يتبختر الساسة والقضاة البريطانيون في أزياء من القرون الوسطى ويغطون رؤوسهم بشعر مستعار، ويتشدقون بوثائق تتحدث عن الحقوق وسيادة القانون، بينما لا توجد قيمة حقيقية لكل هذا على أرض الواقع.

الدستور البريطاني

غالبًا ما يتم وصف الدستور البريطاني بأنه “دستور غير مكتوب”. وهو أمر يحمل شيئًا من الخطأ. بالفعل ليس هناك وثيقة واحدة رسمية تُسمى “الدستور البريطاني” وتحوي بين طياتها القوانين والأعراف المنظمة للحياة بشكل عملي. لكن وبالرغم من ذلك، فالدستور البريطاني مكتوب فعلًا، لكنه مكتوب في عدة وثائق متفرقة بدلًا من وثيقة واحدة جامعة. وتشمل هذه الوثائق العديد من النصوص المبجلة والأعراف القديمة والمواد التي تم تطويرها مع الوقت. وتعتبر أهم تلك الوثائق هي وثيقة ماجنا كارتا والمكتوبة عام 1215.

وحلت ذكرى مرور 800 عام على كتابة هذه الوثيقة في 15 يونيو الماضي، وتم إقامة العديد من الندوات والمؤتمرات وإلقاء العديد من الخطب وكتابة المقالات – بما فيها هذه المقالة- في احتفال لمدة أسبوع بوثيقة ماجنا كارتا، وقد حدث هذا في بريطانيا كما حدث في كل الأماكن العاملة في مجال القانون في كل العالم.

تاريخ وثيقة ماجنا كارتا

من السهل القول بالفرضية المشتهرة عن إن ماجنا كارتا – هكذا بدون “ال” التعريف كما في الوثيقة- هي أساس الليبرالية الإنجليزية، وحجر أساس لمبدأ سيادة القانون في الدولة. فقد ختم الملك سيئ السمعة “جون لاكلاند” وثيقة ماجنا كارتا تحت ضغط وإصرار النبلاء والكنيسة بادئ بذلك فكرة وجود دستور يقوم على أساس سيادة القانون، مما أدى بعد ذلك لنشوء نظام قانوني وسياسي ليبرالي، وهو ما أفضى في النهاية للتحول للديموقراطية الحديثة كما هي الآن.

 

لكن من السهل أيضًا السخرية من هذه الفرضية واعتبارها كلامًا لا قيمة له. فقد استمر العمل بتلك الوثيقة المكتوبة عام 1215 لعدة شهور فقط قبل أن يتم إلغاؤها. فالوثيقة التي نطلق عليها ماجنا كارتا كُتبت في الحقيقة عام 1297. ولم يطلق اسم ماجنا كارتا أو “الوثيقة العظمى” الملك جون أو أي من معاصريه، بل تم الأمر بعد ذلك. وقد احتوت تلك الوثيقة على العديد من الأمور غير ذات الأهمية كتنظيم مصايد الأسماك والغابات، وتقريبًا كل ما جاء في الوثيقة تم استبداله حاليًا.

وثيقة ماجنا كارتا مشهورة حتى الآن. وذلك بفضل فقرة واحدة مهمة حقًّا، وهي:

“لا يجوز احتجاز أي رجل حر، أو سجنه، أو تقييد حريته، أو حقه في التملك، أو انتزاع أملاكه، أو المصادرة على أفعاله، أو اعتباره خارج على القانون، أو نفيه، أو إيقاع أي ضرر عليه، ولن يتم الحكم عليه أو إدانته إلا بواسطة محاكمة عادلة من نظرائه أو بقانون البلد. لن نترك أي رجل أو نسلمه إلا بالحق أو العدل”.

وتُعتبر صياغة هذه الفقرة لا تُضاهى في استيفائها لمعاير إخضاع الحكومات لقوانين البلاد، لكن وعلى الرغم من ذلك فلا تأثير لها أو أي قيمة تنفيذية.

القوة التشريعية للماجنا كارتا

فاعتماد المحاكم الإنجليزية على هذا النص نادر جدًّا جدًّا إن لم يكن منعدمًا. ويبدو أن تلك الوثيقة لم يكن لها أي تأثير فعلي في أي حالة أو قضية معروفة، هذا على الرغم من أنها غالبًا ما تُذكر في السياق. ونفس الأمر ينطبق على العصر الحديث، فقد فشلت الأحزاب في الاستناد على تلك الوثيقة في الطعن على قرارات طرد المعارضين السياسيين ومحاولات الحد من المساعدة القانونية. غالبًا ما يتم الاقتباس منها من قبل القضاة والسياسيين، وهذا هو سبب أهميتها بالنسبة لهم. فقد تحولت لشعار فارغ وعبارات مكررة غير ذات قيمة فعلية. وثيقة ماجنا كارتا لا تحمل قوة قانونية، وليس بإمكان أي شخص الدفع بها في المحكمة والاستناد إلى نصوصها، ومن يفعل هذا لا يؤخذ على محمل الجد من قبل المحكمة. فقد حاول متظاهر من بضع سنوات الاستناد لوثيقة ماجنا كارتا لرفض قرار إخلاء المتظاهرين من كاتدرائية القديس بولس، فسخر القاضي من تلك المحاولة بشدة، وعندما ادعى المتظاهر أنه يستدل بنصوص ماجنا كارتا أنكر القاضي محاولته بقوله إنها “مفهوم لا يميزه القانون”.

وعلى النقيض من ذلك نجد بعض الوثائق ذات الطابع الدستوري في عدة بلاد مُلزمة، ومثال على ذلك: وثيقة الحقوق بالولايات المتحدة والتي تعد إحدى الوثائق المبجلة هناك. وتتضمن التعديل الأول الذي يضمن حرية الصحافة والتعديل الخامس ويُعنى بحق المتهم في الدفاع عن نفسه، وهذه البنود ذات تأثير واضح على الحياة اليومية للمواطن الأمريكي. فوثيقة الحقوق فعالة ولها تأثير حقيقي على ما يمكن أن تفعله الدولة وما لا تفعله.

لكن هذه ليست الحالة نفسها بالنسبة لماجنا كارتا، وحتى أقوى الدفوع في إنجلترا لمعارضة الاحتجاز غير القانوني والمثول أمام المحكمة، لم تكن لها أي صلة بالوثيقة بل تطورت من مبدأ قانوني مختلف.

 

سبب شهرة وثيقة ماجنا كارتا

إذن، لماذا تحظى ماجنا كارتا بكل هذه الشهرة؟ وهل يحدث فارق إذا كانت مجرد مبدأ صوري ومعنوي بلا أي تأثير تشريعي؟

ترجع شهرة ماجنا كارتا للمثقفين والمحامين في القرن السابع عشر وليس القرن الثالث عشر وقت كتابتها، وخاصة لفقيه قانوني عبقري يدعى سير إدوارد كوك. فقد أعاد اختراع ماجنا كارتا بوصفها وثيقة الحقوق الأساسية ضد التاج، وذلك في حقبة الملك المستبد تشارلز الأول، تمامًا كما أعاد شكسبير حكي قصص مجموعة من ملوك وفرسان القرون الوسطى وأعاد اكتشاف قصة الملك آرثر. أحضر إدوارد كوك وثيقة قديمة وغامضة وتلقب بـ”العظمى” بسبب طولها بدلًا من تأثيرها، وجعلها حجر الأساس لدستور حديث. وما يُعتقد أنه كان ناتج حياة الفرسان المثالية في إنجلترا بالقرون الوسطى من نصوص ماجنا كارتا، كان في الحقيقة نتيجة جهود تيودور وستيوارت القانونية في القرن السادس عشر.

حتى إن كان هذا صحيحًا، فما الضير من ذلك؟ فهناك بالطبع ما يمكن التمسك به في وثيقة ماجنا كارتا واستخدامها كرمز. فعلى أسوأ الظروف هي “غير مضرة”، وفي أحسن الأحوال يمكن اعتبارها شيئًا ملهمًا. وربما تكون كذلك بالفعل، لكن يوجد رأي آخر يعارض ذلك، بل ويسخر من تلك النظرة.

نظرة الساسة لوثيقة ماجنا كارتا

الفخر والاعتزاز الذي تظهره الحكومة والمحافظون لوثيقة ماجنا كارتا ليس بالرغم من كونها غير ذات تأثير قانوني، بل العكس، لأنها بلا أي تأثير حقيقي. فهي تعطي الفرصة لمن لا يريدون لأي أحد أن يشكك أو يُسائل سلطاتهم القانونية، ولا أن يخضعوا لأي محكمة، ومع ذلك فما زال بإمكانهم التشدق بذلك المبدأ الدستوري العظيم. تريدنا الحكومة المحافظة الحالية بالمملكة المتحدة أن نحتفل بشدة بالذكرى السنوية للماجنا كارتا، والتي ليس لها قيمة في أي محكمة، بينما تسعى لإلغاء قانون حقوق الإنسان لعام 1998، والذي يمكن استخدامه في المحكمة.

في نهاية المطاف، فوثيقة ماجنا كارتا تُعبر عن عدم وجود مبادئ دستورية بدلًا من أن تحتوي مبادئ دستورية. وهي نوع من الوثائق التي يريدك من في السلطة أن تحتفل بها وتثني عليها بدلًا من منحك أي حقوق دستورية فعلية. فلا تنخدع بذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد