نشر موقع ديفنس وان مقالًا حول الصراع العسكري الدائر في ليبيا، حيث اختلطت الأوراق على طاولة عدة أطراف لترسم صورة لما يمكن أن تبدو عليه الحروب في المستقبل، وعواقب هذه التطورات على المنطقة بأسرها. 

كاتبا المقال، الباحث المتخصص في الشرق الأوسط في مؤسسة راند، ناثان فيست، وزميله كولين ب. كلارك، كبير الباحثين في مركز صوفان، يصفان المشهد في الأراضي الليبية كما لو كنا نراه رأي العين: طائرات بدون طيار، ومرتزقة، وحملات تضليل إعلامية تُشن عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ماذا يجري في ليبيا؟

يقول كاتبا المقال: يمكن أن يكون الصراع الليبي، الذي يدخل الآن عامه التاسع، ساحة اختبار لكيفية خوض الحروب في المستقبل. ويبدو الصراع نفسه اليوم مختلفًا كثيرًا عما كان عليه في عام 2011، عندما أطاح تحالف من دول منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الديكتاتور الليبي الذي استمر طويلًا في الحكم، معمر القذافي، وسرعان ما انزلقت البلاد إلى حرب أهلية وقتال داخلي مميت بين الميليشيات القبلية، والجهاديين السلفيين، وغيرهم من الفاعلين غير الحكوميين.

عربي

منذ 5 شهور
«الإندبندنت»: من يجندهم وكيف يدخلون البلاد؟ رحلة في عالم المرتزقة في ليبيا

على أحد جانبي الصراع، هناك حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، المدعومة من تركيا، وبدرجة أقل إيطاليا وقطر. وعلى الجانب الآخر، يوجد الجيش الوطني الليبي بقيادة أمير الحرب سيئ السمعة خليفة حفتر، المدعوم من تحالف متنوع يضم روسيا، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، ويحصل كذلك على درجات متفاوتة من الدعم من المملكة العربية السعودية، وفرنسا، واليونان. والرهانات في هذا الصراع عالية، أما الجوائز فتشمل الوصول إلى احتياطيات ليبيا الضخمة من مصادر الطاقة وعقود استخراجها، وتكريرها، وتسليمها.

ما الجديد بالضبط في ما يحدث في ليبيا؟

لكن الدول الخارجية لطالما تدخلت في الحروب الأهلية التي تغرق فيها دول أخرى، فيتساءل التقرير عما يجعل ما يحدث في ليبيا جديدًا.

يقول كاتبا المقال: يعتمد طرفا النزاع اعتمادًا متزايدًا على المرتزقة. فتركيا دربت مرتزقة من سوريا وأرسلتهم إلى ليبيا، في حين حظيت قوات حفتر على تعزيزات من مجموعة فاجنر، التي تضم مرتزقة روس أُرسلوا من قبل إلى أوكرانيا، وسوريا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، والسودان، وزيمبابوي، وموزمبيق، والآن ليبيا. 

علاوة على ذلك، تجند روسيا مرتزقتها من السوريين لنشرهم في ليبيا، والقتال بالنيابة عن حفتر. كما تعاون الجيش الوطني الليبي مع مرتزقة من السودان، وأفراد غربيين يعملون لدى شركات أمنية خاصة تتخذ من الإمارات مقرًا لها.

أكبر حرب طائرات بدون طيار في العالم

وعندما أطلق حفتر محاولته للاستيلاء على العاصمة طرابلس في أبريل (نيسان) عام 2019، اشتملت الغارات الجوية التي شنها الجانبان في أعقاب ذلك على أساطيل صغيرة من الطائرات المقاتلة القديمة. 

ومنذ ذلك الحين، أصبحت الطائرات بدون طيار الأجنبية هي التي تتولى شن الضربات الجوية، مثل طائرات بيرقدار تي بي 2 التركية لصالح حكومة الوفاق الوطني، وطائرات وينج لونج 2 الإماراتية لصالح حفتر.

Embed from Getty Images

وبينما تتصارع تركيا والإمارات لتحقيق التفوق الجوي، تصاعد تدخلهما بسرعة إلى ما وصفه مبعوث الأمم المتحدة السابق إلى ليبيا غسان سلامي بأنه «أكبر حرب طائرات بدون طيار … في العالم». فحتى شهر يناير (كانون الثاني)، أفادت التقارير بأن الإمارات نفذت ما يزيد عن 850 غارة بطائرات بدون طيار، بينما نفذت تركيا 250 غارة بطائرات بدون طيار.

ويشير التفاوت في مجموع الضربات إلى أن الإمارات كانت لها اليد العليا لبعض الوقت. لكن أنقرة صعَّدت دعمها العسكري منذ شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في أعقاب توقيع تركيا وحكومة الوفاق الوطني مذكرات تفاهم أمنية وبحرية. 

وبدأت تركيا في نشر المزيد من الطائرات بدون طيار، وأنظمة دفاع جوي متقدمة، وآلاف المرتزقة السوريين، مما أدى إلى انقلاب ميزان القوى مرة أخرى لصالح حكومة طرابلس. ومنذ ذلك الحين، قصفت تركيا قوات حفتر بضربات جوية، دمرت العديد من أنظمة الدفاع الجوي الروسية الصنع من طراز بانتسير إس 1، وسهلت التقدم السريع للقوات المناهضة لحفتر. 

وفي الشهر الماضي، نشرت روسيا طائرات مقاتلة، يقودها على الأرجح مرتزقة، في وسط ليبيا؛ لردع العمليات الجوية التركية الموسعة، ووقف موجة الانتكاسات التي مُنِيَ بها حفتر.

التضليل الإعلامي يقلب ميزان القوى

ويذكر كاتبا المقال أن جهود التضليل سعت أيضًا إلى قلب ميزان القوى في ليبيا. وفي حين تصدر هذه الجهود من طرفي النزاع، فإن البلدان التي تدعم حفتر والجيش الوطني الليبي- وخاصة روسيا، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية- كانت أكثر نشاطًا وعدوانية في نشر جيوش من الذباب الإلكتروني، والدُمى الإعلامية، والمغردين الذين ينشرون رسائل تحريضية ويروجون محتوى مؤيدًا لحفتر. 

على سبيل المثال، رصد مختبر أبحاث الطب الشرعي الرقمي التابع للمجلس الأطلسي أن الوسم المنشور باللغة العربية #نؤيد_الجيش_الليبي_العربي الموالي لحفتر، أُعيد تغريده 20 ألف مرة في اليوم الذي أعلن فيه حفتر هجومه على طرابلس، وكانت أكبر مجموعة من هذه الحسابات تغرد من مصر، والإمارات، والسعودية.

استخدام المرتزقة يستشري في المنطقة

ويضيف الكاتبان: بالإضافة إلى ذلك، فإن نشر الآلاف من المرتزقة السوريين والسودانيين في ليبيا يعكس اتجاهًا متناميًا ومقلقًا في الحرب الحديثة التي تجري بالوكالة. ويتزايد استغلال الجهات الفاعلة الحكومية للأشخاص عديمي الجنسية أو المعرضين للخطر، بتجنيدهم مقاتلين، ونشرهم في الخارج، بهدف ما يُعرِف بـ«إسقاط القوة».

Embed from Getty Images

وفي هذا السياق، نشرت إيران عشرات الآلاف من مواطني الهزارة الأفغان عديمي الجنسية للقتال لصالح نظام بشار الأسد في سوريا، كما تنشر تركيا، وروسيا، والإمارات العربية المتحدة على نحو مماثل مرتزقة جُلبوا من مجتمعات يائسة للقتال في الحرب الأهلية في ليبيا.

ويبدو أن استخدام المرتزقة أكثر فعالية من حيث التكلفة بالنسبة لدولة مثل روسيا التي تنفذ مهامها من خلال مقاولي الأمن الخاص وحملات وسائل التواصل الاجتماعي بدلًا من نشر القوات الروسية والمخاطرة بحدوث رد فعل عكسي محليًا ودوليًا. 

وبالنظر إلى القيود التي يفرضها فيروس كورونا المُستجد، والضغط الذي سيشكله على الميزانيات العسكرية والاقتصادات الوطنية، يمكن أن يتحول مستقبل الحرب إلى ما يشبه «الحروب بأرخص الأثمان»، (في إشارة لاعتمادها على المرتزقة والطيارات بدون طيار).

وعلى الأقل في المستقبل القريب، يمكن أن تصبح فكرة «شن حروب عن بعد»، أو القتال من على بُعد، أمرًا شائعًا باعتبارها طريقة للدول لحماية جنودها من المخاطر، سواء من الصراع أو المرض. وبديلًا للجنود، يمكننا أن نرى اتجاهًا يتطور يشبه إلى حد كبير النموذج الذي يجري في ليبيا، والمتمثل في التكنولوجيا الناشئة المقترنة بقوات تحارب بالوكالة وحملات وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد