نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا مصورًا، أعده المصور الصحافي جايد ساكر، سلّط فيه الضوء على أوضاع الأسر السورية التي تعيش على أصداء قصف قوات التحالف التركية المتاخمة لهم، وتتساءل متى سيمكنها العودة إلى ديارها. 

مستقبل مجهول ومدارس ليست للتعليم

ينقل التقرير عن فاطمة شلو (43 عامًا)، التي كانت تجلس على أرض منزل عائلتها الجديد في «تل تمر»، قولها: «أفضِّل العودة إلى قريتي لأُقتل هناك على أن أعيش لاجئة هنا». كان ذلك في بداية نوفمبر (تشرين الثاني) حيث كانت فاطمة وعائلتها يعيشون في مدرسة مهجورة دمرها تنظيم الدولة.

وفَّر صف من أشجار الصنوبر القليل من الظل تحت شمس منتصف النهار الحارقة، حيث كان أطفال فاطمة يلعبون فوق الأنقاض الخرسانية للفصول الدراسية. وتوجد سبورة بين حائطين مكتوب عليها منذ سنوات خلت: «الدولة الإسلامية باقية». 

في الأسابيع القليلة الماضية، كان القتال بين قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية، والجيش السوري، والجيش الحر المدعوم من تركيا قد وصل إلى قرية فاطمة «أم الكيف» على أطراف تل تمر شمالي سوريا. 

يكمل جايد تقريره: عاش مجتمع فاطمة الصغير المكون من مسلمين عرب، في سلام إلى جانب جيرانهم الأكراد والمسيحيين لعدة أجيال. ولكن مع اقتراب أصوات القصف والغارات الجوية، غادرت معظم العائلات هناك إلى مدينة الحسكة، التي تبعد 25 ميلًا من «تل تمر». هربوا بسيارات مؤجرة وسيرًا على الأقدام، وكان بعض الأطفال حفاة الأقدام، حاملين ما يستطيعون حمله من متاعهم، ويواجهون مستقبلًا مجهولًا. كانت عائلة فاطمة واحدة من هذه العائلات التي لاذت بالفرار. 

إطارات تحترق في «أم الكيف» لتوفير غطاء جوي لتعمية الطائرات، والطائرات بدون طيار التركية في 11 نوفمبر. هذه المنطقة هي قاعدة للهلال الأحمر الكردي، وهي منظمة إنسانية غير ربحية، تستقبل الجرحى من خط المواجهة.

طفل يجلس بجوار شاحنة تحمل ممتلكات أسرته في أثناء استعدادهم للفرار من القتال الدائر في «أم الكيف» – يوم 4 نوفمبر.

سلام لا يأتي وحرب لا تشبع

يستطرد جايد واصفًا ما حدث: كانت «أم الكيف» قد تغيرت تغيرًا كبيرًا بالفعل بعد رحيل فاطمة؛ فبعد يومين من هروبها، أصبحت قريتها الصغيرة على بعد ميل واحد فقط من خط المواجهة. وأصبح مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية، الذين ارتدوا ملابس مدنية لتجنب استهدافهم بالطائرات بدون طيار، سكان القرية الرئيسيين. أحرقت الإطارات، وحجب دخانها الأفق. 

في ظهيرة أحد الأيام، ضربت قذيفة منزلًا، ووفقًا لأعضاء من قوات سوريا الديمقراطية- المتمركزة في القرية- قُتل طفلان وجُرح سبعة مدنيين. كل هذا على الرغم من حقيقة عدم وجود صراع بصورة رسمية. ففي 22 أكتوبر (تشرين الأول) توسطت روسيا في اتفاق لوقف إطلاق النار مع تركيا لوقف تقدم جيشها، لكن القتال لم يتوقف. 

يتابع التقرير: يقول أحد جنود قوات سوريا الديمقراطية، والذي طلب أن يشار إليه باسم «آجير»: «لم يكن الحديث عن اتفاقيات السلام حقيقة واقعية على الأرض أبدًا». 

وطالبت تركيا، التي كانت طرفًا في الاتفاق الأخير، بمنطقة آمنة على طول أجزاء من حدودها مع شمال سوريا، على أن تُخلى القوات الكردية منها أيضًا. ويعتقد مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية أن «تل تمر» – المدينة التي لم تكن يومًا ضمن المنطقة الآمنة- مستهدفة الآن. 

ينقل جايد عن أحد الجنود قوله: «في لحظة قد يبدو كل شيء على ما يرام، وفي لحظة تالية يتحول المكان إلى جحيم على الأرض». ليس واضحًا مقدار سيطرة تركيا الآن على الجيش الحر الذي تدعمه، لكن أولئك الذين على الأرض يتوقعون أن المقاتلين متحفزون للاستيلاء على المدينة بهدف السلب والنهب.

جاسم زوج فاطمة يحمل طفلهما في  أم الكيف يوم 6 نوفمبر، أرعبت أصوات القصف والمدفعية أطفالهم، الذين شهدوا سنوات من السلم بعد أن طردت «قسد» الدولة الإسلامية.

والدة فاطمة تقف على بوابة منزلها في أم الكيف يوم 6 نوفمبر

فاطمة الشلا في تل بالوعة يوم 7 نوفمبر- تشرين الثاني

شقاء اللجوء.. حكايات تتجدد

فاطمة خود الشلا (36 عامًا) لم تكن تعرف أين سينام أطفالها في اليوم الذي غادروا فيه «أم الكيف». وجدت في النهاية ملجأ في قرية مسيحية – تل بالوعة- هجرها سكانها في أثناء حكم تنظيم الدولة قبل أربع سنوات. لا توجد مياه جارية أو كهرباء في البيوت، ومعظمها بلا أثاث حتى إنها بلا أبواب ونوافذ. اختبأت عائلة فاطمة المكونة من سبعة أفراد في غرفة واحدة. وأصبح أطفالها الذين حُرموا من التعليم يقضون معظم نهارهم في الداخل. 

يتابع جايد: في أوائل نوفمبر، كانت هناك 80 عائلة لاجئة تعيش في «تل بالوعة». أجرى المسؤولون المحليون حصرًا للعائلات، لكنهم لم يقدموا لهم أي مساعدات. وقال اللاجئون إنهم اضطروا إلى شرب الماء من نهر قريب، ما أصاب بعضهم بالمرض. وتقول فاطمة الشلا: «الحياة هنا ليست حياة». فاطمة التي تنتظر مولودًا قالت بأنها ستسميه «حرب» إن كان ذكرًا. 

سيدة مسلمة من رأس العين تزور كنيسة محترقة في تل بالوعة حيث وجدت لاجئًا في 9 نوفمبر- تشرين الثاني

كنيسة في أم البالوع، القرية المسيحية التي أصبحت ملجأً للمسلمين الأكراد الذين فرّوا من بطش الحرب

يتابع التقرير مع سالم عويد (50 عامًا) الذي نقل عائلته إلى قرية أخرى مسيحية مهجورة تسمى «تل حفيان». وهم يعيشون مع عائلتين – بمجموع 25 فردًا- في بيت مكون من ثلاث غرف، ترك الصراع ندوبه في جبين حياتهم. وعلى الرغم من نقص المياه النظيفة والطعام، قال سالم إن خوفه الأكبر هو المزيد من الحرب، فأطفاله مصابون بالصدمة من أصوات القتال.

سالم عويد وعائلته يجلسون خارج منزلهم الذي أصبح الآن خاليًا في أم الكيف يوم 6 نوفمبر- تشرين الثاني.

ابنة سالم عويد ذات الاثني عشر ربيعًا تقف في منزلها الجديد في قرية تل حفيان، التي هُجرت في أثناء حكم تنظيم الدولة، 9 نوفمبر – تشرين الثاني- معظم البيوت تظهر عليها علامات القتال العنيف الذي جرى بين قوات سوريا الديمقراطية وتنظيم الدولة.

آفاق مغلقة وآمال بالعودة 

في هذه الأثناء، هناك قصف وغارات جوية يومية على القرى المحيطة بـ«تل تمر»، وعلى جبهات أخرى من جبهات العملية التركية المتوقفة. وليس واضحًا ما إذا كان الجيش الحر المدعوم من تركيا سيواصل تقدمه، لكن السوريين يستعدون للأسوأ. 

معظم اللاجئين لا يستطيعون الحصول على مساعدات، وليست لديهم قدرة مادية أو علاقات تمكنهم من الهجرة إلى بلد آخر. وهم ينتظرون الشتاء القاسي بقلق، ويأملون أن تسنح لهم فرصة للعودة إلى ديارهم. 

يختم جايد مقاله بالقول: «على الرغم من الخطر الناجم عن الانفجارات المتواصلة، يعود سالم إلى بيته السابق في «أم الكيف»، حيث يجلس بين منزله وأشجار الزيتون المتناثرة ويقول: «أحب منزلي»، مشيرًا إلى أنه غير مستعد أن يهجر منزله الزهيد والممتلكات التي تعود لعائلته. وهو يمضي يومه هناك، دون عائلته، حيث تدوِّي أصداء القصف بالقرب من المكان».

«فورين بوليسي»: هل كانت تستطيع تركيا تجنب التدخل العسكري في سوريا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد