من مدينة سرت في ليبيا، أعد سودارسان راجافان، مدير مكتب صحيفة «واشنطن بوست» في القاهرة، تقريرًا عن تداعيات الحرب الأهلية في ليبيا، وتعثر جهود محاربة الإرهاب، وخلُصَ إلى أن إطالة أمد هذه التوترات توفر أرضًا خصبة لعودة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى الأراضي الليبية.

يتحدث راجافان في بداية التقرير عن اعتقال ثمانية أشخاص يشتبه في أنهم من عناصر «داعش»، في مدينة سرت الليبية، التي تعاني من ويلات الحرب، بحسب قادة ليبيين، حيث ما تزال الخلايا النائمة للتنظيم كامنة في بعض ضواحي المدينة.

 كما أسس مسلحون آخرون معسكرات صحراوية في الجنوب، حيث يخفي التنظيم مقاتلين وأسلحة، بينما لم تعد الميليشيات الليبية، التي كانت تعمل عن كثب مع قوات محاربة الإرهاب الأمريكية على الأرض، تُسيِّر دوريات في المنطقة.

ويلفت راجافان إلى أن تلك الأمور تعكس كيف أثر اتساع رقعة الحرب الأهلية في توفير تربة خصبة لإحياء وجود تنظيم الدولة داخل ليبيا، بحسب مسؤولين غربيين وقادة عسكريين ليبيين.

عودة داعش.. أول هجوم لـ«داعش» في درنة منذ 2016

يضيف التقرير: اليوم، أصبحت الميليشيات التي كانت تستهدف «داعش»، هي نفسها أهدافًا للغارات الجوية التي تشنها قوات خليفة حفتر، أمير الحرب الذي يسيطر على شرق البلاد ويسعى لإسقاط حكومة الوفاق المدعومة من الأمم المتحدة. كما أن الوحدة الصغيرة من القوات الأمريكية التي كانت تنسق مع تلك الميليشيات، غادرت ليبيا قبل أشهر.

ونقل راجافان عن العميد ناس عبد الله، القائد العسكري الكبير في مدينة سرت، قوله «اعتدنا أن يكون لدينا عيون في الجنوب، لكن لا يمكننا الآن الذهاب إلى هناك، وإلا ستقصفنا الطائرات».

منذ أن شن حفتر هجومه على العاصمة طرابلس في أبريل (نيسان) الماضي، نفذ المسلحون تسع هجمات غالبيتها في الجنوب، من بينها هجوم في مدينة سبها أسفر عن مقتل تسعة أشخاص، وهجوم آخر استهدف حقلًا للنفط أسفر عن مقتل ثلاثة آخرين، بحسب مسؤولين في الجيش الأمريكي. 

وفي يونيو (حزيران)، أعلن «داعش» مسؤوليته عن تفجيرين أسفرا عن إصابة 18 شخصًا في مدينة درنة شرقًا، وهو الهجوم الأول للتنظيم في المدينة منذ عام 2016.

Embed from Getty Images

أمريكا تزعم القضاء على ثلث قوات «داعش» في ليبيا

يتابع راجافان: ردًّا على تلك الهجمات، شنت طائرات أمريكية دون طيار غارات في سبتمبر (أيلول) استهدفت مواقع «داعش» في الصحراء الجنوبية، من بينها هجومان في مدينة مرزق الواقعة على مسافة 600 ميل جنوب طرابلس.

وذكرت تقارير نشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي في ليبيا، أن أحد الأهداف التي استهدفتها الضربات كان مالك الخزمي، المسؤول البارز في التنظيم عن التجنيد. وكانت الغارات الجوية بمثابة استئناف للهجمات ضد تنظيم الدولة، بعد توقف دام 10 أشهر.

 كما قتلت الغارات 43 متشددًا، أي حوالي ثلث مقاتلي التنظيم في ليبيا، بحسب مسؤول عسكري أمريكي. وفي لقاء مع مجموعة صغيرة من الصحافيين، وصف مسؤول عسكري أمريكي بارز الشهر الماضي هجمات الطائرات بدون طيار بأنها أدت إلى «تدهور كبير جدًّا» في قدرات التنظيم.

ليبيا لم تتجاوز مرحلة الخطر بعد

يضيف التقرير: تقدر الولايات المتحدة عدد مقاتلي التنظيم في ليبيا بحوالي 100 مقاتل، لكن المسؤول – الذي اشترط عدم الكشف عن هويته لأنه يناقش معلومات استخباراتية- وغيره من الأشخاص الذين استعرض التقرير آراءهم، حذروا من أن فرع التنظيم الليبي ما يزال قادرًا على الاستفادة من فراغ السلطة الحالي.

وقال مسؤول غربي، طلب عدم الكشف عن هويته ليتسنى له الحديث بحرية: «هناك قلق من أن استمرار هذا النزاع سيؤدي إلى زيادة قدرة تنظيمي القاعدة والدولة على تجميع صفوفهما. ولا يتوهمنّ أحد أننا تجاوزنا مرحلة الخطر في ليبيا حتى الآن على جبهة مكافحة الإرهاب».

بعد مقتل زعيم التنظيم أبي بكر البغدادي إثر غارة عسكرية أمريكية في سوريا الشهر الماضي، تحوَّل المزيد من الاهتمام إلى فروع التنظيم في العالم، كما يقول راجافان.

ففي ذروة قوة التنظيم في ليبيا، كان لديه حوالي 5 آلاف مقاتل، وسيطر على أكثر من 125 ميلًا من الساحل. وكانت سرت امتدادًا للخلافة التي أعلنها البغدادي. وكان للمليشيات حضور في مدينتي درنة وصبراتة في الغرب. وبينما كان معظم أفراد التنظيم من المقاتلين الليبيين، لكنه جذب أيضًا مقاتلين من مصر، وتونس، وغرب أفريقيا، والسودان، وحتى بعض الأمريكيين والأوروبيين.

Embed from Getty Images

هل تخلَّت الولايات المتحدة عن قوات حكومة الوفاق؟

في الوقت الحالي، يقاتل ثلاثة أرباع أفراد الميليشيات الليبية التي هزمت «داعش» في ليبيا، على خطوط طرابلس الأمامية؛ وهو ما يحرم عمليات مكافحة الإرهاب من موارد قيمة.

ويقول الجنرال محمد حداد، القيادي البارز في القوت الموالية للحكومة: «لا أحد يقول أو يفعل شيئًا، ألسنا على الجانب الصحيح؟ لقد قاتلنا داعش في سرت، والآن تستهدفنا قوات حفتر».

ويتابع الكاتب: إضافة إلى إحباط الليبيين، ثمة شعور بأن الولايات المتحدة تخلت عنهم. وقال كبار القادة الموالين للحكومة ومسؤولون: إذا كانت قوات مكافحة الإرهاب الأمريكية ما تزال موجودة في ليبيا، لكانت جهود محاربة تنظيم داعش أكثر فعالية.

 ويؤكد حداد أن أمريكا لا تدعمهم بنسبة 100%، معربًا عن صدمته من موقف الأمريكيين حين ركبوا طائراتهم وغادروا ليبيا، عندما شن حفتر هجومه على طرابلس، الأمر الذي ترك جرحًا كبيرًا داخله، على حد قوله.

ونقل راجافان عن ريبيكا فارمر، المتحدثة باسم القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا، قولها: إن نقل القوات الأمريكية من ليبيا كان بسبب تدهور الوضع الأمني. لكنها رفضت في الوقت ذاته التعليق على التعاون الأمريكي مع الشركاء الليبيين، وإن أشارت إلى استمرار التنسيق بينهما في جهود محاربة الإرهاب.

وعند سؤالها عما إذا كانت القدرات المحدودة للوصول إلى مناطق الجنوب يمكن أن تضر بجهود محاربة تنظيم الدولة، قالت ريبيكا إنها لا تستطيع التعليق على المشاورات الداخلية بين الولايات المتحدة والقيادة الليبية. وأضافت «نحن مستمرون في مراقبة تنظيم الدولة، وسنتخذ الإجراءات اللازمة كلما برز التنظيم».

شبح «داعش» ما يزال يخيم على أطلال مدينة سرت

يشير راجافان إلى أن سرت استعادت عافيتها ببطء على مدى السنوات الثلاثة الماضية. لكن أحياء بالكامل، ضربتها مئات الغارات الجوية الأمريكية في أثناء القتال ضد تنظيم الدولة، ما تزال أطلالًا. ومع ذلك عاد 80% من سكان المدينة البالغ عددهم 180 ألف شخص، وأعيد افتتاح الجامعة و67 مدرسة، بحسب مسؤولين محليين.

رغم ذلك، ما يزال الخوف قائمًا. وما يزال ختم الضريبة الذي فرضه التنظيم موجودًا على بعض واجهات المحلات. ويقول طيب السيفر، وهو مقاتل قوي البنية مكلف بحماية المدينة: «ما يزال الناس قلقين من عودة داعش».

يردف الكاتب: بعد إطاحة معمر القذافي، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، خلال انتفاضات الربيع العربي 2011، وتدخل حلف الناتو، بسطت الميليشيات سيطرتها على الإقطاعيات، وظهرت حكومات متناحرة. وقد استغل تنظيم الدولة ذلك الوضع المضطرب لصالحه.

وفي عام 2015، استولت المليشيات على مدينة سرت، مسقط رأس القذافي والمكان الذي قتله فيه الثوار خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011. وكما هو الحال في سوريا والعراق، أسست المليشيات حكومة، وأكدت سيطرتها من خلال الإعدامات الميدانية والحكم الديني المتشدد، والشرطة الإسلامية (التي تُعرف بـ«الحِسبة»).

في العام 2016، بعد أشهر من تولي حكومة الوفاق المدعومة من الأمم المتحدة السلطة، شنت ميليشيات مصراتة هجومًا ضد مسلحي تنظيم الدولة، واستطاعت بدعم من القوات الخاصة الأمريكية والمقاتلات من طراز «إف- 16» أن تطرد التنظيم من سرت في ديسمبر (كانون الأول) 2016.

قُتِل الآلاف من المليشيات، وانصهر العديد من المقاتلين الذين بقوا على قيد الحياة داخل المجتمعات السكانية الحضرية، في حين فرَّ آخرون إلى المناطق الجنوبية التي لا تسيطر عليها الحكومة، وينعدم فيها حكم القانون بحثًا عن ملاذات آمنة. 

Embed from Getty Images

الصحراء مترامية الأطراف شريان حياة ضروري لـ«داعش»

ويلفت الكاتب إلى أن هذه الصحراء مترامية الأطراف تعد شريان حياة ضروري لتنظيم الدولة. وينقل عن مسؤولين بالجيش الأمريكي وقادة عسكريين ليبيين قولهم: إن المليشيات أنشأوا معسكرات في الصحراء، وانطلاقًا منها استطاعوا الاستيلاء على شاحنات تحمل الوقود، وجني إيرادات أخرى من خلال فرض ضرائب على مهربي البشر والأسلحة. 

يتابع التقرير: عبر بعض المسلحين إلى النيجر للانضمام للأفرع الوليدة لتنظيمَيْ الدولة والقاعدة. ورغم قلة أعدادهم، واصل المسلحون شن هجمات خاطفة وتفجيرات انتحارية؛ سعيًا لتجنيد أفراد جدد وكسب متعاطفين. لكن قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا، الجنرال ستيفن تانسند، يقول «لن نسمح لهم باستخدام النزاع الحالي في ليبيا كحماية».

يتابع الكاتب: تتزايد المخاوف داخل مدينة سرت من تنظيم الدولة. وقال ثلاثة قادة ليبيين إنه منذ أبريل (نيسان) الماضي اعتُقِل 10 من عناصر التنظيم بينهم الثمانية الذين قتلوا خلال الأسابيع الأخيرة، ومنهم مهندسة ليبية عُثِر داخل منزلها على أجهزة لاسلكية، وحولت أموالًا لبعض السكان. كما ألقي القبض على رجل آخر بعدما التقى بعناصر يزعم أنهم من الخلايا النائمة التابعة لتنظيم الدولة. وأقام المسلحون نقاط تفتيش عشوائية متنقلة خارج المدينة لإظهار أنهم ما زالوا موجودين.

وقال عبد الله، القائد الأعلى في المدينة: «لقد بدأوا يعودون». وتسيِّر القوات التابعة للقائد الأعلى دوريات ليلاً ونهارًا، لكنه يعرب عن قلقه بشأن الصحراء، التي لم يعد رجاله يسيرون دوريات فيها.

ويكمل التقرير: بعد الغارات الجوية الأمريكية على مواقع تنظيم الدولة، اعتاد المقاتلون الليبيون الذهاب إلى الموقع المستهدف لتقييم الأضرار، وجمع المعلومات الاستخباراتية. غير أن قوات حفتر بدأت في قصف القوات الليبية، بما في ذلك ضربة جوية دمرت مقرهم الرئيسي؛ الأمر الذي منع انتقال القوات إلى مواقع الغارات الأمريكية الأخيرة، والقيام بدوريات في الصحراء.

وقال عبد العزيز شقماني (29 عامًا)، الذي قاتل تنظيم الدولة في سرت قبل ثلاثة أعوام، ويقول إنه شاهد مقتل 15 من أقاربه وأصدقائه في المعارك: «إن توسيع الحرب هو الخيار الأفضل لتنظيم الدولة… ما تزال تجارة السلاح تزدهر في الصحراء الآن، وسيستفيد داعش من ذلك».

ويقول مصطفى عبد  السلام (42 عامًا)، وهو بواب مدرسة فرّ من مدينة سرت مرتين؛ في 2011 بسبب الثورة ضد القذافي، وفي 2016 عندما بدأت الغارات الجوية الأمريكية. مؤخرًا، يعيد مصطفى بناء منزله المدمر، وهو جهد يستغرق شهرًا، بحسب ما يمكنه توفيره من دخله الشهري الضئيل البالغ 160 دولارًا. وهو يدرك أنه قد ينتهي أبدًا.

ويرى مصطفى، وهو أب لأربعة أطفال صغار، أنه في حال عودة تنظيم الدولة، واندلاع حرب جديدة، وإذا شعر بالخطر، فإنه سيغادر المدينة مجددًا، حسبما ورد في ختام التقرير الذي شاركت الصحافية الأمريكية ميسي رايان في إعداده من واشنطن.

مترجم: هل تستطيع ألمانيا إنقاذ ليبيا من مصير سوريا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد