هل تجد ليبيا مخرجًا من أزمتها الحالية التي استمرت لأكثر من ثماني سنوات؟ ومن هو خليفة حفتر الذي أعاد أنظار العالم إليها مُجددًا؟ هل هو بطلٌ أم تجسيدٌ جديد للرئيس الليبي السابق مُعمر القذافي، الذي بذل الثوار في ليبيا الجهد والدماء لإطاحته؟

يستعرض الباحث إيثان كورين بمجلة «فورين أفيرز» التطورات التي طرأت على ليبيا منذ سقوط حكومة القذافي وحتى الآن، ويُناقش السيناريوهات المُحتملة للخروج من الأزمة، وما إذا كان حفتر يمثل واحدًا من تلك السيناريوهات.

هل تصبح معارك طرابلس «قُبلة الحياة» لـ«داعش» في ليبيا؟

ماذا يحدث الآن في ليبيا؟

أوضح كورين أنَّه في وقتٍ سابق من هذا الشهر، وبينما كانت منظمة الأمم المتحدة تستعد لعقد مؤتمرٍ آخر لإنهاء النزاع الطويل في ليبيا الذي استمر ثماني سنوات تقريبًا، أصدر خليفة حفتر، زعيم الجيش الوطني الليبي في شرق البلاد، أمرًا بالهجوم على العاصمة طرابلس. وبينما لا يتضح حتى الآن ما إن كانت قوات حفتر ستنجح في احتلال المدينة أم لا، يرى كورين أنَّه إن حقق انتصارًا حاسمًا فربما يؤدي إلى استقرار الأوضاع في البلاد، في الوقت الراهن على الأقل.

أدان المجتمع الدولي في تصريحاتٍ متفرقة هجوم الجيش الوطني الليبي، وناشد «كافة الأطراف» بالامتثال لجهود الأمم المتحدة، وتقديم الدعم لحكومة الوفاق الوطني المُنافسة لحفتر، التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها. وفي الأسبوع الماضي، انضم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى جوقة المطالبين لحفتر بوقف تحركاته. وبرغم هذه الإدانات، يعتقد كورين أنَّ بلدانًا معينة، من بينها فرنسا والإمارات العربية المتحدة، تأتي تصريحاتها العلنية منافيةً لما تأمله سرًا؛ وهو أن تنجح أفعال حفتر في إنقاذ ليبيا من أزمتها السياسية العميقة.

وبحسب التقرير، روج كثيرون في الإعلام الغربي لحفتر طوال الأعوام الأربعة الماضية على أنَّه طاغيةٌ طموح، يُقوض جهود الأمم المتحدة الدؤوبة للجمع بين الفصائل المتناحرة في الدولة. إلا أنَّ كثيرًا من الليبيين فقدوا صبرهم إزاء حكومة الوفاق الوطني، وأعلنوا عن دعمهم لجهود الجيش الوطني الليبي، لا بدافع التعاطف الكبير مع حفتر، لكن لشعورهم بأنَّه الجهة الفاعلة الوحيدة في البلد التي تتصدى بهمة لاحتياجات ليبيا الأمنية الهائلة.

Embed from Getty Images

الديمقراطية تنحرف عن مسارها

وفقًا لكورين، توقع قليلٌ من المراقبين المُطلعين أن يؤدي سقوط الطاغية الليبي مُعمر القذافي عام 2011 إلى إرساء الديمقراطية بسرعة وبسهولة، إلا أنَّ الإنجازات المبكرة للثورة الليبية كانت باهرة إلى حدٍ كبير.

ففي خلال عامين من إطاحة القذافي، عقدت ليبيا انتخاباتٍ حرة ونزيهة، شهدت انتقالًا سلميًا للسلطة من هيئة انتقالية غير منتخبة إلى حكومة منتخبة (المؤتمر الوطني العام)، وشهدت أيضًا نموًا سريعًا للمجتمع المدني وحرية الصحافة. بعدها، في عام 2014، أعرب الرئيس باراك أوباما عن أسفه حيال إخفاق الولايات المتحدة الأمريكية في التحضير لما تلا سقوط القذافي.

والزلة الأمريكية الأخرى التي مرت مرور الكرام كانت عندما سلمت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش إلى ليبيا بعضًا من أكثر خصوم القذافي الإسلاميين رُعبًا، من أجل تعذيبهم واستجوابهم، باعتبار ذلك جزءًا من «حربها على الإرهاب»، ما كان خطوةً بغيضة وذات مردودٍ عكسي بحسب وصف كورين.

Embed from Getty Images

فعندما اندلعت الثورة عام 2011، موَّلت قطر وتركيا هؤلاء الإسلاميين وحلفاءهم، الذين قاتلوا المتمردين الأكثر اعتدالًا في ليبيا وسوريا. ورُبط بعضهم بالهجوم الذي وقع على بعثة الولايات المتحدة في بنغازي، ما أسفر عن مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز، وقضى على رغبة إدارة أوباما في التدخل في الفوضى الليبية.

وفي أواخر عام 2011، بعد رفع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التجميد عن بعض الأصول الأجنبية لنظام الرئيس السابق القذافي، تدفقت مليارات الدولارات إلى المصرف المركزي في ليبيا، ودُفِعت دون تمييز إلى كل هؤلاء ممن ادعوا «الثورية»، ما حول طرابلس بحسب كورين إلى أرضٍ خصبة للمتمردين والمتطرفين والمجرمين ممن يسعون إلى الحصول على إعانة البطالة الحكومية بينما يُقوِضون الحكومة الوليدة.

وازدادت الفوضى سوءًا بعد الهجوم على البعثة الأمريكية في بنغازي، ما أجبر القوى الغربية على مغادرة ليبيا، وسهَّل من عملية تعيين المتطرفين في مناصبَ هامة، بوزارة الدفاع على سبيل المثال.

وهناك، تمكن هؤلاء المتطرفون من محاباة حُلفائهم، وسهلوا من عملية نقل الأسلحة إليهم، وخاصةً الإسلاميين والميشيليات من مدينة مصراتة الساحلية. وفي غضون أشهر، كانت جماعاتٌ مُسلحة لتنظيم القاعدة قد أحكمت قبضتها على مدينة بنغازي.

ووفقًا للتقرير، بعد ذلك بفترةٍ وجيزة، في يونيو (حزيران) عام 2014، عقدت ليبيا انتخاباتها الوطنية الثانية، وكان أداء الأحزاب الإسلامية فيها سيئًا للمرة الثانية على التوالي. ورفض الإسلاميون الذين تدعمهم قطر وتُركيا نتائج الانتخابات، وشنوا هم وحلفاؤهم من ميليشيات مدينة مصراتة الساحلية هجومًا على مطار طرابلس، ما نتج عنه قتالٌ امتد إلى الأحياء السكنية، ومن ضمنها الحي الدبلوماسي.

فسحبت الولايات المتحدة ما تبقى من دبلوماسييها، ونُقِل مجلس النواب إلى مدينة طُبرق الشرقية، التي عين قادتها حفتر بصفةٍ رسمية قائدًا للجيش الوطني الليبي. كان حفتر لواءً من حقبة القذافي، وكان قد عاد حينها من منفاه بالولايات المتحدة الأمريكية بعد طرده من ليبيا عام 2011.

أمَّا في طرابلس، أعلن تحالف إسلاميي مصراتة عن رفضهم الاعتراف بالحكومة المُنتخبة، وأتوا بأعضاءٍ آخرين غير مُنتخَبين بوصفهم ممثلين في المؤتمر الوطني العام الواهن. وعانى المؤتمر الوطني العام منذ تنصيبه في خريف عام 2012 وحتى أغسطس (آب) عام 2014، عندما حل محله مجلس النواب.

بحثًا عن حلٍ سريع

في صيف 2014، استضافت الأمم المتحدة حوارًا للمصالحة عُقِد في المغرب، ونتج عن هذا الحوار وثيقة بعنوان «الاتفاق السياسي الليبي»، وقعها ممثلون من كلٍ من حكومتي طرابلس وطُبرق في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015. هدفت الوثيقة إلى تسوية الخلافات بين مجلس النواب والمؤتمر الوطني، من خلال دمجهما سويًا في ما عُرِف بحكومة الوفاق الوطني. ونتجت عن ذلك فوضى مُطلقة حسبما أوضح كورين.

Embed from Getty Images

ففي ديسمبر عام 2015، عُهِد بالسلطة التنفيذية إلى مجلسٍ رئاسي مُكون من تسعة أعضاء، من بينهم الرئيس وخمسة نواب للرئيس وثلاثة وزراء. واختير أعضاء للهيئة الاستشارية المعروفة بمجلس الدولة من ممثلي كلتا الحكومتين.

لكن كان هناك عائقٌ قانوني، فطبقًا لشروط الاتفاق، يجب المصادقة على حكومة الوفاق الوطني بالأغلبية في مجلس النواب، ليُدمج مجلس النواب معها فيما بعد باعتبارها سلطة تشريعيةٍ لها. وكانت العقبة الرئيسية في طريق قرار مُصادقة مجلس النواب هي فقرة في نص الاتفاقية صُممت بغرض تهميش حفتر، الذي شكل في نظر ائتلاف إسلامويي مِصراتة التهديد الأكبر لهم.

في البداية رفض كلٌ من مجلس النواب وحكومة الوفاق الوطني المُشاركة في الاتفاق، واجتمعت حكومة الوفاق الوطني للمرة الأولى بتونس في يناير (كانون الثاني) عام 2016، لتُنقل فيما بعد إلى منطقة معزولة في طرابلس، في حين واصل مجلس النواب ادعاءه حكم ليبيا في الشرق.

وفي الوقت الذي واجهت فيه حكومة الوفاق الوطني طريقًا مسدودًا أثناء عزلتها في طرابلس، كان حفتر قد حقق انتصاراتٍ عدة في ساحة المعركة. فبحلول عام 2017، كان قد نجح في طرد تنظيمي القاعدة وداعش ومتطرفين آخرين من بنغازي، مُعزِزًا من شعبيته في جميع أنحاء البلاد. فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة نشرها المعهد الهولندي للعلاقات الدولية عام 2018 أنَّ ثقة المجتمع الليبي في قدرة جيش حفتر الوطني على «توفير الحماية» تفوق ثقته في حكومة الوفاق الوطني.

وبالرغم من أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الأوروبيين كانوا سعداء بالمساعدة في إطاحة القذافي، فقد الغرب اهتمامه بليبيا بعد هجوم بنغازي عام 2012. لكن يوضح كورين أنَّ الأمور تغيرت بدءًا من عام 2016، عندما وصلت تداعيات الخلل السياسي الليبي إلى الشواطئ الأوروبية، وذلك بزيادة معدلات هجرة الأفارقة إلى أوروبا، رغم الانتشار السريع لداعش في ليبيا وشمال أفريقيا.

خشي الأوروبيون أن يدخل الإرهابيون بلادِهم مُتنكرين في هيئة لاجئين ومُلتمسي لجوء. وكانت المناطق النائية في طرابلس قد أصبحت ميدانًا لتدريب المُفجرين الانتحاريين في أوروبا وتونس، ومن ضمن هؤلاء الانتحاريين ذلك الذي أزهق 22 روحًا في حفلٍ موسيقي في مانشستر في إنجلترا عام 2017.

لهذا انحاز المجتمع الدولي إلى النفعية على حساب الاستقرار طويل المدى. وبحسب كورين، في مطلع عام 2016، تحول الغرب من اعترافه بمجلس النواب إلى اعترافه بحكومة الوفاق الوطني التي لم يُصدَّق عليها بعد.

وبحصول الولايات المتحدة على إذن الحكومة، بدأت في قصف قاعدة داعش في سِرت، في حين عقدت إيطاليا اتفاقياتٍ مع ميليشيات طرابلس للإبقاء على مُلتمسي اللجوء من الأفارقة في ليبيا. ولم يُثِر هذا فقط غضب الليبيين، بل عرَّض من يحاولون الهجرة لمعاملةٍ وحشية على أيدي المتاجرين بهم.

وفي نهاية عام 2016، أصبح حفتر من القوة بحيث يصعُب تجاهله، واتسعت الهوة بينه وبين حكومة الوفاق الوطني، وأصبح من الصعب تقليص المسافات بينهما. ولم يلقَ حفتر سوى تأييد جماهيري ضئيل في الغرب، لذا شرع في التودد إلى روسيا ومصر وعديدٍ من الدول الخليجية، مُجادلًا بأنَّه وجيشه الوطني يمتثلان لمجلس النواب وليس إلى حكومة الوفاق الوطني، التي وفقًا للاتفاق السياسي الليبي ما تزال غير موجودة حتى الآن.

عينت الأمم المتحدة في يونيو (حزيران) عام 2017 مبعوثها الليبي الرابع غسان سلامة، بعدما علق الاتفاق السياسي الليبي بالوحلِ مجددًا. وحاول سلامة إنقاذ الاتفاقية من خلال إشراك مجلس الدولة ومجلس النواب في عمليةٍ لتبسيط هيكل القيادة لحكومة الوفاق الوطني.

وفي الشتاء الماضي، أعلن سلامة بعد أن أُحبِطت محاولاته أنَّ خطوته القادمة تتمثل في عقد مؤتمر وطني شامل، من شأنه أن يُغطي كل المسائل العالقة في آنٍ واحد. وأُجل ذلك المؤتمر الذي تقرر عقده في مطلع هذا الشهر بعدما بدأ حفتر هجومه.

هل من نهاية لذلك النزاع؟

يوضح كورين أنَّ أقصى ما ينشده الليبيون الآن هو النظام، ووضع حدٍ للنزاع الدائر في البلاد. وحيث أنَّ المجتمع المدني ليس مستعدًا لقبول المسؤوليات والكلفة الناتجة عن عملية التدخل نفسها، لذا قد تُشكّل تحركات حفتر الحالية فرصةً لتغيير الوضع الراهن، بالكيفية ذاتها التي حطمت بها تحركات الثوار المفاجئة التقسيم الفعلي للبلاد بين الثوار ونظام القذافي.

Embed from Getty Images

لكنَّ الباحث يرى أنَّ هجوم حفتر يُعد مجازفةً خطيرة. فهذا التغيير الجذري والسريع على الصعيد الميداني بإمكانه أن يُفضي إلى وقف إطلاق النار، الذي بدوره سيحرر العاصمة من سيطرة الميليشيات عليها، ومن حكومة الوفاق الوطني بالتبعية، لكنَّه قد يكون أيضًا نذيرًا بمحاولة من جانب حفتر لفرض حكمٍ استبدادي على البلاد.

وفي حال استمر المأزِق طويلًا، قد تشهد البلاد تصاعدًا مأساويًا لحربٍ بالوكالة، تساند فيها قطر وجماعة الإخوان المسلمين حكومة الوفاق الوطني، وتُساند فيها السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة الجنرال حفتر.

خلال الأيام القليلة الماضية، كشف حصار حفتر عن انقساماتٍ داخل ميليشيات حكومة الوفاق الوطني، بسبب اختلافها على الدور الذي تلعبه كلٌ من داعش وجهاديي القاعدة في النزاع الحالي. وقسم الحصار المجتمع الدولي أيضًا، فالاتحاد الأوروبي يُناشد حفتر بوقف تحركاته، أما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فقد فشل في تمرير مشروع قرار يُدين الهجوم.

وفي حال نجح الجيش الوطني الليبي في السيطرة على طرابلس، وقبِل المجتمع الدولي بهذه النتيجة، وضع كورين بعض الخطوات الضرورية لتحظى أي حكومة ليبية بالشرعية السياسية لحكم البلاد.

أولها، أنَّه يتوجب على الأمم المتحدة إرسال قوات لحفظ السلام، كي تراقب تحركات الجيش الوطني الليبي، وتساعد في حل المليشيات المتبقية في البلاد ونزع سلاحها، وتحقيق الاستقرار بعد انتهاء النزاع.

ويشير كورين إلى أنَّه في هذا الصدد، ساقت الخبيرة القانونية الليبية عزة المقهور حُجةً مُقنِعة، وهي أنَّ أية حلول قانونية لأزمة ليبيا سيتعين على مجلس النواب اتخاذها، بصفته الهيئة القانونية الأخيرة في البلاد. وطبقًا لهذا السيناريو، سيصدق مجلس النواب على قانون انتخاباتٍ جديد، وحكومة انتقالية تكنوقراطية تسترشد بها البلاد لحين استعدادها لعقد انتخاباتٍ وطنية.

وهذا النهج، وفقًا للباحث، يشبه ما كانت تخطط له أول حكومة تشكلت بعد سقوط القذافي، وهي الحكومة المعروفة باسم المجلس الوطني الانتقالي، قبل أن يضغط عليها الإسلامويون والولايات المتحدة الأمريكية للإسراع في عقد الانتخابات. وبعد الانتخابات، ستبدأ من جديد عملية إنجاز مشروع الدستور.

وإذا رأى حفتر أنَّ المجتمع الدولي سيمتنع عن دعم حكومة الوفاق الوطني، ولن يسمح بحكمٍ ديكتاتوري عسكري، فربما يستمر في دوره بوصفه قائدًا للجيش الوطني الليبي، ويمتثل للحكومة الشرعية. وربما قد يُشارِك في العملية السياسية باعتباره واحدًا من مُرشحين كُثر لمنصبٍ مدني.

وفي هذا السيناريو، يرى كورين أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية ليست في حاجة لفعل الكثير، وأنَّه بإمكان حكومة ترامب تجنب الوقوع في نفس الفخ الذي سقطت فيه سابقتها، بعدم الانخراط في الهيستيريا المتعلقة بحفتر والجيش الوطني الليبي، وأن تُوضِح لحفتر أيضًا ضرورة أن يقتصر عمله على حماية وطنه فقط، وليس اضطهاد منافسيه وتعزيز سلطته.

رغم الدعم الدولي الكبير.. لماذا لم ينتصر حفتر حتى الآن؟

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد