تحل هذا الشهر ذكرى مرور عشرين سنة على أسوأ جريمة شهدتها أوروبا على أراضيها منذ الحرب العالمية الثانية. مابين 11 و13 يوليو عام 1995، احتل جيش صرب البوسنة المنطقة الآمنة التي حددتها الأمم المتحدة في “سريبرينيتسا”، و أعدموا حوالي 8000 من مسلمي البوسنة بشكل ممنهج. وكانت الإبادة الجماعية في البوسنة حدثًا مروّعًا خاصة لوقوعها بعد مرور أقل من عام واحد على الإبادة الجماعية في رواندا 1994، التي قتل خلالها أغلبية الهوتو مايقرب من 800,000 شخص من أقلية التوتسي في حملة تطهير عرقي بشعة. وكلا البلدين تركتهما الحروب الأهلية وعنف الإبادات الجماعية محمّلتين بالصدمات والدمار والأضرار الجسيمة. وبينما أرسلت الولايات المتحدة وحلفاؤها أفضل دبلوماسييها وقادتها العسكريين وخبراء التنمية إلى البوسنة لوضع وتنفيذ اتفاقات دايتون، تُركت رواندا وحيدة تحدد مصير مستقبلها السياسي. بعد عشرين سنة، رواندا يضرب بها المثل كقصة نجاح، أما البوسنة فيعتبرها الكثيرون لاتزال تتأرجح على حافة تجدد العنف.

تكشف لنا المقارنة بين مرحلة التعافي الاجتماعي والاقتصادي في البوسنة ورواندا عن دروس مهمة لمراحل مابعد الصراعات الأهلية، من سوريا إلى العراق والسودان، والتي كانت تعجّ بالفظائع و الأعمال الوحشية ضد الجماعات العرقية و الدينية. ففي نهاية المطاف يجب على هذه البلدان أن تجد طريقًا نحو التعافي والمصالحة، وكذلك يجب على المجتمع الدولي أن يقرر كيف سيساعدها في هذه العملية.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا مثل المقارنة بين التفاح والبرتقال: البوسنة بلد أوروبي، يجاور مباشرة الاتحاد الأوروبي الذي يشكّل إجمالي الناتج المحلي لأعضائه الـ28 أكبر اقتصاد في العالم. أما رواندا، في المقابل، فهي تقع في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، المنطقة الأكثر تخلفًا اقتصاديًا في العالم. ولفترة طويلة رفض صانعو السياسة الغربيون والباحثون المقارنة بين البلدين، وهو ما انعكس في سخرية دانيس تانوفيتش من ذلك في فيلمه الحائز على جائزة الأوسكار حول الحرب البوسنية، “الأرض الحرام”. في الفيلم، يقرأ جندي من جيش صرب البوسنة الجريدة في وسط مناوشات دموية لا معنى لها إطلاقًا ويصيح “يالها من فوضى في رواندا!”.

ومع ذلك، تُظهر بيانات البنك الدولي ثلاثة أوجه للتشابه بين البوسنة ورواندا ترتبط بتقييم تجربة التعافي بعد الإبادة الجماعية، وهي: الحجم، و الاقتصاد، و المساعدات. كلا البلدين صغير وغير ساحلي، حجم السكان متقارب مابين حوالي 3.5 مليون نسمة في البوسنة و 5.5 مليون في رواندا في منتصف التسعينات. كذلك الناتج المحلي الإجمالي للبلدين كان متقاربًا وقت حدوث الإبادة: ففي البوسنة 1995 كان الناتج المحلي الإجمالي 1.9 مليار دولار، وفي رواندا كان 1.3 مليار دولار، مما جعلهما يصنفان ضمن أفقر 25 في المائة من بلدان العالم. إجمالي المساعدات الخارجية للبلدين بين عامي 1995 و 2014 تشابه بشكل ملحوظ ( 12.3 مليار دولار للبوسنة، 10.9 مليار دولار لرواندا )، مما يشير إلى أن اختلاف سرعة تعافيهما ليس مجرد انعكاس للتفاوت في المساعدات الدولية.

وعلى الرغم من هذا التشابه، فإن تجارب تعافي البلدين اجتماعيًا واقتصاديًا أعطت نتائج مختلفة تمامًا وغير متوقعة.

فالبوسنة – مقارنةً مع الدول اليوغوسلافية السابقة – نما اقتصادها ببطء، وتقدّر نسبة البطالة فيها بحوالي 45 في المائه، وكذلك لديها واحدة من أعلى نسب الفساد في البلقان بحسب منظمة الشفافية الدولية. ولا تزال جماعاتها العرقية منقسمة بشدّة حتى إن نشيدها الوطني بقي بلا كلمات لأن تلك المجموعات المختلفة لم تستطع الاتفاق عليها.

وعلى نقيض ذلك، وُصفت رواندا مابعد الإبادة الجماعية بأنها “منارة للتقدم في القارة الأفريقية. فسجلت الاستثمارات في البنية التحتية، والتعليم، والصحة نموًا ملحوظًا. ومع انطلاقها من قاعدة منخفضة، بلغ معدل النمو السنوي في رواندا 13-14 في المائة في الفترة من 2003 مما يجعلها واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، كذلك تسجل حكومتها عمالة كاملة، لكن مع ذلك تصعب مقارنة هذا الرقم ببيانات البلدان الأكثر تقدما لأن العديد من الروانديين مازالوا يعملون في زراعة الكفاف، أيضًا تسجّل مستويات الفساد بها نسبة من أدنى النسب في المنطقة بحسب مؤشر الفساد العالمي لمنظمة الشفافية الدولية 2014، حيث جاءت رواندا في المرتبة ال55 من بين 175 دولة، بينما تأخرت البوسنة للمرتبة ال80. أما العنف على أساس عرقي فهو الآن نادر للغاية.

أحد التفسيرات المحتملة لنجاح رواندا مقارنة بالبوسنة هو فعالية المساعدات الخارجية في كل دولة، وعلى الرغم من تراجع أهمية المساعدات الخارجية في بلدان العالم النامي في العقود الأخيرة، إلا أنها لا تزال عاملًا حاسمًا للبلدان التي دمرتها الحرب. ففي المراحل الأولى من التعافي تعتمد هذه البلاد على مساعدات التنمية الخارجية لأن إيراداتها المحلية تكاد تكون منعدمة كما تجذب استثمار أجنبي مباشر بشكل ضئيل للغاية. تعتقد كثير من الجهات المانحة أنه كلما زاد تقديم المساعدات الخارجية لبلد في مرحلة مابعد الصراع، كلما أدى ذلك لسرعه تعافيه. وبالفعل عند تحليل بيانات البنك الدولي، نجد علاقة طردية قوية بين حجم المساعدات في رواندا وبين نموها الاقتصادي، لكن في البوسنة نجد العكس، علاقة سلبية بين المساعدات الخارجية والنمو.

وهكذا، ترافق حصول البوسنة على مزيد من المعونات الدولية مع بطء في النمو بدلًا من الإسراع فيه، وعلى الرغم من وجوج عوامل عدة تتحكم بهذا، إلا أنه من المنطقي جدا أن الفساد يقلل من فعالية المساعدات. فعندما استخدمنا المعدلات السنوية المتاحة من منظمة الشفافية الدولية للسيطرة على معدلات الفساد في البلدين، لم يكن هناك تأثير ذو دلالة إحصائية للمعونات على النمو الاقتصادي.

على نطاق أوسع، يمكن القول إن الاختلاف بين التعافي الرواندي والبوسني متجذر في نظاميهما السياسيين، والذي انعكس على شكل مستويات مختلفة من فعالية الحكومة بهما.

1 2

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد