفتر الذي استمر طيلة عامٍ في محاولةٍ لغزو طرابلس، أُرسِل السوريون لدعم أمير الحرب في شرق ليبيا».

وأضاف: «ثمة علاقة قوية تربط بين حفتر ونظام الأسد، وأُرسِل الموالون (للنظام السوري) إلى ليبيا في الأشهر الأخيرة». ويعتمد حفتر اعتمادًا متزايدًا على القوى الخارجية لدعم حملته. لكن الاستعانة بالمرتزقة لها ثمنها، فهم لا يعرفون طبيعة الأرض، ويجدون صعوبة في إحراز تقدُّم في المناطق الحضرية».

سياسة

منذ 7 شهور
الانتصاراتُ لا تكفي.. ماذا تبقى للوفاق لإنهاء وجود حفتر؟

صحيحٌ أن حفتر دعا إلى هدنة في رمضان، لكنه لم يُقدِم على ذلك إلا بعد أن فقدت قواته، التي يُطلِق عليها اسم الجيش الوطني الليبي، السيطرة على سلسلة من البلدات لصالح حكومة الوفاق الوطني. ويبدو أنه يشتري الوقت لترتيب صفوف قواته البرية، وإقناع روسيا بمقارعة القوة العسكرية التركية بمزيدٍ من التعزيزات التي يحث موسكو على إرسالها.

أما روسيا فلا تزال تحوِّط رهاناتها، وتتظاهر بأنها على مسافة متساوية من جميع الأطراف في ليبيا. ولكن إذا قررت موسكو زيادة مستوى تدخلها في ليبيا، فإنها ستجد الكثير من السوريين اليائسين لتختار من بينهم مجندين محتملين، على نحو ما فعلت أنقرة.

في خضم هذا الصراع، كل ما يأمله المقاتلون بالوكالة الذين يتواجدون بالفعل في ليبيا هو العودة إلى الوطن على قيد الحياة. يقول محمد عن ذلك: «أدرك أن حياتي هنا في خطر، بعدما وقع الكثيرون منا في الأَسْر. وإذا كُتِبت لي النجاة وعدت إلى وطني على قيد الحياة؛ فسوف أفتح متجرًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد