نشر موقع «ميدل إيست آي» تحقيقًا، أعده دانيال هيلتون، تحت عنوان «حقول الموت في ترهونة الليبية»، حيث كشف فيه عن جرائم الحرب التي ارتكبها مقاتلو قوات الجنرال خليفة حفتر.

وتاليًا نص التحقيق كاملًا كما ورد في «ميدل إيست آي»:

ترهونة، ليبيا – في مزرعة عائلة هرودة، اختفى عمال الزراعة لتحل محلهم فرق الطب الشرعي، التي يرتدي أفرادها ملابسهم الواقية البيضاء، التي تبدو ناصعة مقارنة بتربة الموقع المغبرة التي يقترب لونها من لون الصدأ. هنا، وهناك، وضعت علامات بالطبشور لتحديد الأماكن التي سيجري حفرها، وكأنك أمام ملاعب كرة قدمة مرعبة. كما ثبتت رايات مثلثة صغيرة على حواف حفر ضحلة، تشير كل واحدة منها إلى مكان تم فيه العثور على جثث.

عن أمواتها تبحث ترهونة، تلك البلدة الريفية الواقعة على مسافة ستين كيلومترا جنوب شرق طرابلس – حيث تكسو أشجار الزيتون تلالا منخفضة مطلة على السهل الساحلي الليبي. تم على مدى ما يقرب من شهرين ونصف إخراج ما يقرب من 80 جثة من الأرض، ستة وخمسون منها كانت مدفونة في مزرعة آل هرودة وحدها. يعتقد المسؤولون أن ثلاثة أضعاف هذا العدد من الجثث ربما ما زال مدفونًا تحت حقول وبساتين ترهونة.

مواقع أخرى

منذ 3 شهور
مترجم: مشاهد صادمة.. مقابر جماعية جديدة في ترهونة

يقول عمدة البلدة محمد علي القشير: «ما زال أمامنا حفر كثير. لا يتجاوز ما تم حفره 20 بالمائة من هذه المنطقة. أناس من كل الخلفيات تعرضوا للقتل ودفنوا ههنا، بما في ذلك طفل في العاشرة من عمره. نكتشف جثثًا جديدة كل يوم. بل إن أحد الرجال تم دفنه هو وسيارته، ويداه مقيدتان بإطار القيادة».

تبحث فرق التنقيب عن كل ما يشير إلى وجود جثث مدفونة، مثل التغيرات الكيميائية في التربة، وأكوام التراب المكدسة بالقرب، والروائح المنبعثة من المخلفات. في قبرين من القبور التي عثر فيها على جثث في اليوم السابق، خط الدم والأنسجة المتحللة أشكال الضحايا داخل التربة. بينما تنبعث الروائح الكريهة من الموقع، تقوم فرق الطب الشرعي بنخل التربة بحثًا عن فتات عظم أو كومات شعر.

تعيش ترهونة حالة من الصدمة، وتعاني من ندوب عاطفية أعمق بكثير من تلك الصدوع التي يتم شقها في التربة بحثًا عن الضحايا.

بلدة ترهونة التي يقطنها ما يقرب من 40 ألف نسمة، والتي تشتهر بأراضيها الخصبة التي كان المستعمرون الإيطاليون يعظمون قدرها ويفضلها على غيرها معمر القذافي، تم تحويلها على مدى 14 شهرًا إلى قاعدة عسكرية أطلق منها خليفة حفتر، القائد العسكري المهيمن على شرق البلاد، هجومه المنكوب على طرابلس.

مئات المدنيين قضوا نحبهم في القتال الذي دار حول العاصمة الليبية في الفترة ما بين إبريل (نيسان) 2019 ويونيو (حزيران) 2020، أما في ترهونة فكان الناس يختفون إذا ما ارتكبوا أدنى مخالفة أو أحاطت الشكوك بولائهم.

عندما استولت القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس على ترهونة في الخامس من يونيو، اكتشفت 106 جثث مكدسة داخل مشرحة المستشفى المحلي. سرعان ما أدركت السلطات أن في البلدة إضافة إلى ذلك العديد من القبور الجماعية، اكتشف منها حتى الآن ثمانية، أضخمها هو ذلك القبر الجماعي الذي وجد في مزرعة هرودة. تعتقد فرق البحث أن العدد الإجمالي قد يرتفع إلى 12 قبرًا.

يقول قشير، الذي كلفته حكومة الوفاق الوطني بإدارة البلدية المؤقتة بعد الاستيلاء على البلدة، إن الأمر سيستغرق عامًا لحفر جميع المواقع المظنونة، وخاصة في ظل عدم توفر معدات أفضل وعدم وصول دعم دولي. وكان أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس قد دعا إلى إجراء «تحقيق شفاف»، ولكن حتى الآن لم يصل من المساعدة إلا النزر اليسير.

قال قشير بينما كان واقفًا يتأمل في حفرة عثر فيها مؤخرًا على 11 جثة: «من الناحية الدينية ليس هذا دفنًا كريمًا. ذلك هو الذي تفعله داعش. إنها أفعال أناس يشوهون الإسلام. أراد القتلة توجيه رسالة مفادها أن مجرد معارضة القتال في طرابلس كان يؤدي إلى الموت. وكل هذا تم بمباركة من حفتر وحلفائه».

ترهونة: منصة انطلاق حفتر

على مدى خمسة أعوام، كانت ترهونة تُحكم من قبل ثلاثة أشقاء متعطشين للدماء من عائلة الكاني ومن قبل مليشيا الكاني التابعة لهم، والتي تعرف أيضًا باسم اللواء السابع.

كانت عائلة الكاني في الأساس عبارة عن رجال عصابات، أقاموا لأنفسهم في ليبيا ما بعد القذافي إقطاعية داخل هذه البلدة الواقعة غربي البلاد. وما لبثوا أن اكتسبوا أهمية جيوسياسية في وقت مبكر من العام الماضي حينما سعى حفتر لاستخدام منطقتهم منطلقًا لشن هجومه على العاصمة الليبية.

وكان حفتر، جنرال الحرب المدعوم من قبل الإمارات ومصر وروسيا والذي يقود مجموعة من المليشيات ضمن ما يسمى الجيش الوطني الليبي، يضع طرابلس نصب عينه منذ وقت طويل. إلا أنه أخذ على حين غرة حينما قررت المجموعات المسلحة في طرابلس ومصراتة التحالف مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا ومؤازرتها بكل قوة، مما أحبط هجومه وقضى عليه عند مشارف العاصمة.

وبينما كانت رحى الصراع تدور، بادرت تركيا إلى ضخ الطائرات المسيرة والمعدات والمرتزقة السوريين إلى ليبيا، مما رجح كفة القتال بشكل حاسم لصالح حكومة الوفاق الوطني وأدى إلى اندحار الجيش الوطني الليبي في يونيو من هذا العام.

خلال تلك الشهور الأربعة عشر، حينما كانت ترهونة تعج بألوية الجيش الوطني الليبي وبالمرتزقة، بدأ حلفاء حفتر من عائلة الكاني يرتابون في السكان الذين كانوا يقهرونهم، وكانت العواقب كارثية على أهل البلدة. ما لبثت النزعات الإجرامية لدى آل الكاني أن تطورت بسبب جنون العظمة والصراع، وأصبح قمع المعارضة – سواء كانت حقيقة أو متوهمة – حدثًا يوميًا اختفت بسبب عائلات بأكملها.

باتت شواهد جرائم القتل موجودة اليوم في كل حي تقريبًا، وفي كل مزرعة. توجد قريبًا من موقع بناء لم يتم بعد مسحه بحثًا عن جثث ضحايا ثلاجة ملقاة ملطخة من داخلها بالدماء الجافة. وفي مكان آخر، توجد سيارة بيضاء مرشومة بثقوب الرصاص يبدو أن قائدها فقد السيطرة عليها فاصطدمت ببعض الأشجار. إلى جانبها حذاء أسود، زوج من الكعب العالي، وعقدة من الشعر، وذلك كل ما تبقى من آثار ركاب تلك السيارة.

تقاطعات شوارع ترهونة التي تموج الآن بالحركة كانت ذات يوم مسرحًا لنقاط التفتيش التي كان ينصبها آل الكاني، حيث تقوم مليشيات الجيش الوطني الليبي بسحب الرجال بشكل تعسفي من سياراتهم بسبب أي مخالفة قد تنسب إليهم، ليكون ذلك آخر العهد بهم.

كان أحد الشوارع قريبًا من حقل مفتوح يعرف باسم «مثلث الموت» هو المكان المفضل لتنفيذ عمليات الإعدام بلا محاكمة. وكان بإمكان السكان المقيمين في الأحياء المجاورة مشاهدة عمليات القتل. معظم الجثث التي وجدت داخل المستشفى تم التعرف على هويات أصحابها، بما في ذلك الأطفال. ولكن من بين الذين تم سحبهم من تحت الأرض لم يتم التعرف إلا على اثنين، بما في ذلك رجل في الستينيات من عمره كان قد ألقي به داخل بئر.

حجم القصص المرعبة التي يسردها أهل ترهونة لا يكاد يطاق، فأي حديث عابر يكشف لك كيف أن مواطنًا واحدًا قد فقد عددًا من أشقائه أو أبناء عمومته أو أعمامه. مئات الأطفال باتوا أيتامًا بعد أن فقدوا آباءهم. ثمة شعور بالارتياح لأن الجيش الوطني الليبي وآل الكاني قد رحلوا، ولكن تبقى الريبة منتشرة على نطاق واسع سواء بين أهل البلدة بعضهم مع بعض أو تجاه مؤسسات الدولة بشكل عام.

طبقًا للهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، والتي تتخذ من طرابلس مقرًا لها، فقد تم التبليغ عن فقدان 270 شخصًا تقريبًا في ترهونة. إلا أن الدكتور محمد زلتيني مدير التعاون الدولي في الهيئة يقدر عدد من فقدوا ومن لم يبلغ عنهم بعد بما يزيد عن 150، في وقت تهيمن فيه حالة من الترقب داخل البلدة خشية من أعمال الانتقام.

فعلى الرغم من هروب آل الكاني في يونيو، إلا أن التهديد الذي يشكلونه ما زال قائمًا. يشكو السكان من أنهم يتلقون مكالمات هاتفية من الأشقاء يهددونهم فيها بالانتقام إذا ما تم الكشف عن جرائمهم، ويتوعدونهم بالعودة من منفاهم في المنطقة الشرقية من ليبيا حيث يفرض حفتر سيطرته.

حكم الأشقاء من آل الكاني

للوهلة الأولى، لا يشبه محمد الكاني جنرالات الحرب. إنه الشقيق الأكبر، وهو أهدأ الأشقاء السبعة وأفضلهم تعليما، وهو الوحيد من بينهم الذي كان يعمل في وظيفة تدر دخلا جيدا في الخدمات الأمنية التابعة لشركة النفط المملوكة للدولة.

ولكن خلف الواجهة التي تبدو وديعة توجد شخصية لا تعرف الشفقة ولا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يصدر عنها من سلوك، يمكن لمن يأتيه ملتمسا منه أمرا أن يلقى حتفه أو يجد لديه ضالته.

في تصريح لموقع ميدل إيست آي، قال جلال حرشاوي، المحلل السياسي والخبير بشؤون ترهونة: «كان هو العقل المدبر، وصار مثله مثل الشيخ، أو مثل آل باتشينو في فيلم العراب. كان محمد دائم التفكير، ولم يكن من النوع الذي يحتاج بالضرورة إلى تلويث يديه. أما الأشقاء الآخرون فكانت تناط بهم المهام العملية، بينما كان محمد هو العقل الذي يقف من وراء تدبير تلك المهام العملية. إذا حاورت محمدا، لا تشعر بعد أن تغادره بأنك كنت تحاور شخصًا يتحدث كرجل عصابات، كشخص يوجد تحت قدميه مئات الجثث».

إلى جانبه هناك محسن، الرجل العسكري القوي الذي قاد هجمات مليشيات الكاني على طرابلس أثناء هجوم حفتر وكذلك في صيف 2018 عندما شن آل الكاني هجوما على العاصمة بسبب شجار حول إيرادات الدولة. بسبب إلحاحه واستقلاليته وازدرائه لزملائه في الجيش الوطني الليبي، غدا محسن مصدر إزعاج لحفتر، يأخذ من جنرال الحرب أسلحته ولكن يرفض الانصياع إلى أوامره.

أدى هذا التوتر إلى شكوك بأن مقتله في سبتمبر 2019، والذي ماتزال ظروفه محاطة بالغموض، كان جزئيا بمساعدة عناصر تابعة للجيش الوطني الليبي. كان موته، وموت شقيق له أصغر منه سنا، قد أشعل غضب آل الكاني الذين سارعوا إلى الانتقام بإعدام العشرات من المعتقلين لديهم.

أما عبد الرحيم الكاني فكان هو الشخص الذي يقود عمليات القمع داخل البلدة، إذ كان دوره داخل ترهونة، حسبما يصفه جلال الحرشاوي، أشبه بدور مدير المخابرات أو قائد الشرطة السرية. كانت مهمة حليق الرأس المتنفذ عبد الرحيم تتمثل في الحفاظ على مكانة آل الكاني داخل ترهونة، وهي المكانة التي ما لبثت تتضعضع بشكل متزايد كلما طال أمد الهجوم على طرابلس.

كان آل الكاني يحصلون على الثروة من مصادر متعددة، إذ كانوا يملكون مصنعًا للإسمنت، وأراضي زراعية، وكانوا يقتطعون جزءًا من الأموال التي كانت طرابلس تبعث بها للبلدية. كما فرضوا على الناس إتاوات مقابل الحماية، ومارسوا الابتزاز، وكانوا يأخذون فدية مقابل إطلاق سراح الناس الذين كانوا يخطفونهم عشوائيا.

ولكن مثلهم في ذلك مثل عصابات المافيا، كان آل الكاني يمارسون دور المحسنين، فيوزعون المنح والهبات على سكان ترهونة الذين كانوا يعانون بسبب تدهور الاقتصاد الليبي.

ما بين عام 2015 واللحظة التي انضموا فيها إلى الجيش الوطني الليبي، أمسك آل الكاني ترهونة بقبضة حديدية بعد أن انتزعوها من منافسيهم، وظلوا مهيمنين عليها من خلال عمليات التطهير التي كانوا ينفذونها من وقت لآخر، وقد أثمر نظام حكمهم الصارم عن توفير قدر ضئيل من الاستقرار في البلدة، إلى أن جاء هجوم حفتر.

يقول الحرشاوي: «لو كنت متواجدًا في ليبيا في 2015، فحيثما نظرت وجدت كابوسًا. كان الوضع في طرابلس في غاية الخطورة، وكانت داعش متواجدة في سيرت وفي صبراتة، والجثث متناثرة على شاطئ زوارة. كان الوضع مرعبًا في كل مكان، إلا في ترهونة حيث كانت الأمور لطيفة والوضع هادئا والحياة آمنة جدا، كما تعرف، مثلما هي الحياة آمنة في كوريا الشمالية».

راهن آل الكاني على أن دعم حفتر سيزيد من ثروتهم ويعزز مكانتهم. ولكنه كان رهانًا خاسرًا.

ما كانت لتنتهي الأمور على خير

بحلول الثالث عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 لم تكن الأمور على ما يرام بالنسبة لحفتر وآل الكاني. فقد مات محسن، واستعادت حكومة الوفاق الوطني غريان التي كانت تشكل خط التموين الثاني للجيش الوطني الليبي في جبهة طرابلس، وأدى هجوم جريء شُن على حي الداوون في ترهونة خلال الشهر السابق إلى انكشاف آل الكاني.

كانت عمليات الاختفاء في تصاعد، ولذلك عندما تلقى أحمد سعيد عبد الحافظ مكالمة مقلقة من شقيقه مساء ذلك اليوم راح يضرب أخماسًا بأسداس. «كانت المكاملة قصيرة، وكل ما تمكن من قوله هو لقد أوقفت في سيارتي، ثم انقطعت المكالمة. مباشرة أدركت أن آل الكاني أمسكوا به، وعرفت أن الأمر لن ينتهي على خير».

كانت لعبد الحافظ، الذي يبلغ من العمر 39 عامًا، تجارب سابقة مع آل الكاني. فقبل عامين تعرض للابتزاز من قبلهم حين أجبروه على شراء جمل بسعر باهظ. ولكنه كان دومًا يجيد التعامل مع ما يطلبونه. ولهذا افترض أن المال هذه المرة سوف يمكنه من حل الإشكال تارة أخرى.

«في الثانية عشرة ليلًا تقريبًا توجهت إلى منزل عائلتي، حيث وجدت بقية أشقائي وطلبت منهم جمع كل ما بإمكانهم من مال لدفع الفدية». ومن هناك عاد إلى منزله، وأطفأ جميع الأنوار واستلقى هو وزوجته، متظاهرًا بعدم وجود أحد في البيت. بعد ليلة لم يجد فيها طعم النوم، وصلته أخبار أكثر رعبًا، فقد اختطف بقية أشقائه.

علم عبد الحافظ أن عليه أن يخرج، وبمساعدة صديق له، ما لبث أن ألقي القبض عليه لمساعدته، تمكن من التسلل خارج ترهونة وسار على قدميه مسافة ثمانين كيلومترًا شمالًا نحو بلدة تاجوراء.

يقول عبد الحافظ وهو جالس في غرفة الاستقبال بمنزل العائلة وقد شحبت الذكريات وجهه: «كل شيء فعلوه لم يكن له مبرر. لا يمكنك حتى قياس سلوكهم الإجرامي، فلم يكن هناك ما يردعهم. لقد فقدت خمسة أشقاء على أيدي آل الكاني، وفقدت صديقًا كان لي أكثر من أخ. لم يكن هناك سبب واضح لإلقاء القبض عليهم، فنحن رجال أعمال، لا ننتمي لا إلى القاعدة ولا إلى الإخوان المسلمين».

ومثله مثل كثير من أهل ترهونة الآخرين الذين أجبروا على الجلاء، سارع عبد الحافظ بالعودة إلى بلدته في اليوم الذي غادر فيه آل الكاني.

يقول عبد الحافظ عن ذلك: «عندما عبرت من خلال باب منزل العائلة وقعت والدتي مغشيًا عليها، وكلما أفاقت، وقعت ثانية مغشيًا عليها. صحت: أين أشقائي، أين أشقائي؟ أدركت حينها أن شيئا فظيعا قد وقع». فتحت أبواب السجون، ولكن لم يعثر على أحد من أشقائه. «آل الكاني ليسوا بشرا، بل همج. سمعنا أقاويل تزعم بأن بعض الناس ربما أطعموهم للأسود».

سجون التعذيب في ترهونة

قبل أسابيع من مغادرة آل الكاني لترهونة انتشرت – وهم على علم بذلك – إشاعات بأنهم أقاموا سجنًا للتعذيب في مقر مركز الأبحاث الزراعية في البلدة. وفي ديسمبر (كانون الأول) أقاموا مصاطب ترابية لحماية المكان من جانبين خشية التعرض لهجمات انتقامية من قبل عائلات المعتقلين هناك.

وعندما استولت قوات حكومة الوفاق الوطني أخيرا على المجمع وجدوا داخله سبع حجرات حجم الواحدة منها متر مربع واحد تكفي الحجرة لجلوس رجل واحد فيها القرفصاء. وعلى الحاجز المقام فوقها وجدوا أكواما من الرماد، هي بقايا النيران التي كان آل الكاني يوقدونها لتحويل الزنازين الصغيرة إلى أفران.

يقول قشير: «عندما اكتشفنا هذا المكان وجدنا رجلًا واحدًا ما زال يجلس القرفصاء داخل أحد الأفران – كان على قيد الحياة ولكن في حالة مزرية. رفض في البداية الخروج ظنا منه أننا من آل الكاني وأننا نسعى لخداعه».

معظم المرفق الآن موشح بالسواد بعد أن أضرم فيه أهل ترهونة النيران حينما أدركوا عدم إمكانية العثور على أقاربهم. إلا أن الألواح الخشبية التي كانت تستخدم للنوم وبصمات الأصابع التي تلطخ جدران الزنازين ظلت شاهدة على ما كان المكان مسخرًا له.

احتجز علي أسيد أبو زويد في واحدة من تلك الزنازين لخمسة وأربعين يومًا، لم يوجه خلالها كلمة واحدة لأي من المعتقلين عن يساره وعن يمينه. يقول عن ذلك: «بقينا صامتين تمامًا تقريبًا طوال فترة احتجازنا هناك لأننا ظننا أنه من غير الآمن التحدث مع بعضنا البعض».

منطقة الشرق

منذ شهرين
معهد وارسو: طهران في معسكر أبوظبي! ما الذي يربط بين إيران وحفتر في ليبيا؟ 

ليس واضحًا بالضبط لماذا احتجز وظل محبوسًا هناك، مع أن أبو زويد يظن أن ذلك ربما كان بسبب أنه قاتل إلى جانب المصراتيين المؤيدين لحكومة الوفاق الوطني ضد مجموعة الدولة الإسلامية في سرت في عام 2015، ولكنه رفض حمل السلاح ضدهم في طرابلس.

فقد من وزنه 30 كيلوجراما خلال شهر ونصف. ويقول بينما هو واقف أمام الزنزانة التي كان محتجزًا فيها: «كانوا عندما يأخذون شخصًا للتحقيق تسمع بعد ذلك طلقات نارية. في بعض الأوقات كان السجناء يعودون وفي بعض الأوقات يقتلون. وفي بعض المناسبات كانوا يشعلون النار فوق الأفران – كان ذلك يتوقف على مزاج حراس السجن».

كما كان آل الكاني يستخدمون داخل البلدة مقرًا سابقًا لفرع أمني تابع لوزارة الداخلية مركزًا للاعتقال، حيث كانوا يحتجزون الغالبية العظمى من السجناء. كان العشرات يحتجزون هنا في وقت من الأوقات، يزج بهم في بضعة حجرات مكتظة تنتشر داخلها العبوات البلاستيكية التي كانت تستخدم كمراحيض.

تشاهد في إحدى الزنازين أحذية أطفال ملونة لامعة مبعثرة على الأرض. وكما هو الحال في المركز الزراعي، معظم الناس الذين كانوا محتجزين هنا ما زالوا مفقودين، وكل ما تركه آل الكاني خلفهم هو أداة الفلقة التي كانت تستخدم لضرب المعتقلين على أقدامهم وصورة لمحسن الكاني وهو يرمق ببصره الساحة الخارجية رافعًا إبهامه.

حُفرت على الأبواب المعدنية للزنازين التي حبس فيها المعتقلون أسماء بعض الناس وبعض الأماكن مع بعض التواريخ. يعتقد المسؤولون الذين يحققون في قضايا الاختفاء أن هذه الأسماء والتواريخ تشير إلى الأيام التي وقعت فيها الحوادث بما في ذلك عمليات التطهير. بعض التواريخ توجد إلى جانبها علامات، ربما في إشارة إلى عدد الناس الذين تعرضوا للقتل في ذلك الوقت.

الخسائر بسبب آل الكاني

ما زال أهل ترهونة يحسبون التكاليف التي تكبدها النسيج الاجتماعي لبلدتهم. فقد حرض آل الكاني الناس بعضهم على بعض وأثار ابن العم على ابن عمه. يقول الذين تمكنوا من النجاة بأنفسهم وفروا من البلدة أنهم تعرضوا لإشاعات بشعة. ولكن بالنسبة للنساء من مثل غزالة علي أونيس، التي رأت آل الكاني يخطفون سبعة من أبنائها، بات مجرد توفير لقمة العيش لمن تركوهم من خلفهم من الأبناء أمرًا شاقًا، إذ أنها تقوم الآن على 40 من الأحفاد.

تقول وهي تخلل بأصابعها الشعر الأسود لفتى يقف بجانبها: «هذا هو أكبر الرجال الذين بقوا لدينا. له من العمر 13 عامًا». تنظر أونيس إلى السماء وهي محاطة بالأطفال من كل مكان وترفع ذراعيها وتقول في بؤس شديد وصوت متقطع: «لا أريد المال ولا الطعام، فقط أريد أبنائي، أعد إليّ أبنائي».

بدون جثة، يكاد يكون من المحال المضي قدما ذهنيا وعاطفيا، بل وحتى اقتصاديا. بموجب التقاليد الإسلامية الصارمة لا يمكن للمرأة أن تتزوج من جديد إلى أن تتأكد وفاة زوجها. ونظرا لوجود العديد من المفقودين، والعديد من الجثث التي تنتظر التعرف على هوية أصحابها، فإن العديد من نساء ترهونة لا يمكنهن طي الصفحة أو ضمان الحصول على سند من زوج جديد يوفر لها قوت يومها.

تقول أونيس: «علي الآن القيام بكل شيء بنفسي، وتوفير كل شيء لأحفادي ولأمهاتهن». على الرغم من مرور أسابيع منذ أن توقف آل الكاني عن العبث بحياة الناس في هذه الشوارع إلا أن الأعصاب ما زالت منهكة.

أخبر السكان موقع ميدل إيست آي أنهم يتجنبون الإبلاغ عن أقارب وأصدقاء لهم اختفوا لأن الناس الذين شاهدوهم يتواطأون مع حكم آل الكاني ما زالوا يرونهم يحومون حول مكتب البلدية. حتى مشهد الرجال وهم يحملون السلاح بات فوق طاقة الأطفال من عائلة جاب الله، الذين ينفجرون بالبكاء ويختبئون كلما مرت دوريات قوات الأمن من أمام بيتهم.

وكان طارق علي الجاب الله قد قتل رميا بالرصاص أمام ابنه الصغير في شهر ديسمبر. وفي اليوم التالي اعتقل آل الكاني 10 رجال آخرين من أفراد العائلة. وينقل الناس أنهم سمعوا صبري الغرب، أحد الموالين السابقين للقذافي والذي كان يتزعم الغارة، يقول: «لا تتركوا رجلا واحدا».

تقول رابعة الجاب الله وهي تغالب دموعها: «لقد فقدت زوجي وأربعة أشقاء وأحد أعمامي وأربعة من أبناء عمي. وما زلت مرعوبة». وتقول فتاة جالسة خلفها: «لقد قتلوا شقيقي رميا بالرصاص». وتضيف أخرى: «أبي ما زال مفقودا. كم أشتاق إليه. لدي أحلام، كنت أريد أن أصبح طبيبة، ولكني لا أقوى على تحقيق ذلك بدونه».

أعمال انتقامية في ترهونة

كانت الأيام التي تلت استيلاء قوات حكومة الوفاق الوطني على ترهونة أيام هرج وفوضى، انتشر فيها السلب والنهب وإضرام الحرائق والاعتقالات حسبما ورد في تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي تابعة لعدد من المقاتلين المظفرين. أطلقت النيران على الأسود التي كان يحتفظ بها محسن في بيته المهجور، وهي الأسود التي أشيع أنه كان يغذيها بضحاياه.

قالت مصادر داخل البلدة في تصريح لموقع ميدل إيست آي حينذاك أن عمليات قتل خارج القانون وقعت، بينما يصر قشير أن شخصين اثنين فقط قتلا بسبب نزاع عائلي، مع أن مصادر في غرب ليبيا أقرت ضمنا بأن عمليات القتل الانتقامية قد تكون بالعشرات.

دولي

منذ 3 شهور
حلفاء حفتر في ليبيا.. كم تكلفة الرهان على الجنرال؟

استغلت وسائل إعلام حفتر هذه السردية متجاهلة القبور الجماعية أو ناسبة إياها للمرتزقة السوريين وفي نفس الوقت سعت للنأي بالجيش الوطني الليبي عن آل الكاني.

ومع ذلك، ما زال آل الكاني والمليشيات التابعة لهم وعائلاتهم – والذين يقدر عددهم بالمجمل بما يقرب من 15 ألفا – ضيوفا عند حفتر في شرق ليبيا. وهناك تزوج عبد الرحمن الكاني من امرأة تنتسب إلى إحدى العشائر القبلية المعروفة في مدينة أجدابيا في الشرق الليبي، والتي شارك مقاتلوها في معركة طرابلس إلى جانب آل الكاني، بل ويقال إنه سافر إلى ألمانيا لتلقي العلاج الطبي.

إلا أن وجود آل الكاني في الشرق غير مرحب به من قبل الجميع. يقال إن محمود الورفلي، القائد العسكري في الجيش الوطني الليبي المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب، رفض السماح لآل الكاني بالاستقرار في بنغازي، عاصمة حفتر.

يقول المحلل السياسي الحرشاوي: «ليسوا مقبولين هنا، إذ ينظر إليهم على أنهم ضارون. إذا ما ذهبتم إلى الحرب معا، ثم تمخضت الحرب عن نتائج كارثية على كل مستوى، فسوف يبغض بعضكم بعضا».

بالرغم من كل ذلك، كان حفتر ومساندوه، بما في ذلك وسائل الإعلام الإماراتية، يعلون شأن آل الكاني ويؤكدون على مشروعيتهم باعتبارهم جزءًا من الجيش الوطني الليبي. وفي إحدى المراحل تم ضم ميليشيات آل الكاني إلى وحدة المخضرمين في الجيش التابعة للواء الثاني والعشرين لتشكيل اللواء التاسع، بما عزز مكانة آل الكاني في صفوف حفتر من ناحية شكلية وعملية في نفس الوقت.

يقول الحرشاوي: «أنا متأكد من أن حفتر لم يكن يتلقى رسالة نصية كلما كان فتى يُقتل، طبعا لا، ولكن ذلك لا يعفيه من المسؤولية ومن التواطؤ. بإمكانك أن تعتبرها مسؤولية غير مباشرة، بإمكانك أن تسميها مبهمة، إذا أردت ذلك. ولكنها تظل تواطؤا مع جهة يعلم الجميع أنها هي التي ارتكبت كل تلك الفظائع».

تقول فاتو بنسوده، مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، إن اكتشاف الرجال والنساء والأطفال المدفونين في قبور ترهونة الجماعية «يشكل دليلا على ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية».

وفي تصريح لموقع ميدل إيست آي، قال مكتب مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية إنهم يقومون «بمتابعة هذا الأمر بشكل خاص مع السلطات الليبية المعنية، وذلك بموجب مبدأ التكاملية، لضمان التحقيق في أمر هذه القبور الجماعية». في الوقت ذاته، وصف الجيش الوطني الليبي تلك القبور الجماعية بأنها «جرائم ضد الإنسانية».

وقال الناطق باسم الجيش الوطني الليبي الجنرال أحمد المسماري في تصريح لموقع ميدل إيست آي: «لقد ارتكبت هذه الجرائم قبل أن يتوجه الجيش إلى طرابلس عندما كانت مليشيات آل الكاني تنتسب إلى قوات حكومة الوفاق الوطني».

إلا أن المسماري لم يلتزم بإرسال أي أشخاص مطلوبين ممن يتواجدون داخل مناطق الجيش الوطني الليبي إلى لاهاي فيما لو طلبتهم المحكمة الجنائية الدولية، ولم يجب على أسئلة حول ما إذا كانت قوات حفتر تتحمل المسؤولية عن جرائم الحرب التي ارتكبتها مليشيات تقاتل تحت رايتها.

ثمة إدراك متزايد داخل ترهونة أن بقايا الأشخاص المفقودين لن يتسنى العثور عليها إلا إذا كشف آل الكاني عن مكان وجودها. يقول قشير: «يعلم أولئك الذين في الشرق أين تم دفن تلك الجثث». وبالنسبة للناجين في ترهونة من مثل رابعة الجاب الله، على حفتر أن يعترف بالجرائم التي ارتكبت تحت سمعه وبصره وأن يتوقف عن منح ملاذ آمن للمسؤولين عنها.

تقول رابعة: «نريد من الأمم المتحدة أن تضغط على حفتر. كل ما نريده هو أن يتم جلب المجرمين الذين هربوا إلى الشرق ليمثلوا أمام العدالة. وإلا فإنهم سوف يفعلون في الشرق ما فعلوه هنا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد