يرصد التقرير النقلة النوعية التي ربما يشهدها الصراع الليبي؛ بالتحول من حرب بالوكالة إلى مواجهة عسكرية تقليدية، لاسيما بعد الهجوم الذي دمر الأنظمة الدفاعية التركية في قاعدة الوطية الجوية، وتصميم أنقرة على المضي قدمًا في عملية سرت والجفرة. 

يستهل التحليل الذي نشره موقع «المونيتور» الأمريكي وكتبه متين جوركان، المحلل الأمني المستقل والمستشار العسكري التركي السابق من 2002 إلى 2008، بالقول: «تصاعد التوتر في ساحة المعركة الليبية حول محافظة سرت الغنية بالنفط وقاعدة الجفرة الجوية الاستراتيجية بعد إعلان القيادة العسكرية لحكومة الوفاق الوطني – المعترف بها دوليًّا – ثلاث مناطق بالقرب من سرت بأنها مناطق عسكرية، في إشارة أخرى إلى أن قوات الوفاق الوطني المدعومة من تركيا تستعد لشن حملة عسكرية جديدة».

معركة «سرت – الجفرة» تلوح في الأفق بعد الاستعدادات الجارية

وكرر قائد غرفة عمليات تأمين وحماية سرت والجفرة أكثر من مرة أن قوات الوفاق مستعدة لدخول سرت، لكنها في انتظار أوامر رئيس حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، فايز السراج، بصفته قائدًا للجيش الليبي، رُغم تهديدات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن محافظة سرت وقاعدة الجفرة الجوية «خط أحمر» بالنسبة للقاهرة.  

يُشير الكاتب إلى أن إعلان ثلاث مناطق قريبة من سرت بأنها مناطق عسكرية، جاء بعد اتصالات مكثفة أُجريت بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني التي تقاتل «الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر المدعوم من مصر. 

Embed from Getty Images

في 3 يوليو (تموز)، توجه كلٌّ من وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، ورئيس أركان الجيش التركي ياشار جولر إلى ليبيا في زيارة غير مقررة، والتقيا فايز السراج، ونائب وزير الدفاع، ورئيس الأركان العامة، وقائد القوات البحرية الليبية، بالإضافة إلى زيارة قاعدة مطار معيتيقة الدولي، ‎ وتفقدا الفرقاطتين التركيتين قبالة الساحل الليبي.

ويلفت الكاتب إلى أن الأوساط الدفاعية في أنقرة تنظر إلى هذه الزيارة على أنها طريقة لقياس مستوى استعداد قوات حكومة الوفاق الوطني قبل عمليات سرت والجفرة التي تلوح في الأفق.

هجوم على «قاعدة الوطية» بعد زيارة وزير الدفاع التركي

في المقابل كانت استجابة خصوم حكومة الوفاق الوطني على زيارة آكار سريعة؛ فبعد ساعات فقط من زيارة وزير الدفاع التركي، تعرض نظام الدفاع الجوي «إم آي إم-23 هوك» المحسَّن، الذي نشرته تركيا في ثلاث زوايا مختلفة لقاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية، لهجوم جوي أسفر عن إلحاق أضرار بالنظام، لكن لم يُعلن عن وقوع أي إصابات.

وكانت قوات حكومة الوفاق الوطني قد استولت على قاعدة الوطية الجوية، التي تقع على بعد حوالي 125 كيلومترًا (78 ميلًا) جنوب طرابلس بالقرب من الحدود التونسية، وكسرت الحصار المفروض منذ 14 شهرًا من قبل ما يعرف بالجيش الوطني الليبي حول طرابلس وأجبرت قواته على الانسحاب.

ويصف الكاتب هذا الهجوم على قاعدة الوطية الجوية قائلًا: إنه اختبار لقياس قدرات نظام الدفاع الجوي التركي في ليبيا، لكن النظام فشل في الاختبار، ما يُظهر أن المنطقة جنوب طرابلس ليست تحت السيطرة الجوية الكاملة للأتراك، وما تزال الهيمنة على المجال الجوي في هذه المنطقة متنازعًا عليها، وهذا الوضع يُثير إزعاج تركيا؛ لأنه يكشف عن جوانب ضعف أنقرة في هذه المنطقة. 

السيناريوهات الأربعة لهجوم قاعدة الوطية الجوية

وتابع الكاتب قائلًا: إن الإخفاق الآخر الذي لحق بأنقرة هو أن منفذي الهجوم ما يزالون مجهولين، لكن هناك أربعة سيناريوهات مختلفة، بحسب مصادر تركية، تُوضح كيف نُفِّذ هذا الهجوم.

السيناريو الأول: ربما نُفذ الهجوم بطائرات «الميكويان ميج-29» أو «سوخوي إس يو 24» الروسية، منطلقة من قاعدة الجفرة الجوية على بعد حوالي 550 كيلومترًا (342 ميلًا) شمال المنطقة. لكن هذا السيناريو مستبعد جدًّا؛ إذ تتجنب روسيا المواجهة المباشرة مع تركيا، نظرًا إلى تعاونها المستمر مع أنقرة في سوريا وفي ميادين أخرى.

Embed from Getty Images

السيناريو الثاني: أن مصر أو الإمارات العربية المتحدة هي التي نفذت الهجوم بواسطة الطائرات المقاتلة النفاثة (ميراج أو رافال أو إف -16)، بعد إقلاعها من قاعدة سيدي براني المصرية الواقعة غرب مصر، على بعد حوالي 1350 كيلومترًا (839 ميلًا) من المنطقة.

ومع أن هذا السيناريو يبدو ممكنًا إذا ما نظرنا إلى موقف القاهرة العدائي المتزايد تجاه أنقرة، لكن من الصعب تصديق أن مصر ستُقدم على اتخاذ مثل هذه الخطوة التي قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين البلدين. 

السيناريو الثالث: يشير إلى احتمالية تنفيذ الهجوم بواسطة طائرات الميراج الفرنسية، التي أقلعت من قاعدة فايا لارجو الجوية في تشاد، على بعد حوالي 1780 كيلومترًا (1106 أميال) جنوب المنطقة. لكن التحليل استبعد هذا السيناريو تمامًا، ليس بسبب المسافة بين فايا لارجو والوطية فحسب، وإنما أيضًا لأن فرنسا ربما ترغب في تجنب الدخول في صراع مفتوح مع أنقرة حول ليبيا في الوقت الحالي على الأقل.

السيناريو الأكثر ترجيحًا.. الإمارات تقف وراء الهجوم

السيناريو الرابع: والأكثر ترجيحًا – من وجهة نظر الكاتب – أن الهجوم قد نفذَّته مقاتلات ميراج الإماراتية، التي أقلعت من قاعدة الخادم الجوية على بعد حوالي 880 كيلومترًا (547 ميلًا) من الوطية. ومع أن الإمارات لم تُعلن مسئوليتها عن الهجوم، فإن حكومة أنقرة والعديد من النقاد يرون أن طائرات الميراج الإمارتية قد نفذت الهجوم. 

يخلص الكاتب إلى أنه «بغض النظر عن المنفذ، فإن الهجوم على قاعدة الوطية الجوية يُعد تطورًا مثيرًا للقلق؛ لأنه يُظهر أن الحرب بالوكالة الجارية في ليبيا قد تخرج عن السيطرة وتنزلق سريعًا إلى مواجهة عسكرية تقليدية».

4 أسباب وراء صمت أنقرة عن الهجوم

ويُرجع الكاتب صمت أنقرة عن الهجوم إلى أربعة أسباب محتملة؛ الأول: ربما تتجنب أنقرة تصعيد الموقف بالانتقام من منفذي الهجوم، والثاني: أنها تختبر رد فعل موسكو على الهجوم على قاعدة الوطية، والثالث: لعدم وجود دعم من الولايات المتحدة والدول الأوروبية للانتقام التركي، أو ربما تحاول أنقرة التركيز على الاستعدادات الجارية لعملية سرت والجفرة الوشيكة، وهذا هو السبب الرابع المحتمل. 

وإذا كان كل ما سبق مجرد احتمالات، سواء التكهن بمنفذي الهجوم أو أسباب صمت تركيا للرد عليه، فإن الأمر الواضح تمامًا – كما يؤكد الكاتب- أن تصميم أنقرة على عملية سرت والجفرة ما يزال راسخًا؛ إذ إن شعور آكار وجولر بالرضا عند مغادرتهم ليبيا يُظهر اكتمال الاستعدادات للعملية، ما يعني أن أنقرة لا تساورها أي مخاوف تشغيلية بشأن العملية، برغم ما قد يطرأ من مشكلات على الجبهة الدبلوماسية. 

عربي

منذ 3 أسابيع
الحل والعقدة.. لماذا يسعى الجميع للسيطرة على سرت؟

اللجوء إلى الساحة الدبلوماسية لعدم كفاية الخيارات العسكرية

ويستطرد التحليل قائلًا: إن المشكلة على الجبهة الدبلوماسية تكمن في النشاط العسكري المتزايد لروسيا في ليبيا ردًّا على تصرفات تركيا، التي بدورها لم تضمن الدعم الذي كانت تحاول الحصول عليه من الدول الأوروبية، من إيطاليا وألمانيا بالأخص. 

وكانت ليبيا على رأس جدول أعمال زيارة وزير الخارجية الإيطالي، لورنزو غيريني، المفاجئة لأنقرة في 6 يوليو بالفعل. خلال الاجتماع الذي استمر قرابة أربع ساعات بين الوزير الإيطالي وخلوصي آكار، طلبت تركيا – حسبما أفادت التقارير-  دعمًا عسكريًّا من إيطاليا وإنشاء منطقة حظر جوي في مثلث (طرابلس – الجفرة – سرت)، بالإضافة إلى الدعم الدبلوماسي والضغط على الفرنسيين.

ويختتم الكاتب تحليله المنشور في موقع «المونيتور» الأمريكي بالقول: «يبدو أن أنقرة تقبَّلت أخيرًا حقيقة أن قدراتها العسكرية في المعركة الليبية، وأساليب الحرب بالوكالة، وطائراتها المسلحة بدون طيار «بيرقدار تي بي 2» ليست كافية للعملية العسكرية الجديدة، لذا بدأت في البحث عن حلفاء جدد، ومع ذلك جاءت تحركاتها على الجبهة الدبلوماسية متأخرة لأنها منشغلة جدًّا بالتحركات العسكرية أحادية الجانب».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد