أطلق خليفة حفتر في مطلع أبريل (نيسان) هجومًا على طرابلس عاصمة ليبيا ومقرّ حكومة الوفاق الوطنيّ، ليبدأ بذلك فصلًا جديدًا من الانقسام الليبي، ويُنهي آمال حل سلميّ وسياسيّ للانتقال السياسي الذي تسعى قوى ليبيا لإنجازه منذ انطلاقه بعد الثورة عام 2011.

نشرت شبكة «نوريا» مقابلةً مع سيف الدين الطرابلسي، وهو محللٌ سياسيّ وصحافي سابق ذو خبرة ميدانية واسعة في ليبيا منذ 2011. أجرى المقابلة كزافييه غينارد، باحثٌ مهتم بالشأن الليبي، وما يلي عرض لها:

يجمع الصراع الحالي عشرات الفصائل في مُعسكرين رئيسيين.. كيف وصل توزيع القوى إلى شكله الحالي في ليبيا؟

يعودُ الطرابلسي إلى الوراء: جذورُ الانقسام الليبي جاءت مباشرةً من بعد ثورة 2011. كلُّ مشهد ثوري يطوي بداخله احتمالًا قويًّا لوقوع انقسام، وليبيا لم تكن استثناءً. احتاج سادة ليبيا الجدد، القوى الثورية، وقتًا طويلًا لبناء مساحة سياسية، وعزل أجزاء من الشخصيات السياسية والقبلية. وبعدَ حكم طال 40 عامًا لمعمّر القذافي أولت القوى الناشئة من «ثورة 17 فبراير (شباط)» إقصاء الخضر، أتباع القذافي، من المشهد السياسي.

وإن بدا هذا القرار متابعةً للجهود الثورية على المستوى المؤسساتي، إلا أنه لم يراع اختلاف درجات القرب من القذافي وسلطته. وتعاظم أثر ذلك بقانون صدر في 5 مايو (أيّار) 2013، باسم «قانون العزل السياسيّ» الذي يمنعُ أي شخصٍ خدم أثناء وجود القذافي، منذ 1969 وحتى 2011، من ممارسة السلطة لعشر سنوات. ويذكرُ الطرابلسيّ مثالًا برئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان الليبي)، محمد المقريف، المعارض القديم الذي وجد نفسه معزولًا؛ لأنه عمل سفيرًا في الهند قبل معارضته للقذافي عام 1980.

وهكذا، فالمعارضة التاريخية، جربت الحكم منفردة في العامين التاليين للثورة، مستبعدةً ليس مؤيدي النظام القديم فقط، وإنما أيضًا أنصاره الذين انضموا للثورة فورَ انطلاقها.

خليفة حفتر، قائد قوات جيش ليبيا الوطنيّ- إيطاليا.

والسؤال الناتج من هذا القانون: ما رد فعل القوى السياسية والقبلية المعزولة؟

يذكرُ الطرابلسي أن بعضهم لم يترددوا عن مساءلة شرعية البرلمان، أو حتى عن دعم أيّة محاولات سياسية، أو عسكريّة، أو كليهما، لإنهاء العملية السياسية الناتجة من ثورة 17 فبراير.بعضهم وقفوا بجانب دعوة خليفة حفتر، ضابط القذافيّ العائد من المهجر في 2014، واعدًا بـ«إنهاء الفوضى»، ومنكرًا شرعية السلطة القائمة. أسّس حفتر، لتنفيذ أهدافه، جماعةً مسلحة باسم «الجيش الوطني الليبيّ» الذي أطلقَ به «عملية الكرامة» ليأخذ السلطة عسكريًّا. وفي مايو (أيّار) 2014، بدأ معركةً ضد كل الجماعات المسلحة المُعارضة له في بنغازي (شرق ليبيا) واستمر القتال ثلاثة أعوام.

وينتقلُ الطرابلسيّ إلى الغرب: حتى هناك استُجيب لنداء حفتر، إذ انضمت له مجموعات مسلحة تحديدًا من مدينة الزنتان، التي تبعدُ 150 كم جنوب غرب العاصمة. هاجمت هذه المجموعات البرلمان لاحقًا لتُنهي عمله. جمعَ «تحالف فجر» مُعارضي مشروع حفتر في معظم المدن الغربيّة، واحتلّ طرابلس ومنعَ هجمات الجيش الوطني الليبي وحلفائه. وبمرور عدة شهور انتهت هذه الفصائل للانقسام: «الثوريّون» الذين يدافعون عن سلطة طرابلس، ضدّ مؤيّدي حفتر.

ويختمُ الطرابلسيّ جوابه بالحديث عن الجانب الإقليميّ للانقسام الليبي. انقلاب 2013 في مصر غيّر توازن القوى الإقليميّ تغييرًا جذريًّا بإطاحته الحكومة الرئيسية المتولّدة عن الربيع العربي. ولاقى حفتر دعمًا غير متوقع من محورٍ إقليميّ جديد قويّ؛ جمعَ مصر والإمارات والسعودية. كلّ هذا دونَ الحديث عن الدعم الفرنسيّ لحفتر.

لمَ للجماعات المسلحة والسلطات المحليّة هذه الأهمية في السياق الليبيّ المحليّ؟

يعودُ الطرابلسيّ مجددًا لعام 2011 قائلًا: السلطة كانت متمركزةً في شخص رجلٍ واحد، معمر القذافي. والثورة جزَّأتها. حُررت السلطة من يد مجموعة شديدة الصِّغر ووقعت، شبه حرفيًّا، في أيدٍ عديدة متنوّعة.

في ليبيا ما بعد الثورة لم تعد الدولة ممسكةً بزمام السلطة، أو تنفّذ الخدمات العامة، ولكن قوى سياسية محلية تختلفُ طبيعتها وأحجامها، من مجموعات مسلحة إلى مجالس بلديات، ومجالس قبلية وشبكات الأحياء… إلخ.

«التركيز على (المحليّة) منتجٌ لنظام عمره 40 عامًا كانت فيه الدولة تهديدًا أحيانًا». *سيف الدين الطرابلسي

رافق هذا التشرذم للسلطة السياسية انكماش في الحركة بين المناطق، وتصدّر الهوية السياسية المحليّة للنقاش الوطنيّ العام. ولكن من الخطأ، في نظر الطرابلسي، اعتبار هذه الهوية -المحليّة- مضادّة لهوية ليبية أوسع. حتى وإن كانت في الواقع موجودة باعتبارها نتيجة، أو انتظارًا لخيار آخر. ويقول الطرابلسي: رغم أن هذه الهويات بُنيت بمسارات محليّة تاريخية واسعة التمايز، إلا أنّ استعمالها اليوميّ يكشفُ عن غياب شرعيّة وطنيّة أكثر مما يكشف عن الخصومة بين هذه الهويات.

تَقبلُ عموم المجموعات المسلحة ورجالها الآن مبدأ نزع السلاح، ولكن السؤال المُعجز يأتي: لمَن نسلّم السلاح، ومن سيحفظ الأمن؟ يرى الطرابلسيّ أن هذا التركيز على «المحليّة» منتجٌ لنظام عمره 40 عامًا كانت فيه الدولة تهديدًا أحيانًا. ومن هنا تأتي مطالب الضمانات والقوى المُضّادة للدولة المركزية المُطلقة، وهي عاملٌ أساسيّ لبناء علاقة هادئة بين الهويات السياسية المحلية، وإعادة البناء الوطني. وحتّى ذلك الحين: تتكوّن التحالفات والصراعات على المستوى المحليّ مغذية ديناميات الحرب الأهلية.

عودة إلى محاولة إنهاء انقسام 2014 باتفاقية الصخيرات

برأي الطرابلسي، فشلَ اتفاق الصخيرات لافتقاره للشموليّة. فمنذ البداية استُبعد جزءٌ من المؤتمر الوطنيّ العام، بما في ذلك القوى الإسلاميّة، ولم يشمل الفصائل المختلفة من النظام القديم.

«هذا التوازن السياسيّ زادَ من الانقسام بدلًا من حله». *سيف الدين الطرابلسي

تحوي المقابلة خطًا زمنيًّا لتطور الأحداث في ليبيا، يبدأ في يوليو (تموز) 2012، حين انتخب بانتخاب حرّ لأول مرة برلمان ليبي. لحقتها انتخابات برلمانية أخرى في يونيو (حزيران) 2014، أفرزت برلمانًا بتصويت شعبي ضعيف وانقسام شديد. وحتّى ديسمبر (كانون الأول) 2015، الذي انتهى باتفاقية الصخيرات نتجت منها حكومة الوفاق الوطني في طرابلس العاصمة بقيادة فايز السراج.

المؤتمر الوطنيّ العام، أولُ برلمان ليبيّ منتخب، افتُتح في 8 أغسطس (آب) 2012، واستغرق 18 شهرًا لكتابة الدستور دونَ أن يُنجزه. ووسطَ الأزمة السياسية والصراع المسلّح نظَّم المؤتمر الوطني العام انتخابات جديدة في يونيو 2014، انتهت بتكوين مجلس النواب. ومع إقبالٍ دون 20% واجه البرلمان صعوبةً بسبب الجو السياسي الموجود، وبسبب إطلاق عملية الكرامة العسكرية في بنغازي. المجلس الجديد كان منقسمًا جدًا ولم تتم له جلسةٌ كاملة. وبينما ينصُّ الدستور على أن تنعقد جلسات البرلمان في بنغازي، إلا أن أولى جلساته عقدت في طبرق (في الشرق) بسبب الصراعات. وقاطعه 51 من أصل 200 نائب.

عيّن برلمان طبرق حكومةً مؤقتة في مدينة البيضاء (شرقيّ ليبيا). رفضَ المؤتمر الوطني العام الاعتراف بشرعية البرلمان الجديد، وبقيَ على تأييده لحكومة الإنقاذ الوطنيّ في طرابلس. يقولُ الطرابلسيّ: هنا كانت بداية الانقسام المؤسسيّ في ليبيا.

الفصائل الليبية المختلفة اجتمعت في الصخيرات، في المغرب، بعد عامٍ ونصف بإشراف أممي لإنجاز اتفاقٍ سياسيّ هدفه إنهاء الانقسام. نصَّ الاتفاق على تشكيل حكومة وفاقٍ وطنيّ، ومجلس رئاسيّ يرأسه فايز السراج في طرابلس، واعترف بشرعية البرلمان ليمارس السلطة التشريعية. انضمَ أعضاء من المؤتمر الوطني العام للمجلس الأعلى للدولة، وهي مؤسسة استشارية شكّلت باتفاقية الصخيرات.

رئيس حكومة الوفاق، فايز السراج، في إيطاليا مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي.

وفي النهاية، يرى الطرابلسيّ أنّ توازن القوى عملَ مقويًا للانقسام؛ السلطة التنفيذية في طرابلس والتشريعية في طبرق، مع إبعاد بعض الشخصيات السياسية الليبية. في هذا السياق وُلد مشروع «المؤتمر الوطنيّ». (مُختلفٌ عن المؤتمر الوطني العام الليبيّ).

ما الذي كان يطمحه المؤتمر الوطنيّ الذي أُعلن مطلعَ 2019؟

يتحدث الطرابلسيّ عن تعيين ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، غسان سلامة، الذي أعلن خطة عمله في 20 سبتمبر (أيلول) 2017. وبنى جدوله على أربع أولويات: انتهاء الانقسام السياسيّ بإنفاذ اتفاق الصخيرات، وإجراء انتخابات، وتنظيم عملية دستورية، وأخيرًا تنظيم مؤتمر وطنيّ.

تنظيم المؤتمر الوطنيّ جاء بـ77 اجتماعًا أجريت بين أبريل (نيسان) ويوليو 2018. وكانت الصعوبة في أن تضع فصائل المجتمع الليبي المختلفة الخطوط العامة لإجماع وطني، وكذا أن تحدد الاختلافات حولَ أربعة مواضيع: الأولوية المحلية والسلطات الوطنيّة، والأمن والدفاع، وتوزيع المصادر، والعملية الانتخابية. عاشت ليبيا منذُ 2011 عدّة مبادرات سلام دولية ووطنيّة، ولكن التجهيز للمؤتمر الوطني اختلف عن ما سبق من عدة جوانب؛ سياسيًّا: ظُنَّ أنه سيكون شاملًا لجميع الشخصيات السياسية الليبية، وللـ«مواطنين العاديين» الذين دُعوا للمشاركة في تحديد المشاكل التي نشأت عن الانقسام السياسي، وليشاركوا في إيجاد حلول.

كافة الاجتماعات كانت مفتوحة/ عامة لجمع أطرافٍ من الجيش والميليشيات والقبائل والبلديات وغيرهم، ليكونوا مسؤولين أمام مواطنيهم. أُعدّت تقارير لهذه الاجتماعات وهي متاحة على الإنترنت، وعُرضت على غسان سلامة وعلى سلطات محلية وشخصيات دبلوماسية.

خطّط للمؤتمر الوطنيّ لينعقد في مدينة غدامس في 14 أبريل 2019، وأُلغي بسبب هجمات عسكرية على العاصمة سبقت انعقاده بـ10 أيام. وهكذا قُوطعت العملية السياسية.

هل من سبيل للسلام في ليبيا؟

يقولُ الطرابلسيّ إن تجدد القتال غيّر المشهد كثيرًا. الحاجة الملحّة تحقيقُ وقف إطلاق نار، وهو شرطٌ ضروري، ولكن غير كافٍ، لبدء العملية السياسية.

أما بالنسبة للأطراف المنخرطة في الصراع ففهمهم يختلفُ لما يعنيه وقفُ إطلاق نار؛ فبالنسبة لحفتر قد يعني أن يحافظ على مكانه حول طرابلس، ولكن بالنسبة لحكومة الوفاق الوطني فأيّ اتفاقٍ يجب أن ينطوي على انسحاب لقوات الجيش الوطني الليبيّ لخط ما قبل 4 أبريل، يوم إطلاق العملية العسكريّة على العاصمة.

يشيرُ الطرابلسيّ إلى أن انعدام الثقة في أعلى مستوياته منذ الانقسام، ولا يقبل أحد القادة أن يعطي الآخر شرعيةً بالقبول بالاجتماع معه. كلا المعسكرين ينتظران وسيطًا جديدًا، ولكن حتى اللحظة، هذه المحاولات باءت بالفشل. الحل العسكري لم يتجاوز العملية السياسية فحسب، بل حطّمها.

قوات تابعة لحكومة الوفاق الوطنيّ تواجه قوات تابعة لحفتر جنوبيّ العاصمة الليبية طرابلس. الصورة بتاريخ 25 مايو (أيّار) 2019. وفوقَ ذلك، أعلنَ كلا الطرفين أوامر اعتقال بحقّ مسؤولين سياسيين وعسكريين كبار لدى الطرف المعاكس، معزّزين بذلك صعوبة عقد اجتماعٍ رسميّ. وأعلنت حكومة الوفاق الوطني نيّتها للتقدّم للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في اتهامات جرائم حرب ضدّ خليفة حفتر وقواته.

«أيّ اتفاق جديد يجب أن يكون أشمل، ويدعو كل الفصائل لطاولة التفاوض». *سيف الدين الطرابلسي

أخيرًا يأتي اتفاق أبوظبي الذي تفاوض فيه القائدان، حفتر والسراج، بنجاح. أيّ اتفاق جديد يجب أن يكون أشمل، ويدعو كل الفصائل لطاولة التفاوض. وإذا أرادت هذه الفصائل أن يكون للمفاوضات أثرٌ حقيقيّ فمن الضروريّ دعوة الدول الأكثر انخراطًا والمعنية بالحرب في ليبيا: الجزائر وتونس ومصر، وإيطاليا وفرنسا وتركيا، والإمارات العربية المتحدة وقطر وغيرهم.

الهجوم على العاصمة كان تذكيرًا بالتهميش الذي تعرضت له بعض المدن غرب ليبيا مقارنةً بطرابلس. ويضربُ الطرابلسيّ المثل بمدينة ترهونة والعزلة السياسية والاقتصادية التي واجهتها من طرابلس، وما يفسره هذا من دعمها لحفتر. وأبعد من ذلك عزّز الهجوم الانقسامات الإقليمية بين طرابلس و«برقة» و«فزان»، ومثلها الانقسامات المحليّة بين المدن التي أصبحت، فجأةً، متنافسة.

أيّ اتفاق سلام يجبُ أن يعالج هذه الانقسامات، والتركيز الضخم للموارد التي غذَّت الحرب الأهلية منذ 2014. ويجب للاتفاق الجديد أن يوافق بين الطلب القوي اللامركزيّة (والذي عززه قانون 69 عامَ 2013) والحاجة للوحدة الوطنيّة. ويختم الطرابلسيّ: لا يمكن لطرفٍ سياسي واحد أن يأمل بتجسيد الحل السياسي وحده.

مترجم: إلى أين وصلت حرب السيطرة على طرابلس؟ وما سيناريوهات التهدئة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد