في الوقت الذي يشتد فيه التنافس حول ليبيا بسبب أرباح النفط والغاز المحتملة، وفيما أصبح مصير حكومتها الهشة المدعومة دوليًّا على المحك، استيقظت القارة الأوروبية من سباتها وتدخلت في الشأن الليبي تدخلًا مفاجئًا.

ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أن الصراع الليبي كان يتفاقم بمرور الوقت على مدار أكثر من ثماني سنوات، إلا أن الاتحاد الأوروبي كان غالبًا ما يتغاضى عن هذا الأمر، مشيرة إلى أن ليبيا لم تكن مهمة، سوى بوصفها ملعبّا للإرهاب ومصدرًا للمهاجرين الذين يعرقلون السياسة الأوروبية.

وأشار التقرير الذي كتبه كلٌّ من ستيفن إيرلانجر، كبير المراسلين الدبلوماسيين في أوروبا، وماتينا ستيفيس جريدنيف مراسلة «نيويورك تايمز» في بروكسل، إلى أنه مع تدخل روسيا وتركيا مؤخرًا على جانبين مختلفين لـ«حرب أهلية بغيضة في ليبيا»، بالإضافة إلى تدخل جيران آخرين، انتبهت أوروبا فجأة إلى العواقب المترتبة على لعبة كبرى جديدة – هذه المرة في شمال أفريقيا – تزعزع استقرار ساحتها الخلفية بسرعة. وبدأت القارة العجوز تولي اهتمامًا بهذه القضية، ولكن في الوقت الضائع.

وأوضح التقرير أنه بعد أشهر من الجهود، ستجتمع ألمانيا والأمم المتحدة، اليوم الأحد، مع معظم الجهات الفاعلة الرئيسية لمحاولة التوصل على الأقل إلى وقف دائم للقتال، ودفع القوى الخارجية لمنح الليبيين الحيز اللازم لمحاولة إيجاد نوع من المصالحة السياسية.

وأوضح الكاتبان أن الأمر لن يكون سهلًا، إذ إن أرباح النفط والغاز المحتملة تزيد من حدة المنافسة. في وقت أصبح فيه مصير الحكومة الليبية الهشة المدعومة دوليًّا على المحك.

دولي

منذ 9 شهور
«فورين بوليسي»: 10 صراعات ننتظر تطوراتها في 2020

«روسيا والقوى الإقليمية تلاعب أوروبا في حديقتها الخلفية»

ونقل التقرير عن إيان ليسير، مدير مكتب بروكسل في مركز أبحاث «صندوق مارشال الألماني» والخبير في شؤون تركيا والبحر الأبيض المتوسط قوله: «إن هناك صحوة كبيرة للمصالح الجيوسياسية في ليبيا». مضيفًا أن «هذا يبدأ بقضايا الهجرة والطاقة والأمن ومكافحة الإرهاب.. لكن الأمر متعلق بالقدر نفسه بالجوانب الجيوسياسية للعلاقات مع روسيا وتركيا. فلو لم تكن تلك الجوانب مهمة للغاية، لما جذبت ليبيا مثل هذا الاهتمام الآن».

Embed from Getty Images

كما نقل التقرير عن جوزيب بوريل فونتيليس، منسق السياسة الخارجية الجديد للاتحاد الأوروبي، قوله في مقابلة مع مجلة «دير شبيجل» الأسبوعية الألمانية، إن الاتحاد ربما يرسل قوات لحماية وقف إطلاق النار المحتمل، وهي خطوة أشارت إيطاليا واليونان بالفعل إلى أنهما قد تهتمان بالمساهمة بقوات فيها.

وأضاف أنه «إذا كان هناك وقف لإطلاق النار في ليبيا، فلا بد أن يكون الاتحاد الأوروبي مستعدًا للمساعدة في تنفيذ وقف إطلاق النار هذا ومراقبته، وربما أيضًا بالجنود، في جزء من مهمة الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال».

من جانبها، قالت كريستينا كاوش، زميلة مركز أبحاث «صندوق مارشال الألماني» إن «أوروبا تبدو ضعيفة وهامشية.. والأوروبيون قلقون حاليًا، لكن الوقت متأخر للغاية، ونحن خارج الصورة». مضيفة أن «روسيا والقوى الإقليمية تلاعب أوروبا في حديقتها الخلفية».

وأشار التقرير إلى أن الفوضى الليبية بدأت مع الإطاحة بالعقيد معمر القذافي عام 2011 بعد تدخل القوات الأوروبية بمساعدة أمريكية. وعبر تبرير هذه الحرب بأسباب إنسانية، انتشرت حالة من الفوضى عندما تخلت القوات الغربية نفسها عن ليبيا الغنية بالطاقة لصالح الميليشيات المتحاربة.

وأضاف أن الكثير من أسلحة النظام القديم تنتشر في جميع أنحاء منطقة جنوب الصحراء الكبرى، الأمر الذي أدى إلى تغذية المقاتلين والجماعات الإرهابية الأخرى، وإنتاج الآلاف من اللاجئين والمهاجرين الباحثين عن الأمان في أوروبا.

انقسامات أوروبا تضعف موقفها في ليبيا

وما تزال ليبيا نقطة عبور رئيسية للأفارقة من بلدان جنوب الصحراء الكبرى الذين يأملون في العبور إلى أوروبا. ومنذ أزمة الهجرة في الفترة 2015–2016 «كان الاتحاد الأوروبي ينظر إلى ليبيا في الأساس من خلال منظور مشكلة الهجرة»، على حد تعبير كلوديا جازيني، المحللة لدى مجموعة الأزمات الدولية.

وفي الوقت نفسه، سعت الدول الأوروبية بشكل فردي، خلف مصالحها الخاصة المتباينة في ليبيا، والتي غالبًا ما كانت متعارضة.

أظهرت الانقسامات الأوروبية في التعامل تجاه هذه الأزمة حاجتها إلى أن تغير طريقتها في التعامل معها.

وأوضح التقرير أن تدخل الوكلاء الروس في خضم هذا النزاع العام الماضي، وتعهد تركيا مؤخرًا بإرسال قواتها إلى هناك، كان يعني أن أوروبا لم تعد قادرة على تجاهل هذه الأزمة كثيرًا.

ومع تحول الحرب الأهلية الليبية إلى ملعب أوسع نطاقًا للغرباء، أظهرت الانقسامات الأوروبية في التعامل تجاه هذه الأزمة حاجتها إلى أن تغير طريقتها في التعامل معها.

فمن جهة، تدعم مصر، والإمارات، والسعودية، وفرنسا والآن روسيا خليفة حفتر، الذي فرضت قواته حصارًا على العاصمة طرابلس، مهددة الحكومة المدعومة دوليًّا هناك.

ومن ناحية أخرى، تدعم قطر وإيطاليا والآن تركيا حكومة الوفاق الوطني، التي شُكلت بموجب اتفاق سياسي برعاية الأمم المتحدة عام 2015، ويقودها رئيس الوزراء الليبي فايز السراج.

ورأى الكاتبان أن الانقسامات بين فرنسا وإيطاليا أدت بالفعل إلى انقسام الاتحاد الأوروبي وإضعاف موقفه في ليبيا.

أوروبا والحل العسكري

وبوصفه كبير الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي، «جلب جوزيب بوريل فكرًا جديدًا وطاقة متجددة ورغبة في النظر إلى ليبيا بوصفها أزمة وحربًا في حد ذاتها»، على حد تعبير السيدة جازيني من مجموعة الأزمات الدولية.

Embed from Getty Images

وأكد بوريل مرارًا وتكرارًا، الشهر الماضي، مخاطر التدخل العسكري التركي في ليبيا، وانتقد تفضيل أوروبا التعامل مع هذا الصراع عبر القانون الدولي فقط.

وقال أمام البرلمان الأوروبي هذا الأسبوع: «نحن الأوروبيين، بما أننا لا نريد المشاركة في حل عسكري، فإننا نحاصر أنفسنا داخل وهم الاعتقاد بأنه لا يوجد حل عسكري». مضيفًا أنه «لن يكون أحد سعيدًا للغاية إذا كانت هناك، على الساحل الليبي، حلقة من القواعد العسكرية من القوات البحرية الروسية والتركية أمام الساحل الإيطالي».

وأضاف في رسالة على تويتر: «لكن هذا شيء يمكن أن يحدث بشكل كبير. ويتعين علينا أن ننخرط بقوة، وأن نبقي ليبيا موحدة، وأن نجد حلًّا سلميًّا لهذا الصراع». وأوضح التقرير أن هذا الأمر لن يكون يسيرًا.

وأشار التقرير إلى أن روسيا وتركيا أحضرتا حفتر والسراج إلى موسكو، الأسبوع الماضي، لحملهما على التوقيع على اتفاق دائم لوقف إطلاق النار، ما يعد علامة أخرى على النشاط الدبلوماسي الروسي لملء الفراغ الذي تركته أوروبا والولايات المتحدة. لكن حفتر، الذي يعتقد أنه ما يزال بإمكانه الاستيلاء على طرابلس، رفض الانصياع لداعميه الروس وسافر من موسكو دون توقيع على اتفاق.

وأوضح الكاتبان أن البعض يعتقد أنه سيوافق على القيام بذلك يوم الأحد في برلين، وأن توقيعه، سواء كان صادقًا أم لا، سيكون بمثابة لفتة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

الدور الأمريكي يتراجع

ونقلا عن مجموعة الأزمات الدولية قولها إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي دعمت حكومة السراج وعملية الأمم المتحدة، عكست مسارها في أبريل (نيسان) الماضي، بعد اجتماع مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

واستطردا بالقول إن واشنطن لا تتدخل إلى حد كبير، وأعلنت للتو أنها سوف تقلص الوجود العسكري للولايات المتحدة في غرب أفريقيا بشكل حاد، والذي كان مقصودًا به مكافحة الإرهاب إلى جانب الفرنسيين، لذا فإن النفوذ الأمريكي سيزداد تآكلًا.

وقال مسؤول كبير بوزارة الخارجية الأمريكية إن وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي غيّر جدوله لحضور الاجتماع الرفيع المستوى، سيحث على ثلاثة أمور: استمرار وقف إطلاق النار، وانسحاب جميع القوى الخارجية، والعودة إلى العملية السياسية التي تقودها ليبيا برعاية الأمم المتحدة.

وذكر كاتبا التقرير أنه كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي، يبدو أن هناك القليل من القوة وراء هذه الأهداف، فلم تصل الرسائل إلى حد التعبير عن التأييد لحكومة السراج.

صراع النفط والغاز

يضيف التقرير أن التحالفات التاريخية في ليبيا، والاهتمام باكتشافات الغاز في شرق البحر المتوسط، هي لب المشكلة، وزادت من رهانات الأطراف الخارجية.

وأضافا أننا إذا نحينا مسألة الهجرة جانبًا، فإن إيطاليا، القوة الاستعمارية السابقة، وعملاق الطاقة التابع لها، شركة إيني، هما لاعبان رئيسيان في ليبيا. لذا، فإن الاستقرار يشكل أهمية كبرى بالنسبة لروما، وقد حاولت الحكومة التوسط بين حفتر والسراج.

Embed from Getty Images

ولكن مع تحول اتجاه القتال بعيدًا عن خطط حفتر، وتحول إيني إلى المزيد من المصالح التجارية في شرق البحر الأبيض المتوسط، أصبح الموقف الإيطالي أكثر غموضًا.

ونقل التقرير عن طارق المجريسي، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قوله: «بدأ النفوذ الروسي أولًا وقبل كل شيء في البنية التحتية للغاز والنفط».

وأضاف أنه «إذا تحقق موقف ترعى فيه روسيا وتركيا السلام، وتوظف روسيا استثمارات ضخمة في البنية التحتية للنفط والغاز في ليبيا، فإن هذا يعني وقوع خط أنابيب آخر في نطاق أوروبا بين أيدي الروس. وهذا أمر بالغ الخطورة».

وبالنسبة لجيران البحر الأبيض المتوسط الآخرين، اليونان وقبرص، سيحققان مكاسب إذا ما نجح التنقيب عن الغاز في تحقيق جدوى تجارية، ولذلك فإن ليبيا تشكل أهمية بالغة للجميع.

وقال المجريسي إنه على الرغم من التنافر الواضح بين كل الأطراف، فإن اجتماع برلين، إذا نجح ولو بشكل طفيف، يمكن أن يبدأ في تحويل اتجاه التدخل الأوروبي في ليبيا، وفي النهاية لصالح ليبيا نفسها.

وتابع: «ليس الأمر أن أوروبا غير قادرة، بل يبدو أنها غير راغبة. لا يجب أن يكون هذا هو الحال، إذ إن لديهم أدوات تحت تصرفهم، ولديهم بالفعل بعض الأوراق التي يمكنهم اللعب بها».

مواقع أخرى

منذ 9 شهور
«نيويورك تايمز»: نظرة محمد بن زايد القاتمة للشرق الأوسط

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد