نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعده مدير مكتبها في القاهرة، سودارسان راغافان، حول إرث الموت الذي خلفته الحرب الليبية؛ في إشارةٍ إلى الدُّمى، والمراحيض، وعلب المشروبات الغازية المفخخة التي خلفها المرتزقة الروس في ربوع البلد المنكوب منذ عقد. 

في مستهل التقرير يقول راغافان: بعدما فرَّ المرتزقة الروس من العاصمة الليبية الصيف الماضي، خلَّفوا وراءهم منازل وساحات مفخخة. يقول خبراء إزالة الألغام الليبيون: إن المرتزقة الروس زرعوا متفجراتٍ في مقاعد المراحيض والأبواب ودُمى الدببة، وضبطوها لتنفجر عند لمسها.

ناهيك عن علب الصودا الفارغة المفخخة التي ربما تكون الأكثر خداعًا؛ ذلك أن كثيرًا من الشباب الليبي يروق لهم سحق هذه العلب الفارغة على سبيل التسلية الهزلية، ولذلك صمم الروس علبًا مفخخة تنفجر عند الضغط عليها.  ينقل التقرير عن ربيع الجواشي، رئيس مؤسسة حقول حرة، وهي وكالة ليبية معنية بإزالة الألغام، قوله: «لقد درسونا، حتى إنهم درسوا كيف يلعب أطفالنا. إنهم يعرفون كيف نفكر».

إرث عقدٍ من الصراع

الآن، تجوب فرق إزالة الألغام ربوع ليبيا التي دمرتها الحرب لتخليصها من هذا الإرث القاتل، ليعثروا على الذخائر غير المنفجرة، ليس فقط تلك التي خلفها وراءهم – سواءً عن قصد أم عن غير قصد – المرتزقة الروس، الذين دعموا القائد الليبي المنشق خليفة حفتر ، ولكن خلفتها موجات الصراع السابقة.

Embed from Getty Images

يوضح التقرير أن بعض الذخائر يعود تاريخها إلى ثورة الربيع العربي التي هبت رياحها على ليبيا قبل عقد من الزمان، وأدت إلى إطاحة الديكتاتور معمر القذافي، وقتله وترك مخازن الأسلحة الضخمة التي كان يسيطر عليها في أيدي طيف واسع من الميليشيات. 

في أحياء طرابلس الجنوبية التي دمرتها الحرب، مثل: عين زارة، يكتشف خبراء إزالة الألغام ذخائر وقذائف هاون غير منفجرة، من بينها قذائف أمريكية كانت ضمن ترسانات القذافي.  لكن أكثر الاكتشافات دموية كانت الألغام روسية الصنع، بحسب خبراء إزالة الألغام، الذين يقولون إنهم لم يروا شيئًا مثلها قبل الحملة الفاشلة التي شنها حفتر في عام 2019 للاستيلاء على العاصمة. 

والنتيجة أن المئات، وربما الآلاف، من العائلات ما زالت غير قادرة على العودة إلى ديارها بسبب الألغام والمتفجرات الأخرى. فيما تظهر تقارير في وسائل التواصل الاجتماعي عن وقوع إصابات كل أسبوع تقريبًا.

ينقل التقرير عن مدير العمليات في مؤسسة حقول حرة، معاد العربي، قوله: «من بين جميع النزاعات التي ابتليت بها ليبيا منذ عام 2011، كانت هذه الموجة من الصراع هي الأثقل وطأةً علينا. نتيجة هذا الصراع، وجدنا كثيرًا من الأسلحة الجديدة، المجلوبة كليًّا من الخارج».

«نفايات العالم ملقاة في ليبيا»

في صباح أحد الأيام، تجمع فريق من خبراء إزالة الألغام، يرتدون زيًّا كاكيًّا وكمامات، في مكتب مؤسسة حقول حرة، بعد أن تلقوا مكالمتين لطلب المساعدة. ينقل التقرير عن قائد الفريق، محمد زلاتيني، قوله لأعضاء فريقه: «العائلات في انتظارنا. أتمنى لكم كل التوفيق، وآمل أن نعود سالمين». 

تحركت قافلتهم المكونة من أربع سيارات، إحداها سيارة إسعاف، تكللها أضواء الطوارئ. بعد نصف ساعة، وصلوا إلى مزرعة قبالة طريق مطار طرابلس، الذي كان فيما مضى خط المواجهة في الحرب. ارتدى زلاتيني ونائبه ملابس واقية زرقاء وأقنعة.

في أحد الحقول، كانت في انتظارهم قذيفة هاون أمريكية الصنع من عيار 18 ملليمتر، جاهزة للانفجار. كشط زلاتيني، ذو الشعر الأسود القصير، الأوساخ حول القذيفة، حتى عثر على دبوس الأمان، وكان لا يزال سليمًا. التقط زلاتيني القذيفة وحملها عائدًا إلى شاحنة صغيرة. أخذها منه زميله ووضعها داخل صندوق سميك مفروش بالرمل. 

Embed from Getty Images

في محطتهم التالية، توقفوا عند مزرعة أخرى. كانت تنتظرهم قذيفة كبيرة توجد داخل حقل ألغام منذ تسعة أشهر. كما عُثِر على قذيفتين أخريين مؤخرًا.  ينقل التقرير عن موظف حكومي يبلغ من العمر 43 عامًا، يُدعى خالد الزروق، كان قد اتصل بفريق إزالة الألغام، قوله: «اعتدنا هذا الأمر حتى صار طبيعيًّا. حتى أطفالنا يلعبون في الساحات، وفي كل مكان. نكتفي بتحذيرهم من الاقتراب إذا رأوا هذه الذخائر».

بعد أقل من ساعة، كان زلاتيني قد تخلص بأمان من القذائف الثلاث، التي كانت كلها روسية الصنع. وقال: «كم هو محزن أن نرى نفايات العالم ملقاةً في ليبيا. الذين يتحملون مسؤولية ذلك هم مَن دعموا أطراف الصراع (في الحرب الأهلية الليبية). لو لم يكن هناك دعم خارجي؛ لما حدث هذا. نحن الليبيون ندفع الثمن الآن».

أخطار خفية

في الصيف الماضي، كانت فرق مؤسسة «حقول حرة» من أوائل خبراء إزالة الألغام الذين دخلوا المناطق التي كانت تحت سيطرة المرتزقة الروس من مجموعة «فاجنر» المرتبطة بالكرملين. وقال الجواشي: إنهم اكتشفوا 107 عبوات ناسفة بدائية الصنع في شارع واحد في منطقة صلاح الدين جنوب طرابلس.

اكتشف خبراء إزالة الألغام داخل المنازل معدات تستخدم في تدريبات كمال الأجسام، وزجاجات مياه مستوردة، وعلب حليب معزز. ورسمت على الجدران كتابات باللغتين الروسية والصربية. كما كانت هناك تعليمات حول كيفية فتح الأبواب أو الذهاب إلى الحمام دون تفجير الأفخاخ المتفجرة التي زرعها المرتزقة. من بين المفخخات مرحاض موصل بجهاز استشعار مجهز لتفجير تسعة أرطال من مادة «تي إن تي» بمجرد أن يجلس أي شخص على المقعد، كما ذكر خبراء إزالة الألغام.

قالوا إنهم عثروا أيضًا على دمية دُب موصولًا بها ستة أسلاك مجهزة للانفجار بمجرد أن يتجه أي شخص نحوها من أي اتجاه. كما صُممت قنبلة من علبة صودا فارغة لتنفجر بمجرد أن يضغط عليها ما يوازي وزن نصف رصاصة «إيه كيه-47».

Embed from Getty Images

يقول العربي: «المشكلات التي واجهناها لم تكن في الذخائر نفسها، ولكن في طريقة زرعها. كل العناصر مفخخة بطريقة مبتكرة لم نشهد مثلها من قبل». تعاملت الميليشيات الليبية مع هذه المدينة بوحشية طيلة سنوات. لم يوقفهم أحد. ولم يحاسبهم أحد، بحسب التقرير.

قال خبراء إزالة الألغام أيضًا إنهم عثروا على مجموعة من الألغام المبتكرة، من بينها لغم روسي تتناثرت أجزاؤه فينتشر تلقائيًّا بعد انفجاره ذاتيًّا في غضون 100 ساعة، ولغم مضاد للأفراد يعمل بأشعة الليزر بدلًا من أسلاك التفجير، إلى جانب مجموعات شيطانية من الألغام المرتبطة بعضها ببعض، إذا انفجر منها لغم قدح زناد آخر.

بعد تحديد أنواع الذخائر، أرسل خبراء إزالة الألغام صورًا إلى مستشارين في الولايات المتحدة وأوروبا. وقال مستشار أوكراني إن هذه الأجهزة تشبه تلك المستخدمة في صراع شبه جزيرة القرم؛ حيث قاتلت قوات «فاجنر» أيضًا.

على مدى عدة أسابيع خلال الصيف الماضي، قال عضوان من فريق إزالة الألغام إنهم أزالوا أكثر من 400 لغم وعبوات ناسفة أخرى من أكثر من 200 منزل. لكن هذا النجاح كانت تكلفته مرتفعة. ففي أوائل يوليو (تموز)، قُتل الاثنان عندما انفجرت عبوة ناسفة كانت مخبأة داخل منزل.

لا مكان آمن

بعد هروب قوات حفتر الصيف الماضي، عاد عامل في مجال اتصالات يبلغ من العمر 48 عامًا، يُدعى عبد الرحمن الغبيلي، إلى مسكن عائلته. عندما فتح الباب الأمامي لمنزله، لم يكن على دراية بالمخاطر التي تنتظره. 

يتذكر الغبيلي، ما حدث قائلًا: «عندما أدرتُ مقبض الباب ودفعته؛ سقطت قنبلة يدوية وانفجرت؛ فأصيبت ساقي بجروح بالغة». كان شقيقه مهند، يقف وراءه في ذلك الوقت، وكُتبت له النجاة من الأذى. بعد 15 يومًا، كان الشقيقان عند مدخل مجمعهم السكني مع شقيقهم الآخر، جويلي. اكتشف خبراء إزالة الألغام سلكًا رفيعًا متصلًا بعصا من أحد جانبي المدخل، ومفجر في الجانب الآخر.

طلبوا من الإخوة الثلاثة وأحد أعضاء فريق إزالة الألغام أن يتراجعوا ببطء نحو سيارة تويوتا كورولا بيضاء خاصة بالعائلة. لكن أحدهم قطع السلك الموصل إلى لغمٍ آخر. قُتل مهند وجويلي على الفور. ولحقهم عضو فريق إزالة الألغام. وأصابت شظية ساعد عبد الرحمن الأيمن، فكسرته.

Embed from Getty Images

يلفت التقرير إلى أن أطفال طرابلس هم الأكثر تضررًا من وباء الألغام والذخائر الأخرى. من بينهم طفل يدعى عبد الرحيم، يبلغ من العمر تسعة أعوام، وابن عمه محمد، البالغ من العمر 10 أعوام. كانوا يمارسون ألعاب الفيديو سويًّا. وكانوا يشجعون فرق كرة القدم نفسها. وكانوا يذهبون إلى المدرسة سويًّا. يقول عنهما، علي شامة، والد عبد الرحيم، أصغر أبنائه الستة: «كانا لا ينفصلان».

قبل الحادث بأسبوع، كانت الأسرة قد عادت للتو إلى منزلها بعد فرارها من هجوم حفتر، وكان الأولاد بالخارج يلعبون بالألعاب النارية بالقرب من جدار نصف مبني عندما وقع انفجار ضخم، على الأرجح بسبب قذيفة «هاون» غير منفجرة، كما قال خبراء إزالة الألغام في وقتٍ لاحق.

هرع شامة، الذي كان داخل منزله يؤدي صلاة العصر، ليكتشف ما حدث. يقول عن تلك اللحظة: «عندما أتيت، وجدت رأس ابني مغطىً بالدماء». يتذكر شامة وعيناه حمراوتان من الدموع المنهمرة على وجنتيه: «كانت روحه قد فارقت جسده».

يتابع شامة قائلًا: «كان ابن أخي لا يزال على قيد الحياة. فقدَ إحدى يديه. وكانت يده المبتورة على بُعد 50 قدمًا من جسده». لكنه لفظ روحه داخل سيارة الإسعاف. يقول شامة، في ختام تقرير واشنطن بوست: «حينها علمت أن الحرب لم تضع أوزارها بعد».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد